تصبّ المبادرة اليمنية التي أخرجتها حماس إلى العلن، عن قصد والأغلب من دونه، في بوتقة الجهود الرامية لتظهير “إطار /نظام إقليمي، للتعاون والأمن الجماعي”، وهي مبادرة عرضتها الدوحة من على أرفع منبر أممي.
حماس وسيطاً في اليمن؟
للوهلة الأولى، ظننتُ أن حماس بمبادرتها التوسط بين صنعاء والرياض، إنما كانت تسعى إلى تفادي “الحرج”، والإفلات من ضغط الانحياز لفريق في مواجهة آخر، فهي من جهة لا تستطيع أن تسلك اتجاهاً معاكساً لغالبية العواصم العربية والإقليمية، بالذات تلك التي تحتضنها، وتكرّس جهودها للوساطة بينها وبين الاحتلال الإسرائيلي، أو تقود جهود مصالحة مع خصومها على الساحة الوطنية، مثل: قطر، تركيا، مصر وغيرها من الدول التي لم تُخفِ تعاطفها وتضامنها مع المملكة.
بيد أنها من جهة ثانية، لا تستطيع أن تتنكّر لـ”شراكة الدم”، والتعبير لمسؤولين من الحركة، التي تجسّدت في دخول أنصار الله، على خط “إسناد” غزة، وقيامهم بضرب “تل أبيب” والعمق الإسرائيلي بالصواريخ والمسيّرات، ونجاحهم في إصابة ميناء “إيلات” بالعطب والشلل لأشهر عديدة، وخفض طاقته الإنتاجية بنسبة 85 في المئة وفقاً لمصادر إسرائيلية…
وهي الحرب التي كلّفت اليمن آلاف الضربات الجوية التي نفّذتها “إسرائيل” والولايات المتحدة، قبل أن تُبرم الأخيرة اتفاقاً منفرداً معهم، من دون تشاور مع “تل أبيب”، ولا اشتراط بعدم استهداف مصالحها وأصولها في البحر الأحمر وعلى اليابسة… حربٌ كلفت “الحوثيين” واليمنيين خسائر جسيمة، وأودت بحيوات كثير من كبار قادتهم السياسيين والمدنيين والعسكريين، فضلاً عن مروحة واسعة من منشآتهم المدنية والاقتصادية، المتهالكة أصلاً.
لكن “المفاجأة” جاءت في أثناء حديثٍ خاص، مع أحد قادة حماس البارزين، حين كشف بأن المبادرة لم تصدر عنهم، بل جاءت من أنصار الله أنفسهم، فهم من طلب من الحركة أن تتحرك، وأن تتحرك على محور “ثلاثي الوساطة” في غزة، وعلى أمل أن ينجح هؤلاء في وقف هذه الحرب، وشق طريق سياسي – تفاوضي بين صنعاء والرياض، يتخطى التهدئة التي ما كان لها أن تجلب سلماً واستقراراً مستدامين، من دون معالجة بقية الملفات الاقتصادية والمالية والسياسية العالقة، والحديث لأنصار الله، كما نقله القيادي الفلسطيني.
وفي التفاصيل، أن الحركة نقلت العرض “الحوثي” إلى الجهات الثلاث، إذ يبدو أن قنوات التواصل المباشر بين حماس والرياض، ليست سالكة ابداً، وأن الحركة بذاتها، ليست الوسيط الأنسب، أقله من وجهة نظر السعوديين، وهو أمر يدركه الحوثيون على أي حال، ولكن رهانهم انعقد على الصلات الوثيقة التي نسجتها حماس مع “ثلاثي الوساطة”، فضلاً عن علاقات الحركة الوثيقة مع أطياف فاعلة سياسياً واجتماعياً من اليمنيين أنفسهم.
لم تكن استجابة الأطراف المذكورة بالمستوى الذي يسمح بالتفاؤل في قرب تفعيل هذا المسار، والتقدير الذي خلصت إليه، يشي بأن المملكة ليست جاهزة بعد، لجهد من هذا النوع، بل إنها لا تريد أن تظهر بمظهر “الطرف” في هذا الصراع، كما فعلت من قبل، زمن مفاوضات التهدئة ووقف إطلاق النار عام 2022، وأن القناعة المترسخة عند خصوم الحوثي، أنه ليس جاداً في طلب الوساطة والتفاوض، وأن تصعيده اللفظي والميداني ضد المملكة، إنما يرتبط بمجريات الصراع الإقليمي الأكبر في المنطقة، وأن خروجه عن صمته، أو “صمت المدافع”، إنما يرتبط بالاستعدادات الإيرانية لمواجهة جولة جديدة محتملة من الحرب الأميركية على إيران.
