كيف ينتهك “الكيان” قواعد القانون الدوليِّ في ملفِّ الأسرى اللبنانيِّين؟
مقالات

كيف ينتهك “الكيان” قواعد القانون الدوليِّ في ملفِّ الأسرى اللبنانيِّين؟

27/07/202608:02:02

لا يُقاس التزامُ الدُّوَل بالقانون الدوليِّ من خلال بريق خطابها السياسيِّ، بل عبر سلوكها العمليِّ تجاه الإنسان حين يقع تحت سلطتها الفعليَّة.

ومن هذا المنظور، تُشكِّل قضيَّة الأسرى اللبنانيِّين في السجون الإسرائيليَّة مسألةً قانونيَّةً وإنسانيَّةً بالغة الخطورة، تتجاوز بعدها الوطنيَّ المباشر لتطاول جوهر منظومة الحماية الدوليَّة التي أرساها القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

فالأسرُ، حتى في سياق النزاعات المسلَّحة، لا يُسقِط عن الإنسان حقوقه الأساسيَّة، ولا يمنح الدولة الحاجزة سلطةً مطلقةً على جسده أو كرامته أو وعيه، بل يفرض عليها التزاماتٍ إيجابيَّةً صارمةً لا تقبل التعليق أو الانتقاص (اتفاقيَّة جنيف الثالثة لعام 1949، المادة 13؛ والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة لعام 1966، في المادتين 7 و9).

وفي الحالة اللبنانيَّة، تكتسب هذه القضيَّة أبعاداً مضاعفةً، نظراً إلى ارتباطها بسياقات احتلالٍ سابقة، وعملياتٍ عسكريَّةٍ عبر الحدود، واحتجاز مواطنين لبنانيِّين خارج أيِّ إطارٍ قضائيٍّ وطنيٍّ، ما يضعهم في مواجهة منظومات تحقيقٍ ومحاكمةٍ عسكريَّةٍ تُثير، وفق المعايير الدوليَّة المعتمدة، مخاطر جديَّةً ومباشرةً تمسُّ الحقوق الإجرائيَّة والضمانات الأساسيَّة للمحتجزين.

الإطار القانونيُّ الناظم وتلازم مسارات الحماية

يخضع وضعُ الأسرى والمحتجزين لإطارٍ قانونيٍّ مزدوجٍ ومتكاملٍ لا يمكن فصل عُراه. فمن جهة، يُطبَّق القانون الدولي الإنساني، ولا سيَّما اتفاقيات جنيف التي تنظِّم حالة الأسر وتفرض المعاملة الإنسانيَّة وتحظر التعذيب والإذلال وأخذ الرهائن.

ومن جهة ثانية، يبقى القانون الدولي لحقوق الإنسان نافذاً في الأوقات كلِّها، بما في ذلك أوقات النزاع المسلَّح والاحتلال، ولا سيَّما لجهة حظر الاحتجاز التعسفيِّ، وضمان الحقِّ في الطعن القضائيِّ، وتأمين شروط المحاكمة العادلة (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة؛ محكمة العدل الدولية، الرأي الاستشاري بشأن الجدار، 2004).

ويُعَدُّ هذا التلازمُ عنصراً حاسماً في الحالة اللبنانيَّة؛ إذ يقطعُ الطريقَ مباشرةً على الأطروحةِ الإسرائيليَّةِ التقليديَّةِ التي دأبتْ سلطاتُ الاحتلالِ على التذرُّعِ بها أمامَ لجانِ الأممِ المتَّحدةِ، والتي تزعمُ فيها أنَّ معاهداتِ حقوقِ الإنسانِ التي صادقتْ عليها لا تُطبَّقُ على الأفرادِ خارج حدودِها السياسيَّةِ المعترفِ بها، أو في مناطقِ النزاعِ والاحتلالِ.

