من «الضغط الأقصى» إلى التفاهم: كيف انتهى ترامب إلى اتفاق يعيد إيران إلى قلب الإقليم؟
مقالات

من «الضغط الأقصى» إلى التفاهم: كيف انتهى ترامب إلى اتفاق يعيد إيران إلى قلب الإقليم؟

19/07/202610:44:03

من الحرب إلى التفاوض… كيف انقلب المشهد؟

لم يكن انتقال واشنطن من المواجهة العسكرية إلى التفاوض مع طهران مجرد تبدّل في التكتيك، بل عكس تحوّلاً في موازين القوة التي فرضتها الحرب نفسها. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي بنى عودته إلى البيت الأبيض على استكمال سياسة «الضغط الأقصى» تجاه إيران، وجد نفسه بعد أشهر من التصعيد أمام مسار مختلف تمامًا: مفاوضات جديدة، ومذكرة تفاهم من أربعة عشر بندًا، وبنود تتناول ملفات ظلّت واشنطن لسنوات ترفض إدراجها على طاولة التفاوض، وفي مقدمها لبنان وأمن الخليج وترتيبات مضيق هرمز.

هذا التحول لم يأتِ نتيجة تبدّل في الرؤية الأميركية تجاه إيران بقدر ما فرضته نتائج المواجهة. فبعد أسابيع من العمليات العسكرية المتبادلة، عاد الطرفان إلى طاولة الحوار فيما كانت المنطقة لا تزال تعيش على وقع وقف إطلاق نار هش، سرعان ما تعرّض لاختبارات ميدانية مع استهدافات إيرانية طالت قواعد أميركية في الكويت والبحرين، وسفنًا سعودية وقطرية وأميركية، ردًا على ضربات أميركية استهدفت جزيرتي قشم وخارك، بالتوازي مع تصاعد الخلاف حول إدارة مضيق هرمز، أحد أبرز ملفات التفاوض بين الطرفين.

في المقابل، نظرت إسرائيل إلى هذا التصعيد بوصفه فرصة لإعادة دفع الولايات المتحدة نحو مواجهة مفتوحة مع إيران. فمنذ اندلاع الحرب، راهن بنيامين نتنياهو على أن يؤدي الاحتكاك العسكري المباشر إلى إسقاط أي مسار تفاوضي، وأن يفتح الباب أمام تحقيق أهداف كانت تل أبيب تعلنها منذ سنوات، تبدأ بإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة ولا تنتهي عند محاولة تغيير موازين القوى داخل إيران نفسها.

إلا أن المشهد اتخذ مسارًا مغايرًا. ففي الوقت الذي واصل فيه ترامب استخدام خطاب تصعيدي يتحدث عن «تدمير» و«ضربات قاسية»، كان يرسل في الوقت نفسه إشارات سياسية مختلفة تؤكد أن الدبلوماسية لا تزال الخيار المفضل لواشنطن. هذا التناقض لم يكن مجرد ازدواجية في الخطاب، بل كشف وجود صراع داخل الإدارة الأميركية بين الاستمرار في الرهان على الخيار العسكري، وبين القبول بتسوية تفرضها الوقائع الميدانية.

من هنا تبرز الأسئلة التي يحاول هذا التحقيق الإجابة عنها: لماذا عاد ترامب إلى الحوار بعد سنوات من سياسة العقوبات والضغط؟ ما الذي تغيّر في الحسابات الأميركية؟ وهل فرضت الحرب اعترافًا أميركيًا بدور إيراني إقليمي كان البيت الأبيض يسعى إلى تقليصه؟ والأهم، لماذا حضر لبنان في صلب التفاهمات الجديدة، رغم أنه لم يكن جزءًا من الاتفاق النووي الذي مزقه ترامب عام 2018؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، لا يكفي التوقف عند الجولة الأخيرة من المفاوضات، بل لا بد من العودة إلى المسار الذي سبقها، منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، مرورًا بسياسة العقوبات، ثم الحرب، وصولًا إلى التفاهم الذي أعاد رسم أولويات الطرفين، وفتح الباب أمام معادلات سياسية وأمنية جديدة في المنطقة.

من عُمان إلى سويسرا… مسار لم توقفه الحرب

بدأت جولات التفاوض الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عُمان في 12 آذار/مارس 2025، قبل أن تنتقل إلى روما بعد أسبوع، ثم تعود إلى مسقط في جولة ثالثة. لكن هذا المسار لم يلبث أن تعطل مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية، بمشاركة أميركية، واستهداف منشآت داخل إيران، ما دفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من المواجهة العسكرية.

