انتهت جولة المفاوضات السابعة بين وفدي “إسرائيل” والحكومة اللبنانية في روما، برعاية أميركية، من دون أن تحرز تقدماً يذكر في أي من الملفات المطروحة للنقاش، لا سيما قضية الانسحاب من مناطق أخرى تجريبية يحتلها “الجيش” الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية.
وفيما تُعوّل الحكومة اللبنانية على “صداقتها” للإدارة الأميركية ووعودها “المعسولة” بإلزام “إسرائيل” بالاستجابة للمطالب اللبنانية، خصوصاً توسيع المناطق “النموذجية” التي ينسحب منها “الجيش” الإسرائيلي، يؤكد نتنياهو، قبل وبعد كل جولة مفاوضات، إصراره على التحقق من بسط الجيش اللبناني سيطرته الكاملة على المنطقتين الأوليين اللتين سبق أن انتشر فيهما، قبل الانتقال إلى المرحلة التالية، كما ورفضه الانسحاب قبل أن تلتزم الحكومة اللبنانية باتخاذ خطوات عملية لنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التسليحية والتنظيمية، وربما الاقتصادية والاجتماعية.
لم تكن هذه النتيجة من التعنت والرفض الإسرائيليين، حتى قبل حادثة مقتل الجنديين الإسرائيليين، مُستغربة، مع انحياز “الوسيط” الأميركي وتبنيه المطلق لمطالب “إسرائيل”، وفقدان السلطة اللبنانية لأي من أوراق القوة والضغط على طاولة المفاوضات، يضاف إليهما توجه الوفد الإسرائيلي إلى روما على قاعدة أنه “ذاهب ليأخذ لا ليُعطي”، وهو الذي لام الحكومة اللبنانية واتهمها، سَلفاً، بالتقصير في الوفاء بتعهدها بنزع سلاح حزب الله.
يدرك نتنياهو أن هذا الشرط وغيره، يمنحه ذريعة دائمة مُريحة ليرفض التعاطي إيجاباً مع مطالب لبنان الرسمي، لا سيما مطلبه الانسحاب من الأراضي اللبنانية. فالسيطرة العسكرية وما يسميه نتنياهو “حرية العمل العسكري”، في الجنوب اللبناني تمنحه المقدرة على توظيفهما ليحقق جملة من الامتيازات والأهداف التي تخدمه في أكثر من صعيد.
فهو أولاً، وقبل كل شيء، يسوّق السيطرة العسكرية على مساحة تتجاوز 600 كم مربع من الأراضي اللبنانية، وبعمق 12 كم في بعض المناطق، وفق ما أشارت صحيفة “هآرتس” العبرية قبل يومين، باعتبارها إنجازاً أمنياً يحمي به المستوطنات الحدودية مع لبنان، حيث “يدفع هذا الشريط الأمني العازل مقاتلي الحزب عميقاً داخل لبنان ويحد من مقدرتهم على إطلاق المُسيّرات والصواريخ على تلك المستوطنات”. وهذا الموقف، هو جزء من مفهوم أمني جديد تبنته “إسرائيل”، باعتباره إحدى عِبر السابع من أكتوبر، وتسعى لتكريسه في قطاع غزة وسوريا ولبنان، ويقوم على ضرورة بناء خط دفاعي عازل عن المستوطنات الحدودية خارج حدودها.
أما العصفور الثاني الذي يصيده نتنياهو بحجر السيطرة العسكرية وحرية العمل العسكري في جنوب لبنان، فهو مرتبط بحاجاته الانتخابية، إذ وبسبب تعذّر تحقيق الهدف “الكبير” الذي وعد به المجتمع الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله وتفكيك قدراته والقضاء عليه، يسوّق الوجود العسكري في الأراضي اللبنانية كإنجاز استراتيجي مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعة الإسرائيلية العامة. ولا شك بأن أي تنازل يبديه نتنياهو في هذه الساحة سيُكلفه غالياً في صندوق الاقتراع، في مجتمع تتنافس فيه الأحزاب الإسرائيلية على من يأتي بالمواقف الأكثر تشدداً وعدائية تجاه الفلسطينيين والعرب.
كما أنه لا يخفى أن “إسرائيل” تستخدم السيطرة العسكرية والاعتداءات المتكررة على اللبنانيين وممتلكاتهم وبلداتهم، عصا غليظة وسوطاً مُسلطاً على رقبة الحكومة اللبنانية تضغط فيه لنزع مزيد من التنازلات منها، وحشرها في الزاوية الضيقة لدفعها إلى اتخاذ خطوات عملية لنزع سلاح الحزب، تحت وطأة التهديد والضغط المادي والاجتماعي الذي يخلقه وجود عشرات آلاف النازحين اللبنانيين وعجز الدولة عن تلبية احتياجاتهم الملحّة، خصوصاً الإيواء.