فهذا الدفعُ يتهاوى تماماً أمامَ أحكامِ القانونِ الدوليِّ المعاصرِ الذي يُقرُّ صراحةً بـ «التطبيقِ خارجِ الإقليمِ» (Extraterritorial Application) لمعاهداتِ حقوقِ الإنسانِ، ما يعني أنَّ التزاماتِ الحمايةِ تلازمُ الدولةَ وتلزمُها تجاه كلِّ مَن يقعُ تحت سلطتها الفعليَّة وولايةِ أجهزتها العسكرية بغضِّ النظرِ عن النطاقِ الجغرافيِّ، وهو ما يوجبُ تشديدَ معايير الرقابةِ القضائيَّةِ المستقلَّةِ بدل تخفيفِها، تعزيزاً للالتزام بالمعايير الدوليَّة المعتمدة.

الفصل المنهجيُّ بين توصيف الوقائع ومشروعيَّة مقاومة الاحتلال

من الضروريِّ، في أيِّ مقاربة قانونيَّة مسؤولة، تفادي الصياغات التي توحي-ولو ضمناً-بأنَّ مَن دافع عن أرضه أو قاوم احتلالاً يُدرَج تلقائيَّاً في خانة «المعتدي».

فالقانون الدولي الإنساني يقوم على فصلٍ حاسم ومستقر بين قانون مشروعيَّة اللجوء إلى القوة (Jus ad Bellum) والقانون المنظِّم للعمليات الحربيَّة وحماية الضحايا (Jus in Bello)؛ إذ لا يعتمد هذا الأخير توصيفاً أخلاقياً أو سياسياً للأطراف، بل يكتفي بتوصيف الوقائع الميدانيَّة وآثارها القانونيَّة المباشرة.

يخضع وضعُ الأسرى والمحتجزين لإطارٍ قانونيٍّ مزدوجٍ ومتكاملٍ لا يمكن فصل عُراه

وعليه، فإنَّ المعيار المعتمد دولياً هو ما إذا كان الشخص قد أُلقيَ القبض عليه في سياق نزاعٍ مسلَّحٍ وبسبب صلةٍ مزعومةٍ أو فعليَّةٍ بأعمال قتالية، وما يترتَّب على ذلك من فئات حمايةٍ قانونيَّةٍ لصيقة بصفته تلك، دون أيِّ مساسٍ بمشروعيَّة الحقِّ المتأصِّل للشعوب في مقاومة السيطرة الأجنبيَّة والاحتلال؛ وهو الحقُّ المستند فقهياً إلى القرارات المتواترة للجمعية العامة للأمم المتحدة (ولا سيَّما القرارين 3103 و3246) التي أقرّت بمشروعية كفاح الشعوب ضد الاحتلال بكل الوسائل المتاحة، والمؤيَّد بالرأي الاستشاريِّ لمحكمة العدل الدوليَّة لعام 2004 الذي رسَّخ حقَّ تقرير المصير كالتزامٍ قطعيٍّ في مواجهة الكافَّة (Erga Omnes).

هذا التأصيل يفرض انطباق أحكام القانون الدوليِّ العرفيِّ والمادة 4 من اتفاقيَّة جنيف الثالثة لحماية المحتجزين، ويمنع الدولة الحاجزة قانوناً من استخدام ترسانتها التشريعيَّة المحليَّة لتجريم فعل المقاومة أو حجب رداء الحماية الدوليَّة عنهم.

ملابساتُ الأسر وضوابط المشروعيَّة الدوليَّة

تُثير كيفيَّةُ أسر عددٍ من اللبنانيِّين من قِبل جيش العدوِّ الإسرائيليِّ إشكالياتٍ قانونيَّةً جديَّةً، ولا سيَّما في الحالات التي لم تتمَّ خلال اشتباكاتٍ ميدانيَّةٍ واضحةٍ، بل عبر توقيفاتٍ، أو عمليات نقلٍ قسريٍّ، أو اعتقالاتٍ امتدَّت خارج سياق الأعمال العدائيَّة المباشرة. ويخضع هذا النمط من الاحتجاز لمعيارين حاسمين ومستقرِّين في القانون الدوليِّ:
يتجلَّى المعيارُ الأوَّل في الحظر المطلق للاحتجاز التعسفيِّ، ووجوب استناد أيِّ سلبٍ للحرية إلى أساسٍ قانونيٍّ واضحٍ ومُعلن، يكون مقروناً بضمان إمكانيَّة الطعن القضائيِّ الفعَّال في مشروعيَّة هذا الاحتجاز (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة، المادة 9).