ورغم توقف المحادثات العلنية، لم تتوقف الاتصالات بالكامل. فقد استمرت قنوات التواصل غير المباشر عبر وسطاء إقليميين، برزت بينهم باكستان، التي لعبت دورًا في بلورة تفاهمات أمنية أولية ساهمت لاحقًا في تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الأرضية لاستئناف الحوار السياسي.

وبعد اثني عشر يومًا على إعلان وقف إطلاق النار، عاد الطرفان إلى التفاوض في سويسرا، بوساطة مشتركة من باكستان وقطر، حيث وُضعت مذكرة تفاهم مؤلفة من أربعة عشر بندًا، لم تقتصر على الملف النووي، بل توسعت لتشمل ملفات إقليمية وأمنية واقتصادية، عكست حجم التحول الذي فرضته الحرب على أجندة المفاوضات.

غير أن أهمية هذه الجولة لا تكمن فقط في استئناف الحوار، بل في طبيعة الملفات التي انتقلت من هامش النقاش إلى صلبه، وفي مقدمتها لبنان، الذي تحول من ساحة مواجهة غير مباشرة إلى بند تفاوضي بين واشنطن وطهران، في تطور يعكس تبدلًا واضحًا في مقاربة الطرفين لإدارة الصراع في المنطقة.

من «الضغط الأقصى» إلى التفاهم… ماذا تغيّر في حسابات ترامب؟

عندما أعلن دونالد ترامب، في أيار/مايو 2018، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، لم يكن اعتراضه محصورًا ببنود الاتفاق النووي نفسه، بل بالطريقة التي تعاملت بها إدارة باراك أوباما مع النفوذ الإيراني في المنطقة. يومها، اعتبر أن الاتفاق منح طهران موارد مالية وسياسية مكّنتها من تعزيز حضورها الإقليمي، فيما تجاهل برنامجها الصاروخي وعلاقاتها بحلفائها في المنطقة. لذلك، أعاد فرض العقوبات، وأطلق سياسة «الضغط الأقصى» باعتبارها السبيل الوحيد لانتزاع اتفاق أكثر تشددًا.

بعد ثماني سنوات تقريبًا، تبدو الصورة مختلفة إلى حد بعيد. فالإدارة نفسها التي رفعت شعار عزل إيران، عادت إلى طاولة التفاوض، ووقّعت مذكرة تفاهم لا تقتصر على الملف النووي، بل تمتد إلى ملفات إقليمية كانت واشنطن تعتبرها خارج إطار أي تفاوض مباشر مع طهران.

تكمن المفارقة في أن الاتفاق الجديد، وفق ما تتضمنه مذكرة التفاهم، يمنح إيران اعترافًا بدور سياسي وأمني في ملفات إقليمية، في وقت كان ترامب قد برر انسحابه من اتفاق أوباما بأنه منح طهران نفوذًا لا تستحقه. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس لماذا فاوَض ترامب إيران، بل لماذا قبل هذه المرة بمناقشة ملفات كان يرفض أصلًا الاعتراف بشرعية حضور إيران فيها.

لبنان… من ساحة صراع إلى بند تفاوض

يكشف البند الأول من مذكرة التفاهم عن أحد أبرز التحولات في مقاربة الطرفين، إذ يحضر لبنان بصورة مباشرة من خلال الحديث عن وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، والانسحاب، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإنشاء لجنة إقليمية ودولية لمراقبة تنفيذ التفاهم.

هذه البنود لا تعني فقط إدراج الملف اللبناني ضمن جدول الأعمال الأميركي الإيراني، بل تعكس انتقاله من كونه ساحة صراع غير مباشر إلى ملف يخضع لتفاهم سياسي بين الطرفين. فإدراج آلية رقابة مشتركة على تنفيذ وقف إطلاق النار يعني، عمليًا، أن أي تصعيد إسرائيلي لن يبقى خارج دائرة التفاهمات التي تحكم العلاقة بين واشنطن وطهران.

وهنا تبرز مفارقة أخرى. فترامب الذي دعم، خلال الحرب، العمليات العسكرية الإسرائيلية باعتبارها وسيلة لإضعاف النفوذ الإيراني، وجد نفسه بعد انتهاء المواجهة يطالب حكومة بنيامين نتنياهو بخفض التصعيد، وإعطاء الأولوية للمسار التفاوضي. وبذلك، انتقل من توفير الغطاء السياسي للحرب إلى محاولة ضبط إيقاعها، خشية أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى نسف الاتفاق الذي تعمل واشنطن على تثبيته.