في مغزى المبادرة
مبادرة “الحوثي” التي وضعها في جيب حماس، تأتي في سياق “التخادم” بين حليفين مقربين، وتعيد إلى الأذهان ما سبق للسيد عبد الملك الحوثي أن اقترحه في العام 2020، حين عرض مقايضة طيار سعودي أسير لدى جماعته، بإفراج السلطات السعودية عن عدد من معتقلي حماس في المملكة… يومها رحّبت حركة حماس بالعرض الحوثي، وتجاهلته المملكة قبل أن تعود وتفرج عنهم خلال الفترة من 2022 – 2024، إن بفعل جهود وساطة من طرف ثالث، أو بالنظر إلى انتهاء محكوميّاتهم.
اليوم، تأتي مبادرة الحوثي من باب تدعيم “مكانة حماس سياسياً”، ومنحها هذا الـ “Credit”، فالحركة التي تنظر إليها أطراف عربية ودولية، بوصفها جزءاً من مشكلات المنطقة، يريد الحوثي بمبادرته، تقديمها بوصفها جزءاً من الحل، أو هكذا فهمت الحركة مغزى المبادرة اليمنية، لكن مع الأسف، ما زالت المبادرة في مهدها، حتى لا نقول إنها دُفنت في هذا المهد.
على أن المبادرة من جهة ثانية، تريد أن تبعث برسائل عدة لأطراف يمنية وإقليمية
أولها: أن الجماعة ليست “ذيلاً تابعاً” لطهران وحرسها الثوري، هي لا تخفي تحالفها وارتباطاتها مع طهران، بيد أنها وفقاً لأغلب التقديرات والتحليلات الرزينة- أقل حلفاء طهران تبعيةً لها، وهي إذ تتحرك مدفوعة بحساباتها ومصالحها، تحاذر ما أمكن، التحليق بعيداً عن السرب الإيراني.
والرسالة الثانية، أن الحركة تسعى في نسج علاقات مع البعد العربي والإقليمي، الأكثر فاعلية وتأثيراً، وهي تتابع بلا شك، الأدوار المتعاظمة التي تقوم بها أطراف “مثلث الوساطة” في غزة، إن على جبهة الحرب على إيران، أو على جبهات الصراع المندلع على مقربة من اليمن، في الضفة الأخرى من البحر الأحمر والمضيق والقرن الأفريقي، وهي صراعات ليست بعيدة عن اليمن ولا عن هذه الأطراف.
والرسالة الثالثة التي يريد الحوثي إبلاغها إلى من يعنيهم الأمر، أن “الهدنة” مهما طالت واستطالت، ليست حلاً، فبعد أربع سنوات من هدأة غبار المعارك، أخفقت الأطراف في وضع بقية القضايا العالقة، من عقوبات وحصار ورواتب ومحروقات وموانئ ومطارات، على سكة الحل، وظلت العملية السياسية الداخلية على انسداداتها، فكان طبيعياً، كما في مختلف الصراعات والنزاعات في العالم، أن تعاود انفجاراتها، لأن جذور أسبابها ما زالت ضاربة في الأرض.
والرسالة الرابعة، أن الحرب ليست حلاً للأزمة اليمنية، لم تكن كذلك في حرب السنوات السبع، ولن تكون كذلك من بعد … وأن إجراءات العزل والحصار، اقتصادياً، وغياب الآفاق سياسياً، هو وصفة لتجدد الصراع، لا لتأبيد الأمر الواقع الصعب.
الرسالة الخامسة، وهي تعبير عن موقف قديم متجدد لأنصار الله، بصرف النظر عن مدى صحته من عدمها، تقول إن الحل للأزمة اليمينة يبدأ بحوار (تفاوض) بين صنعاء والرياض، لا بين اليمنيين أنفسهم، وأن الحوار اليمني-اليمني يأتي في مرحلة لاحقة، فأساس الحل والحرب يبدأ من هنا، من الطريق الواصل بين العاصمتين العربيتين، وهو امر تجهد أطراف مختلفة، ولأسباب ومصالح مختلفة، في رفضه وتحاشيه.