في حين يتمثَّل المعيارُ الثاني في الحظر القاطع لأخذ الرهائن والمساومة السياسيَّة؛ إذ يُمثِّل احتجازُ المدنيِّين كرهائن انتهاكاً صارخاً للمادة 34 من اتفاقيَّة جنيف الرابعة. أمَّا إذا كان المحتجز مُقاوِماً تنطبق عليه شروط الأسير، فإنَّ تحويل الأسر إلى أداةٍ للمساومة السياسيَّة أو ورقة ضغطٍ تفاوضيَّةٍ يُخرجه تماماً عن غايته الحمائيَّة القائمة على تحييد المقاتلين عن ساحة المعركة، ويُحوِّله إلى إجراءٍ عقابيٍّ وتدبيرٍ انتقاميٍّ محظورٍ جُملةً وتفصيلاً بموجب المادة 13 من اتفاقيَّة جنيف الثالثة؛ وهو حظرٌ قطعيٌّ مستقرٌّ في أحكام اتفاقيات جنيف لعام 1949 وقواعد اللجنة الدوليَّة للصليب الأحمر لا يقبل أيَّ استثناءٍ أو تبريرٍ بالضرورة العسكريَّة.

ومن المنظور اللبنانيِّ، فإنَّ أيَّ احتجازٍ يفتقر إلى مسارٍ قانونيٍّ شفَّاف، أو يُبرَّر بخطابٍ أمنيٍّ عامٍّ فضفاضٍ دون تقديم ضماناتٍ إجرائيَّةٍ حقيقيَّةٍ، يقع مباشرةً في دائرة الاشتباه الجدِّيِّ بعدم المشروعيَّة وبطلان الإجراءات وفق المعايير الدوليَّة المعتمدة.

موجباتُ المعاملة الإنسانيَّة وضوابطُ الحماية من فضول الجمهور

لا يتوقَّف التزامُ الدولة الحاجزة عند حدود الامتناع عن ممارسة التعذيب الجسديِّ، بل يمتدُّ إيجاباً ليشمل حماية الأسرى والمحتجزين من الإهانة، ومن التعرُّض لـ «فضول الجمهور»؛ وهو مبدأ بنيويٌّ في القانون الدوليِّ الإنسانيِّ يكتسب أبعاداً مركبةً وأهميةً متزايدةً في عصر الإعلام الرقميِّ والتدفُّق المعلوماتيِّ العابر للحدود (اتفاقيَّة جنيف الثالثة لعام 1949، المادة 13).

ويشمل هذا الالتزام حظراً قاطعاً لتعريض المحتجزين للتصوير الفوتوغرافيِّ، أو التوثيق المرئيِّ، أو العرض الإعلاميِّ في أوضاعٍ تهدر كرامتهم المتأصِّلة، أو تُظهِرهم في لحظات الضعف الإنسانيِّ. فالاجتهاد القانونيُّ المعاصر، والمستند إلى التعليقات التفسيريَّة المُحدَّثة للجنة الدوليَّة للصليب الأحمر، يجزم بأنَّ مفهوم «فضول الجمهور» قد تجاوز نمطه المادي الكلاسيكي المتمثِّل في اقتياد الأسرى في الفضاءات العامَّة، ليشمل اليوم أيَّ بثٍّ أو تداولٍ رقميٍّ لصورهم أو هوياتهم؛ إذ إنَّ تحويل المحتجزين إلى أدواتٍ في خطابٍ دعائيٍّ، أو توظيفهم لخدمة بروباغندا أمنيَّة للدولة الحاجزة، يُعدُّ خرقاً مباشراً لالتزامات الحيدة الحمائيَّة، وتجريداً تاماً للأسر من غايته الإنسانيَّة المُقرَّرة دولياً.

