كتب الأديب المصري، عبد الرحمن الشرقاوي، عام 1969 المسرحية الشعرية “ثأر الله” بجزأيها: “الحسين ثائراً” و”الحسين شهيداً”، وصوّر بالحوار الصراع بين الواجب والإمكان، فجاء على لسان الحسين بن علي مخاطباً أنصاره: “أنا مدعو لتلك الشهادة… إنَّ موتاً في سبيل الله أزكى عند رب العرش من كل عبادة… سيروا بنا ننقذ الدنيا من الفوضى ومن هذا الخراب… سيروا لنعيد إلى العصر رونقه القديم وننتصر للحق العظيم”.
ورفض الحسين صوت الإمكان المعطِّل للواجب، الذي جاء على لسان ابن عمه عبد الله بن جعفر مخاطباً الحسين: “فلنهادنه قليلاً يا ابن عمي، فالسياسات حيل، وأنا أدعوك إلى شيء من الحكمة والتريث وتدبير الأمور، لِن قليلاً يا أخي كي لا تنكسر… هكذا تنجو بنفسك، هكذا تسلم رأسك”.
فلسفة الواجب عند الإمام الشهيد الحسين بن علي قيمة إنسانية وأخلاقية وثورية تشرّبها الثوار السائرون على درب الحسين، ومنهم الشيخ الشهيد عز الدين القسام، وطبّقها في جهاده ضد الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني في فلسطين، فاستلهم تجربته ثائر حسيني آخر هو المفكر الشهيد فتحي الشقاقي، فكتب موضحاً فلسفة الواجب: “ما أعجب هذا اللقاء بين القسام والحسين! قلة مؤمنة قليلة في مواجهة جيوش جرارة، ولكنه انتصار الواجب المقدس في صراع الواجب والإمكان، روح واعية مسؤولة في وسط بحر من اللامبالاة والتقاعس، وكما كان الحسين… كان القسام… رمزاً للإيمان والوعي والثورة، والإصرار على عدم المساومة ورفض رشوة المستقبل الآمن”.
الواجب في ثورتي الحسين والقسّام هو الموقف الصواب، بالقول أو الفعل، الذي يجب اتخاذه فقط لأنه الموقف الصحيح والصواب، بغض النظر عن الرغبة والمصلحة والنتيجة والكلفة. وهي فلسفة قدّمت عملياً الواجب كمعيار مطلق للفعل الأخلاقي قبل أن يقدّم الفيلسوف الألماني، إيمانويل كانط، ذلك نظرياً في نظريته “الواجب الأخلاقي”، وبهذا المنطق الأخلاقي الثوري يبرز فقه الواجب المتجاوز لحدود الإمكان، وفقه الثورة المتجاوز لمبررات الانتظار، وإعلان الموقف الصواب من دون تأخير، واتخاذ القرار الصحيح بلا تأجيل، والدخول في المعركة في أشد الظروف صعوبة وأكثر الأوقات استحالة… وهذا بالضبط هو الموقف الذي اتخذه السيد الشهيد حسن نصر الله عندما دخل حزب الله في حرب إسناد غزة.
قرار السيد، كأمين عام لحزب الله، في المبادرة لحرب الإسناد دعماً للشعب الفلسطيني أمام حرب الإبادة الإسرائيلية، وتخفيفاً للضغط الهائل على المقاومة الفلسطينية في غزة، يأتي في سياق فلسفة الواجب الأخلاقي ومبدأ الثورة الذي يقدّم الواجب على الإمكان، ويقدّم الواجب على الكلفة، ولكنه يأتي أيضاً في سياق التزام حزب الله بالقضية الفلسطينية، فالحزب يرى أن المشاركة في مقاومة الكيان الصهيوني ومشروع تحرير فلسطين واجب: شرعي ديني، وقومي عربي، وإنساني أخلاقي، ويعتبر الصراع في فلسطين مركزاً للصراع الكوني بين مشروعين: المشروع الاستعماري الغربي ورأس حربته “إسرائيل”، والمشروع الإسلامي النهضوي ورأس حربته محور المقاومة، ويؤمن بخيار المقاومة كخيار وحيد لتحرير الأرض واستعادة الحق، ويتبنّى مبدأ “وحدة الساحات”، بمعنى وحدة المعركة وتعدد الجبهات.
وحتى عندما قام الكيان الصهيوني بتصعيد عدوانه ضد لبنان مستهدفاً حزب الله، ووصلت إلى ذروتها الوحشية في عمليات الاغتيال الكبرى بواسطة تفجير أجهزة اتصال “البايجر”، خرج السيد نصر الله بخطابه الأخير معلناً موقفه الحسيني المبدئي والأخلاقي، تجسيداً لفلسفة الواجب، باستمرار حرب الإسناد لفلسطين من الجبهة اللبنانية حتى تتوقف حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وظل هذا الموقف الأخلاقي، رغم كلفته الهائلة على الحزب ولبنان، حتى قدّم حياته شهيداً حسينياً على طريق القدس وفلسطين، فكان بحق حسين عصرنا، فذهب شهيداً كما ذهب جده الحسين، ووصيته تدوي في الآفاق: “نحن شيعة علي بن أبي طالب لن نتخلى عن فلسطين، ولا عن شعب فلسطين”.
هكذا ترجّل السيد عن صهوة الدنيا وذهب إلى خلود الدنيا والآخرة… السيد الذي قالوا له: لا تذهب إلى الحرب كي تحفظ رأسك وحزبك وبلدك، كما قالوا لجده الحسين: لا تذهب إلى الثورة كي تحفظ رأسك وأهلك وأمتك. ترجّل السيد وذهب تاركاً خلفه إرثاً عظيماً من الثورة والعزة لا يمحوه الغياب، السيد الذي خطَّ بكلماته وأعماله نهجاً من الجهاد والكرامة، حُفر بالتضحيات والدماء… وبين حزنٍ يعصر القلوب على فراق السيد، وفخرٍ يجعل الرؤوس تطاول السماء بوجود السيد في الأمة… السيد الذي قدّم الواجب دوماً من دون أن ينحني لحسابات الإمكان، تبقى ذكراه شعلة متقدة في وجدان الأمة، تُضيء لها طريق الخلاص نحو العزة والحرية.
وليد القططي-الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