الحرب غيّرت أولويات واشنطن

يصعب تفسير هذا التحول على أنه تبدل في قناعة الإدارة الأميركية تجاه إيران. فالخطاب الأميركي لم يتغير جذريًا، إذ استمرت واشنطن في الحديث عن ضرورة الحد من البرنامج النووي ومنع امتلاك طهران سلاحًا نوويًا. لكن ما تبدل هو ترتيب الأولويات.

فالهدف الأول لم يعد إسقاط النفوذ الإيراني، بل منع اندلاع حرب إقليمية جديدة قد تتجاوز حدود المواجهة بين إيران وإسرائيل، وتطال أمن الطاقة العالمي، وحركة الملاحة في الخليج، والقواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة.

ومن هنا، يصبح الاتفاق محاولة لإدارة نتائج الحرب أكثر منه مشروعًا لإعادة صياغة العلاقة بين البلدين.

هذا التوصيف يتقاطع مع مواقف عدد من الباحثين الأميركيين الذين رأوا أن واشنطن تخاطر بتكرار أخطاء الاتفاق النووي السابق، عبر التركيز على الملف النووي وإغفال القضايا المرتبطة بالصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي. فقد حذّرت دانييل بليتكا، نائبة رئيس معهد «أميركان إنتربرايز»، خلال مداخلات لها في أيار وحزيران 2026، من أن أي تخفيف للعقوبات سيمنح إيران موارد إضافية تسمح لها بتعزيز حضورها الإقليمي، معتبرة أن الفصل بين الملف النووي والسياسات الإقليمية سيعيد إنتاج الإشكاليات نفسها التي رافقت اتفاق عام 2015.

غير أن الوقائع التي أفرزتها الحرب دفعت واشنطن إلى التعامل مع هذه الملفات بصورة مختلفة. فبدل السعي إلى إخراج إيران من المعادلة الإقليمية، باتت الأولوية الأميركية إدارة هذا الحضور ومنع تحوله إلى مصدر مواجهة مفتوحة، حتى وإن تطلب الأمر الاعتراف بدور لطهران في ملفات كانت واشنطن ترفض مناقشتها معها في السابق.

هل خسر ترامب رهانه؟

من المبكر اعتبار الاتفاق انتصارًا كاملًا لإيران أو تراجعًا كاملًا للولايات المتحدة. إلا أن المقارنة بين خطاب ترامب عام 2018 وما انتهى إليه مسار التفاوض الحالي تكشف عن تحول يصعب تجاهله.

فالرئيس الأميركي الذي مزق اتفاق أوباما لأنه رأى فيه تنازلًا لإيران، وجد نفسه يوقّع تفاهمًا جديدًا يمنح طهران موقعًا في ترتيبات الأمن الإقليمي، ويُدخل لبنان إلى قلب التفاوض، ويفتح الباب أمام إعادة النظر في ملفات تتجاوز البرنامج النووي.

وهذا لا يعني بالضرورة أن واشنطن غيّرت استراتيجيتها تجاه إيران، بقدر ما يعني أن نتائج الحرب فرضت عليها إعادة ترتيب أولوياتها، والانتقال من محاولة كسر إيران إلى محاولة احتواء تداعيات الصراع معها.

ماذا ربحت إيران؟ الحرب التي انتهت باعتراف سياسي

إذا كانت واشنطن تعتبر أن الهدف من سياسة «الضغط الأقصى» هو تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، فإن النتائج التي أفرزتها الحرب الأخيرة توحي بأن مسار الأحداث سار في الاتجاه المعاكس. فمذكرة التفاهم، بصيغتها الحالية، لا تقتصر على معالجة الملف النووي، بل تتعامل مع إيران بوصفها طرفًا لا يمكن تجاوزه في ترتيبات الأمن الإقليمي.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الاتفاق. فبعد سنوات من العقوبات، والضغوط الاقتصادية، ومحاولات العزل السياسي، عادت الولايات المتحدة إلى التفاوض مع إيران ليس على برنامجها النووي فقط، بل على ملفات تتعلق بأمن الخليج، وحرية الملاحة، ولبنان، والوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

وبغض النظر عن قدرة الطرفين على تنفيذ جميع البنود، فإن مجرد إدراج هذه الملفات على جدول التفاوض يمثل تحولًا في مقاربة واشنطن، ويمنح طهران اعترافًا سياسيًا بدورها الإقليمي لم تستطع سنوات المواجهة انتزاعه منها.