التكييفُ القانونيُّ للاعترافات القسريَّة المُصوَّرة كجريمةٍ مُركَّبة

إنَّ ممارسةَ الضغوط النفسيَّة والذهنيَّة لانتزاع اعترافاتٍ من المحتجزين، ثم توثيق هذه «الاعترافات» مرئياً وبثَّها عبر المنصَّات الإعلاميَّة، تُشكِّل انتهاكاً مُركَّباً يضرب عمقَ الشرعيَّة الدوليَّة. فهي، من جهةٍ أولى، تُخالِف الحظر المطلق للتعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانيَّة أو المهينة، بما في ذلك أساليب الإكراه النفسيِّ؛ وهو حظرٌ مستقرٌّ فقهياً وقضائياً كإحدى القواعد الآمرة (Jus Cogens) في القانون الدوليِّ العام التي لا يجوز الانتقاص منها تحت أيِّ ظرفٍ أو تبريرٍ أمنيٍّ (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة، المادة 7).
ومن جهةٍ ثانية، تنتهك حقَّ المحتجز اللصيق في عدم إكراهه على تجريم نفسه أو الاعتراف بالذنب، وهو حقٌّ أساسيٌّ من حقوق المحاكمة العادلة وقرينة البراءة (العهد الدولي، المادة 14(3)(ز)). ومن جهةٍ ثالثة، تُمثِّل خرقاً مباشراً لالتزام الدولة الحاجزة بحماية الأسرى من الإذلال العلنيِّ وفضول الجمهور (اتفاقيَّة جنيف الثالثة، المادة 13).

تُثير كيفيَّةُ أسر عددٍ من اللبنانيِّين من قِبل جيش العدوِّ الإسرائيليِّ إشكالياتٍ قانونيَّةً جديَّةً، ولا سيَّما في الحالات التي لم تتمَّ خلال اشتباكاتٍ ميدانيَّةٍ واضحةٍ

وبناءً على هذا التوصيف، فإنَّ الاعتراف المُنتزَع تحت وطأة الضغط النفسيِّ-ولا سيَّما حين يُقدَّم في قالبٍ دعائيٍّ إعلاميٍّ-لا يسقط فقط بموجب «مبدأ استبعاد الأدلة» (The Exclusionary Rule) ويَفقد أيَّ أثرٍ قانونيٍّ يُعتدُّ به في المحاكمات فحسب، بل إنه يتحوَّل إلى أداة جريمةٍ مشهودةٍ تُقوِّض قرينة البراءة، وتُنهِض قرائن جديَّةً لا تقبل العكس على ممارسة إكراهٍ منهجيٍّ ومؤسَّسيٍّ، ما يرتِّب مسؤوليَّةً دوليَّةً جنائيَّةً ومدنيَّةً مباشرةً وجسيمةً على كاهل الدولة الحاجزة.

جريمةُ الإخفاءِ القسريِّ وسقوطُ الذرائعِ العسكريَّةِ في ظلِّ أطرِ التهدئةِ المتعاقبةِ

تستوجب مسألةُ اختفاء أسرى لبنانيِّين لدى العدوِّ الإسرائيليِّ وقفةً قانونيَّةً دقيقةً ومواكبةً للتطوُّرات الميدانيَّة والاتفاقات السياسيَّة المتلاحقة. ولن ندخل هنا في تحديد عددٍ نهائيٍّ للأسرى، طالما أنَّ هناك مقاومين مفقودي الأثر لا يمكن استبعاد فرضيَّة أن يكون من بينهم مَن وقع في قبضة الاحتلال؛ إذ إنَّ استمرار صمت الدولة الحاجزة عن كشف مصير هؤلاء يقع في صلب جريمة الإخفاء القسريِّ.