وإن كانت “إسرائيل” من حيث المبدأ، مقتنعة برغبة السلطة اللبنانية بنزع سلاح الحزب وتفكيك قدراته، إلا أنها تُشكك في مقدرتها على فعل ذلك بل وتتهمها بالعجز، وهي إنما تستمر بالضغط على الحكومة اللبنانية، مع الولايات المتحدة، في مسارين متوازيين؛ عسكري وتفاوضي، من أجل تعظيم التناقضات الداخلية اللبنانية حول جدوى استمرار التشبث بالمسار التفاوضي الذي لا يفضي إلا إلى مزيدٍ من الحرج للسلطة اللبنانية ولا يمنحها أي شيء لحفظ ماء الوجه. وربما يراد منه حصراً، الدفع باتجاه تأجيج نار فتنة داخلية، لا قدّر الله، تأكل الأخضر واليابس وتُحقق لـ”إسرائيل” أطماعها، من دون أن تُضطر إلى خوض حرب مفتوحة تكلفها أثماناً اقتصادية وبشرية وسياسية باهظة، لا تطيقها، خصوصاً مع اقتراب موعد انتخابات كنيست الاحتلال في نهاية أكتوبر القادم.
ومع كل هذا، لا يبدو أن حدود أطماع نتنياهو تقف عند هذا الحد، فهو يأمل كذلك، أن يؤدي استمرار السيطرة العسكرية ورفض الانسحاب من جنوب لبنان إلى استفزاز إيران، التي تتمسك بإنهاء الحرب على لبنان وانسحاب “الجيش” الإسرائيلي من أراضيه، كشرط لاستمرار المحادثات مع الولايات المتحدة.
ويأمل نتنياهو، أن يدفع الرفض الإسرائيلي إيران، إلى تعطيل المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة، خاصة بعد تفرّغ إيران لهذه القضية، مع ما يرشح من بداية انفراجة لأزمة مضيق هرمز. وهو ما يعني لنتنياهو، المتعطش للعودة إلى قتال إيران، فرصة سانحة للتعطيل والتخريب والتصعيد، إذا ما عادت الولايات المتحدة، تحت ضغطٍ إيراني، لمطالبته بمزيد من الانسحابات من الأراضي اللبنانية.
ولا شك بأن نتنياهو يأخذ بعين الاعتبار، أنه إن تنازل لترامب بانسحاب، ولو كان محدوداً، في لبنان، فإنه سيجبِرُه على فعل ذلك ربما في غزة أو في سوريا. ولا يرغب نتنياهو في هذا التوقيت، أن يُسجل على نفسه سابقة تُفرَض عليه في مواقع أخرى تتعارض فيها رغبات الولايات المتحدة مع أطماع “إسرائيل” ومصالح نتنياهو الشخصية، حيث وظّف قصة “أنه الوحيد القادر أن يقول لا للرئيس ترامب”، بخلاف خصومه السياسيين، لكسب ود الناخبين كجزء من بروباغندا انتخابية هدفها تصويره كقائد فذ لا يستجيب للضغوط بسهولة، حتى وإن أتت من أكبر حلفاء وداعمي “إسرائيل”.
آما آخر عصافير نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف، التي يصيدونها بحجر السيطرة العسكرية، فهو تحقيق حلم استيطان الأراضي اللبنانية الذي بات رموزهم وقادة مشروعهم الاستيطاني يجاهرون به ويدفعون إليه ويتنافسون فيه كجزء من الدعاية الانتخابية. وما إصرار الجماعات الاستيطانية ومحاولاتها المتكررة لدخول الأراضي اللبنانية، والدعوة إلى إقامة مستوطنات فيها، إلا جزءٌ من “بروفا” تجري تحت سمع وبصر الحكومة الإسرائيلية بل وبإيعاز منها، على أمل أن تتحقق في حال عودة ائتلاف نتنياهو للحكم بعد الانتخابات الإسرائيلية القادمة، وهو أمرٌ غير مستبعد مع استمرار تقارب قوة المعسكرين، الائتلاف والمعارضة، وفق استطلاعات الرأي الإسرائيلية الأخيرة.
فهل بعد كل هذا، تستمر السلطة اللبنانية غارقة في وهم الرهان على إمكان تحقيق انسحابٍ إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، أو تقديم تنازلٍ من طرف نتنياهو عبر المسار التفاوضي!
محمد هلسة-الميادين