هرمز… أكثر من ممر مائي

لا يمكن قراءة الاتفاق من دون التوقف عند مضيق هرمز، الذي تحول خلال الحرب من ورقة تهديد إلى أحد مفاتيح التفاوض.

فطوال سنوات، تعاملت الولايات المتحدة مع المضيق باعتباره جزءًا من منظومة الأمن البحري التي تقودها في الخليج، فيما كانت إيران تعتبر أن أمن هذا الممر لا يمكن أن يُدار من دونها. ومع تصاعد العمليات العسكرية، أصبح المضيق أحد أبرز عناصر الضغط التي استخدمتها طهران، سواء عبر التهديد بإغلاقه أو عبر ربط أمن الملاحة فيه بمسار الحرب.

لهذا، لم يكن مستغربًا أن يحتل المضيق موقعًا متقدمًا في النقاشات التي رافقت التفاهم الأميركي الإيراني.

ويذهب مسؤولون إيرانيون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن الحرب غيّرت قواعد اللعبة في الخليج. فقد أكد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أن مضيق هرمز «لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب»، في إشارة إلى أن طهران ترى نفسها شريكًا في أي ترتيبات مستقبلية لإدارة هذا الشريان البحري.

ولا يتعلق الأمر بالمضيق بوصفه معبرًا لتجارة النفط فقط، بل باعتباره أداة تأثير سياسي واستراتيجي. فكل اضطراب في حركة الملاحة ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد العالمي، وهو ما جعل هذا الملف يتجاوز البعد العسكري ليصبح عنصرًا ضاغطًا في المفاوضات نفسها.

من العزلة إلى الشراكة الإقليمية

التحول الثاني الذي يرصده الاتفاق يتعلق بموقع إيران داخل الإقليم.

فلسنوات طويلة، قامت الاستراتيجية الأميركية على بناء منظومة إقليمية هدفها الحد من النفام الإيراني، عبر العقوبات، والتحالفات العسكرية، وتعزيز التنسيق الأمني مع دول الخليج.

لكن الحرب دفعت عدداً من العواصم العربية إلى اعتماد مقاربة مختلفة، تقوم على احتواء التوتر بدل تعميقه، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع طهران، انطلاقًا من قناعة بأن استمرار المواجهة يهدد استقرار المنطقة أكثر مما يضعف إيران.

هذا المسار برز أيضًا في الأدوار التي لعبتها سلطنة عُمان وقطر وباكستان في إعادة إطلاق المفاوضات، وفي الجهود التي رافقت تثبيت وقف إطلاق النار، بما عكس انتقال عدد من الدول الإقليمية من موقع المتفرج إلى موقع الوسيط.

وبذلك، لم يعد الحديث يدور فقط حول علاقة ثنائية بين واشنطن وطهران، بل حول إعادة تشكيل شبكة علاقات إقليمية جديدة، تتعامل مع إيران بوصفها طرفًا حاضرًا في أي معادلة أمنية مقبلة.

ثلاثة مستويات من المكاسب

وفق البنود المطروحة في مذكرة التفاهم، يمكن تصنيف المكاسب الإيرانية ضمن ثلاثة مستويات مترابطة.

المستوى الأول

يتمثل في البعد البحري، من خلال تثبيت دور إيراني في ترتيبات أمن مضيق هرمز، وهو ما يمنح طهران حضورًا مباشرًا في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.

المستوى الثاني

فهو البعد السياسي، عبر الاعتراف بإيران طرفًا في ترتيبات الأمن الإقليمي، سواء من خلال التفاهمات المتعلقة بلبنان، أو عبر البنود التي تتناول الوجود العسكري الأميركي وآليات تنفيذ الاتفاق.

المستوى الثالث

يرتبط بالشق الاقتصادي، إذ تنص المذكرة على إجراءات تشمل تخفيف القيود على صادرات النفط، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، وتخفيف القيود البحرية، وهي إجراءات من شأنها، إذا نُفذت، أن تمنح الاقتصاد الإيراني هامشًا أوسع للحركة بعد سنوات من العقوبات.

هل تغيّر الموقف العربي؟

في حديثه لـهذا التحقيق، يرى الدكتور محمد سويدان أن الحرب دفعت عددًا من الدول العربية إلى إعادة النظر في مقاربتها للعلاقة مع إيران.