ومع تعاقب سياقات المواجهات المسلَّحة، بدءاً من المرتكزات القانونيَّة للقرار 1701، وصولاً إلى المشهد الراهن المتمثِّل في توقُّف العمليات العسكرية الكبرى التي اندلعت في آذار 2026 بموجب التفاهمات الدوليَّة، ونشوء «اتفاق الإطار» المعنيِّ بوقف إطلاق النار، ينتفي أيُّ ادِّعاءٍ أو تذرُّعٍ بوجود «ضرورةٍ عسكريَّةٍ آنيَّة» أو متطلَّبات حربية تبرِّر التعتيم. فحتى في ظلِّ خروقات الاحتلال والاعتداءات الإسرائيليَّة المستمرِّة التي تحاول تقويض مفاعيل التهدئة، فإنَّ وجود إطارٍ اتفاقيٍّ معلنٍ لوقف الأعمال الحربيَّة-مهما كان جزئياً أو قلقاً في الميدان-يُسقِط أيَّ مسوِّغٍ قانونيٍّ تسوقه سلطات الاحتلال لإنكار وجود المحتجزين أو حجب مكان وجودهم، ويجعل من استمرار هذا السلوك جريمة إخفاءٍ قسريٍّ موصوفة.

ومثلها مثل حظر التعذيب، تُصنَّف جريمةُ الإخفاء القسريِّ كإحدى القواعد الآمرة (Jus Cogens) الراسخة في القانون الدوليِّ المعاصر، وهي انتهاكٌ مُركَّبٌ يجمع بين الحرمان التعسفيِّ من الحريَّة، وإنكار الحماية القانونيَّة، والتعذيب النفسيِّ المستمرِّ للمحتجز ولعائلته، وخرق واجب الدولة الصارم في الكشف عن مصير الأشخاص الخاضعين لولايتها الفعليَّة. كما أنَّ هذا الانتهاك ليس واقعةً منتهيةً ارتبطت بلحظة الأسر الأولى، بل هو جريمةٌ مستمرَّةٌ متجدِّدةٌ وممتدَّةٌ في الزمن ما دام مصير الشخص مجهولاً، وهو ما يرتِّب مسؤوليَّةً دوليَّةً جنائيَّةً متواصلةً لا تسقط بالتقادم، ولا تتأثَّر بتغيُّر المعادلات السياسيَّة أو تبدُّل أطر التفاوض.

حتميَّةُ الإفراجِ وسقوطُ خياراتِ الاحتجازِ

يُؤكِّدُ القانونُ الدولي الإنساني أنَّ الأسرَ إجراءٌ مؤقَّتٌ غايتُه التحييدُ العسكريُّ لا العقابُ، ومن ثَمَّ يُصبحُ الإفراجُ التزاماً قانونياً فورياً عند زوالِ الضرورةِ الحربيَّةِ التي برَّرته (اتفاقيَّةُ جنيف الثالثة). وبالتوازي مع ذلك، يفرضُ قانونُ حقوقِ الإنسانِ إمَّا الإفراجَ السريعَ وإمَّا المحاكمةَ العادلةَ خلالَ مهلةٍ معقولةٍ، وإلَّا عُدَّ الاحتجازُ في منظومةِ العدالةِ الدوليَّةِ تعسفياً ومجرَّداً من أيِّ شرعيَّةٍ (العهدُ الدولي، المادتان 9 و14؛ ومبادئُ فريقِ الأممِ المتَّحدةِ المعنيِّ بالاحتجازِ التعسفيِّ).