المبادرة والإطار
تصبّ المبادرة اليمنية التي أخرجتها حماس إلى العلن، عن قصد والأغلب من دونه، في بوتقة الجهود الرامية لتظهير “إطار /نظام إقليمي، للتعاون والأمن الجماعي”، وهي مبادرة عرضتها الدوحة من على أرفع منبر أممي، وسبق لوزير خارجية عمان أن “فصّل” بها، في مقالين له نُشرا في “لوموند” الفرنسية والـ “إيكونومسيت” البريطانية، ويبدو أن ثمة توجهاً جديداً لدى بعض الأطراف العربية والإقليمية، أكثر تفهماً للدعوات للاحتواء بدل الإقصاء، والمشاركة بدل المغالبة، والتعاون بدل التصارع.
وإن قُدّرُ لمبادرة الأمن الجماعي هذه، أن تطل برأسها، فإن من أولى أولوياتها، وضع مختلف الأزمات المفتوحة (خطوط التماس بين العرب والإيرانيين) على سكة حل تفاوضي شامل، تنخرط مختلف الأطراف في صياغته وصيانته، وبما يحفظ مصالح مختلف الأفرقاء واللاعبين المحليين، ويحفظ المصالح المتوازنة لدول الجوار، وربما يكون اليمن، أولى هذه الأزمات التي تستدعي الحل السياسي وتستعجله، بدل الدخول في مغامرات، قد نعرف متى تبدأ، ولكن هيهات أن نعرف كيف تنتهي ومتى وكيف.
وتزداد الحاجة إلى الجنوح إلى خيار الدبلوماسية والحوار والتفاوض في ضوء ضعف شهية الأطراف الإقليمية والدولية للتصعيد والحسم والتجييش وقرع طبول الحرب، فلا واشنطن أظهرت استعداداً لتجديد جولات القتال ضد أنصار الله، ولا مصر كشفت عن استعداد للتورط من جديد بعد ستة عقود من ورطة سابقة، كما أن أطراف الحلف الثلاثي الجديد الناشئ، ما زالت عند حدود تعبيرها عن التضامن السلمي والمعنوي، وعندما يجري البحث في “خيارات عسكرية” من نوع ما، تبدي أطرافه إصراراً على الطبيعة الدفاعية لأنماط ومستويات تدخلها، وترغب بالجلوس في المقاعد الخلفية لا الأمامية للمواجهة، وهي تفضل وفقاً لإسحاق دار، الخيار السياسي على العسكري.
على أن بعض المراقبين يرون أن ضعف رغبة أطراف الوساطة للتدخل في الأزمة اليمنية، ربما يكون نابعاً من فرضية مؤدّاها: أنه من دون حل الصراع الأكبر، لا يمكن تخليق حلول للصراعات الأصغر، وهذا صحيح عموماً، ولكنه ليس صحيحاً دائماً، فإنْ توفر الاستعداد والحاجة لأطراف وازنة في الصراعات المحلية، وحد أدنى من الرغبة لدى الأطراف الإقليمية الداعمة لها، يمكن الذهاب إلى حلول وتسويات صغيرة، قد تصبح خطوة في سياق أطول من إجراءات بناء الثقة في الصراع الأكبر، وقد تكون توطئة وتمهيداً، أو بالأحرى اختباراً لنيّات الأطراف، وتجربة في اجتراح حلول من خارج العلبة.
ولا بأس من إعطاء حماس بعضاً من الـ “Credit”، الذي تحتاجه ويحتاجه الوسطاء، وهم يخوضون أصعب مواجهة مع صلف الفاشيين الجدد في “إسرائيل” وتعنّتهم، وضربهم عرض الحائط بكل المبادرات وخرائط الطرق، وإصرارهم على المضي في حرب التطهير والإبادة، بذريعة استئصال الإرهاب … أمر كهذا، لا يعيب الوساطة والوسطاء، بل يرفع من شأنهم، ومن شأن قدرتهم على معالجة سلسلة من الأزمات المترابطة، فهل تستجيب الأطراف، وهل يتحرك الوسطاء قبل فوات الأوان؟
المصدر: الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