ويقول إن المؤشرات على توجه عربي نحو فتح قنوات سياسية مع طهران بدأت بالظهور مع اقتراب المفاوضات من مراحلها النهائية، موضحًا أن اتصالات جرت مع مسؤولين إيرانيين من قبل أكثر من دولة خليجية، بهدف بناء تفاهمات تتعلق بأمن الإقليم وتخفيف احتمالات المواجهة.

ويضيف أن إيران، من جهتها، تعاملت مع هذه الاتصالات باعتبارها فرصة لإعادة بناء علاقاتها مع محيطها العربي على قاعدة المصالح المشتركة، وليس من منطلق فرض الوقائع بالقوة.

وبحسب سويدان، فإن الرسائل التي نقلها المسؤولون الإيرانيون خلال تلك اللقاءات ركزت على أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يقوم على الصدام الدائم، بل على التفاهم بين القوى الإقليمية، بما يضمن مصالح جميع الأطراف.

غير أن هذا الانفتاح، وفق سويدان، لا يعني تخلي إيران عن أوراق قوتها، بل إدارتها ضمن معادلة جديدة تحاول الجمع بين الردع العسكري والانخراط السياسي، وهي معادلة ترى طهران أنها خرجت من الحرب أكثر قدرة على فرضها.

لبنان في صلب التفاهم… هل أصبح وقف الحرب شرطًا للاتفاق؟

لم يكن حضور لبنان في مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية تفصيلًا بروتوكوليًا، بل أحد أبرز المؤشرات إلى أن الحرب الأخيرة أعادت ترتيب أولويات التفاوض بين الطرفين. فبينما انحصرت الاتفاقات السابقة بالبرنامج النووي، تضع الصيغة الجديدة، وفق ما تتضمنه بنود المذكرة، الملف اللبناني ضمن مجموعة القضايا التي لا يمكن فصلها عن أي تسوية أشمل بين واشنطن وطهران.

ويكتسب هذا الحضور أهمية إضافية لأنه يأتي في لحظة ما زالت فيها إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية، فيما تحاول الولايات المتحدة تثبيت مسار تفاوضي يمنع انزلاق المنطقة إلى جولة جديدة من الحرب.

فهل أصبح لبنان جزءًا من التفاهم، أم أنه ما يزال ساحة مفتوحة أمام الحسابات الإسرائيلية؟

ثلاثة بنود… ورسالة واحدة

بحسب الصيغة المطروحة، يحضر لبنان في أكثر من بند داخل مذكرة التفاهم، عبر الحديث عن وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإنشاء آلية لمتابعة التنفيذ.

هذه البنود لا تعني فقط وقف العمليات العسكرية، بل تعكس محاولة لتحويل الاستقرار في لبنان إلى عنصر من عناصر نجاح الاتفاق نفسه. فاستمرار التصعيد الإسرائيلي، وفق هذه المقاربة، لن يهدد الوضع اللبناني وحده، بل سيهدد أيضًا مستقبل التفاهم الأميركي ـ الإيراني.

وهذا ما يفسر تكرار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في أكثر من مناسبة، ربط أي تقدم في المفاوضات بوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، في وقت كانت فيه واشنطن تحاول الفصل بين الملفين.

واشنطن وتل أبيب… بداية تباعد؟

خلال الحرب، بدا الموقف الأميركي والإسرائيلي متطابقًا إلى حد بعيد. لكن مع عودة المفاوضات، بدأت تظهر مؤشرات على اختلاف في أولويات الطرفين.

فالرئيس الأميركي دونالد ترامب دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى خفض التصعيد في لبنان وعدم توسيع العمليات العسكرية، انطلاقًا من قناعة بأن أي مواجهة جديدة قد تؤدي إلى انهيار المسار التفاوضي.

في المقابل، أصرّ نتنياهو على الاحتفاظ بحرية العمل العسكري، فيما أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته في جنوب لبنان حتى لو فضّلت واشنطن مقاربة مختلفة.

ولم يقتصر التباين على المواقف الميدانية. ففي اليوم الذي وُقعت فيه مذكرة التفاهم، خرج ترامب بتصريحات حملت نبرة غير مألوفة تجاه الحكومة الإسرائيلية، معبرًا عن استيائه من استمرار عمليات هدم المنازل في لبنان، في وقت كانت فيه إدارته تحاول تثبيت التهدئة.