أبعادُ المسؤوليَّةِ الدوليَّةِ وآفاقُ حمايةِ الكرامةِ الإنسانيَّةِ

إنَّ المقاربةَ الحقوقيَّةَ لقضيَّةِ الأسرى اللبنانيِّين في السجونِ الإسرائيليَّةِ، وفقَ المعاييرِ الدوليَّةِ المعتمدةِ، تُفضي إلى استنتاجٍ قانونيٍّ حاسمٍ: لا يُمكنُ إضفاءُ أيِّ مشروعيَّةٍ على احتجازٍ يُدارُ في ظلِّ الغموضِ الإجرائيِّ، أو يُدعَّمُ باعترافاتٍ مصوَّرةٍ منتزعةٍ تحتَ وطأةِ الضغطِ النفسيِّ، أو يترافقُ مع تغييبٍ قسريٍّ لمصيرِ المحتجزين بعدَ توقُّفِ العملياتِ الحربيَّةِ الكبرى ودخولِ أطرِ التهدئةِ والاتفاقاتِ المتعاقبةِ حيِّزَ التنفيذِ-بدءاً من مرتكزاتِ القرارِ 1701، وصولاً إلى «اتفاقِ الإطارِ» الأخيرِ لعام 2026. وعليهِ، فإنَّ استمرارَ الاعتداءاتِ الإسرائيليَّةِ الميدانيَّةِ وخروقاتِها المتواصلةِ لا يُنهِضُ أيَّ مبرِّرٍ لتعطيلِ هذهِ الحتميَّةِ أو التذرُّعِ بضروراتٍ أمنيَّةٍ فضفاضةٍ لحجبِ حقوقِ المحتجزين.

فالقانونُ الدولي، بنصوصِه واجتهاداتِه المستقرَّةِ، لا يكتفي بإدانةِ التعذيبِ بمعناهُ الماديِّ الضيِّقِ، بل يجرِّمُ أشكالَ الإكراهِ كلَّها، والإذلالَ العلنيَّ، وإنكارَ الحمايةِ القانونيَّةِ، ويعتبرُ تغييبَ المصيرِ انتهاكاً مستمراً يرتِّبُ مسؤوليَّةً دوليَّةً قائمةً ما دامَ أثرُه قائماً، نظراً إلى تعارضِه الصارخِ مع القواعدِ الآمرةِ للشرعةِ الدوليَّةِ.

ومن هذا المنظورِ، لا تُختَزلُ قضيَّةُ الأسرى اللبنانيِّين في إطارٍ إنسانيٍّ أو تفاوضيٍّ ظرفيٍّ، بل تُشكِّلُ مسألةَ التزامٍ قانونيٍّ دوليٍّ يقعُ في صلبِ واجباتِ الدولةِ الحاجزةِ، كما في صلبِ مسؤوليَّةِ المجتمعِ الدوليِّ عن إنفاذِ قواعدِ الحمايةِ التي أنشأَها بنفسِه. فالصمتُ إزاءَ الاحتجازِ التعسفيِّ، أو التطبيعُ مع الاعترافاتِ المصوَّرةِ، أو التساهلُ مع الإخفاءِ القسريِّ بعدَ توقُّفِ الأعمالِ العدائيَّةِ الرئيسيَّةِ، لا يُضعفُ فقط حقوقَ الأفرادِ المعنيِّين، بل يقوِّضُ مصداقيَّةَ منظومةِ القانونِ الدوليِّ برمَّتِها.

وعليهِ، فإنَّ المُطالبةَ بإطلاقِ سراحِ الأسرى اللبنانيِّين، أو على الأقلِّ إخضاع أوضاعِهم لتدقيقٍ دوليٍّ مستقلٍّ وشفَّافٍ يضمنُ الكشفَ عن المصيرِ، واحترام الضماناتِ الإجرائيَّةِ، والمُساءلة عن أيِّ انتهاكٍ، ليست موقفاً سياسياً ولا نداءً أخلاقياً مجرَّداً، بل هي استحقاقٌ قانونيٌّ صريحٌ نابعٌ من جوهرِ الشرعةِ الدوليَّةِ لحقوقِ الإنسانِ، ومن مبدأ عدمِ جوازِ إفلاتِ أيِّ سلطةٍ من المُساءلةِ حينَ تمارسُ سيطرتَها على الإنسانِ خارجَ حدودِ القانونِ.

اديب اسماعيل محفوض-الاخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24