أعاد توقيف أب في منطقة باب التبانة في طرابلس، في الثامن من آب الجاري، بشبهة “الاعتداء الجنسي والتحرش ببناته الثلاث”، إلى الواجهة واحدة من أخطر الجرائم التي تطاول الأطفال، خصوصاً عندما يكون المُعتدي من داخل الأسرة، وممن يُفترض أن يشكلوا مصدر حماية وأمان للطفل.
وتفتح القضية مجدداً ملف الاعتداءات الجنسية على الأطفال في لبنان، ولا سيما تلك التي تبقى خلف الأبواب المغلقة عندما يكون المعتدي أباً أو قريباً، ودور الأسرة والمؤسسات المعنية في كشفها والتدخل لحماية الضحية.
أرقام عالمية مقلقة
لا تبدو جرائم التحرّش الجنسي في لبنان حالات معزولة. فقد كشفت آخر تقديرات عالمية، أصدرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” أن نحو 370 مليون فتاة وامرأة تعرضن للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي قبل بلوغ سن الثامنة عشرة، أي نحو فتاة وامرأة من كل ثماني. ويتسع نطاق الظاهرة أكثر عند احتساب أشكال العنف الجنسي غير التلامسية، إذ يصل العدد إلى نحو 650 مليون فتاة وامرأة.
لبنانيّاً
أما الأرقام اللبنانية فلا تقل إثارة للقلق، ولا سيما لناحية هوية المعتدي وصلته بالطفل. وتكشف رئيسة الاتحاد لحماية الأحداث في لبنان أميرة سكر، في اتصال مع “ليبانون ديبايت” أن الاتحاد سجّل منذ بداية عام 2026 وحتى الآن، 36 طفلاً تعرضوا لأشكال مختلفة من الاعتداء الجنسي، بينهم 27 أنثى و9 ذكور، فيما كان 12 من الضحايا دون سن الثانية عشرة. وتوضح أن الأرقام لا تقتصر على الاغتصاب، بل تشمل مختلف الاعتداءات الجنسية على الأطفال، ومنها التحرش واللمس والأفعال الجنسية القسرية.
الأب معتدٍ في 19 حالة
تشير أرقام الاتحاد إلى أن 32 من الحالات الـ36 المسجلة هم لبنانيون، فيما يتصدر شمال لبنان المناطق بـ 16 حالة، يليه جبل لبنان بـ 11، والجنوب بـ4، وبيروت بـ3، والبقاع بحالتين، مقابل عدم تسجيل حالات في النبطية خلال هذه الفترة تبعاً للحرب.
عندما يحمي “الصمت” المعتدي
وتشير سكر إلى ثغرات في آليات اكتشاف الاعتداء، أبرزها غياب آلية وطنية واضحة وإلزامية للتبليغ، وبروتوكول موحد يحدد مسار التعامل مع الحالة منذ اكتشافها وحتى التعافي. وتشدد على ضرورة كسر ثقافة الصمت و”الستر”، ونشر الوعي بأن المعتدي قد يكون من الدائرة الأقرب إلى الطفل، وترسيخ ثقافة تصديقه والاستماع إليه بدلاً من التشكيك بروايته.
على المستوى الوقائي، تدعو سكر إلى إدخال مفهوم “السلامة الجسدية” في المناهج منذ سن مبكرة، وتوعية الأطفال بحقهم في رفض اللمس غير الآمن والإبلاغ عنه، وتدريب المعلمين والأطباء على رصد مؤشرات الاعتداء. كما تطالب بآلية وطنية سرية للإبلاغ، وتوفير الدعم النفسي والقانوني للضحايا، مؤكدة أن حماية الطفل “مسؤولية دولة ومجتمع”.
القانون اللبناني
أقر لبنان في كانون الأول 2020 القانون رقم 205 المتعلق بتجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه، واضعاً إطاراً قانونياً لملاحقة التحرش ومعاقبة مرتكبيه. ويشدّد القانون العقوبة عندما يكون المتحرش من ذوي القربى، إذ تصل، وفق الفقرة (ج) من المادة الثانية، إلى الحبس من سنتين إلى أربع سنوات، وغرامة تتراوح بين 30 و50 ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور.
لكن وجود النص القانوني لا يحسم وحده معركة حماية الأطفال، إذ يبقى التحدي في اكتشاف الاعتداء وقدرة الطفل على الإفصاح عنه، خصوصاً عندما يكون المعتدي أباً أو قريباً.
مؤشرات جسديّة ونفسيّة
تضع الأخصائية في علم النفس الاجتماعي الدكتورة فريال عبدالله، الاعتداء الجنسي داخل الأسرة في خانة “الأصعب نفسياً”، لأن المُعتدي يكون ممن يُفترض أن يشكلوا مصدر أمان للطفل. فالضحية قد تفقد الشعور بالأمان تجاه الأسرة والمحيط، ويتأثر مفهومها لذاتها وتقديرها لنفسها.
وتلفت عبدالله إلى مؤشرات ينبغي أن يتنبه إليها الأهل، بينها التبول اللاإرادي، والآلام الجسدية المتكررة التي لا يظهر لها تفسير طبي كوجع البطن مثلاً، إضافة إلى القلق والخوف والعزلة والابتعاد عن الأنشطة الاجتماعية والعائلية التي كان الطفل يستمتع بها، فضلاً عن تغير عادات الأكل بين الإفراط فيه وفقدان الشهية.
مجتمعات العيب
لكن المشكلة الأكبر، برأي عبدالله، تبقى في الصمت الذي يُحيط بهذه الجرائم، وتقول: “نحن مجتمعات العيب وليس الحرام”. فالخوف من “الفضيحة” وسمعة العائلة قد يتقدم على “حماية الطفل” عندما يكون المعتدي قريباً، فتُخفى الجريمة تجنباً لكشفه.
وتؤكد أن الضحايا يحتاجون إلى متابعة متخصصة لإعادة بناء مفهومهم لذاتهم واستعادة الثقة والأمان، محذرة من أن ثقافة “العيب” قد تطاول حتى طلب المساعدة النفسية، فتحرم الطفل من العلاج الذي يحتاج إليه.