كما أشار نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى وجود تباينات مع نتنياهو حول كيفية إنهاء الحرب مع إيران، مؤكدًا أن المصالح الأميركية ليست بالضرورة مطابقة للمصالح الإسرائيلية.

ورغم أن هذه التصريحات لا تعني وجود قطيعة بين الحليفين، فإنها تكشف اختلافًا في إدارة المرحلة التالية للحرب. فبينما تسعى واشنطن إلى تثبيت نتائج التفاوض، تبدو إسرائيل أكثر اهتمامًا بمنع أي تفاهم يمنح إيران مكاسب سياسية أو إقليمية.

هل أصبح لبنان ورقة ضغط؟

يرى الدكتور محمد سويدان، في حديثه لهذا التحقيق، أن الملف اللبناني تحول إلى أحد عناصر التفاوض الأساسية بين واشنطن وطهران، وأن إيران أبلغت الجانب الأميركي بوضوح أنها لن تمضي نحو اتفاق نهائي إذا استمرت إسرائيل في عملياتها العسكرية داخل لبنان.

ويشير إلى أن طهران ربطت أي تأجيل لردها على إسرائيل بضمانات تتعلق بوقف الاعتداءات على لبنان، معتبرة أن تثبيت هذا البند كان من بين الشروط التي أصرت عليها خلال المفاوضات.

ويضيف أن المفاوضات لم تكن محصورة بالشق الاقتصادي، بل توسعت لتشمل قضايا أمنية وسياسية، بينها الحفاظ على وحدة لبنان وسيادته، وعدم الانتقال إلى الاتفاق النهائي قبل تنفيذ البنود المتعلقة بوقف العمليات العسكرية.

وبحسب سويدان، فإن إيران أبلغت الوسطاء أن تأجيل الرد على إسرائيل لا يعني إسقاطه، بل ربطه بمدى التزام تل أبيب بما يتم الاتفاق عليه. ومن هنا، فإن استمرار الاعتداءات قد يدفع طهران إلى إعادة النظر في المسار التفاوضي برمته.

خيارات طهران… بين السياسة والردع

في قراءة سويدان، لا تنظر إيران إلى الاتفاق باعتباره نهاية للصراع، بل باعتباره إطارًا لإدارته.

فإذا التزمت إسرائيل بوقف التصعيد، ستستمر طهران في المسار السياسي، أما إذا توسعت العمليات العسكرية لتشمل بيروت أو الضاحية الجنوبية أو عادت إلى نمط الحرب الشاملة، فإن الخيارات الإيرانية، وفق تقديره، ستتدرج من الانسحاب من المفاوضات، إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادية، وصولًا إلى الخيارات العسكرية إذا اعتبرت أن الوسائل الأخرى فقدت فعاليتها.

إلا أن سويدان يستبعد، في المقابل، أن تنخرط الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة مع إيران بسبب ردها على إسرائيل، مرجحًا أن تفضّل واشنطن احتواء التصعيد بدل توسيعه، حفاظًا على المسار التفاوضي الذي تعتبره أولوية في هذه المرحلة.

خلاف على الوسائل… لا على التحالف

رغم التباينات التي ظهرت خلال المفاوضات، لا تبدو العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية متجهة نحو قطيعة سياسية أو استراتيجية.

فالخلاف، كما توحي الوقائع، يدور حول إدارة المرحلة التالية للحرب، وليس حول طبيعة التحالف نفسه. إذ ترى واشنطن أن تثبيت التفاهم مع إيران يقتضي الحد من التصعيد، بينما تخشى إسرائيل أن يؤدي أي اتفاق إلى تكريس نفوذ إيراني يصعب تقويضه لاحقًا.

ومن هنا، يصبح لبنان أكثر من مجرد ساحة مواجهة؛ فهو يتحول إلى اختبار لمدى قدرة الولايات المتحدة على ترجمة تفاهماتها السياسية إلى وقائع ميدانية، وإلى معيار لقياس حدود تأثيرها على الحكومة الإسرائيلية.

اتفاق يؤجل الصراع… أم يرسم توازنًا جديدًا؟

قد لا تكون مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية اتفاقًا نهائيًا، وقد تتعثر بنودها أو تنهار أمام أي تصعيد جديد. لكن مجرد الوصول إليها بعد حرب مباشرة بين الطرفين يكشف أن المواجهة لم تُنتج ما كانت تريده واشنطن أو تل أبيب عند بدايتها.

فإذا كان الهدف المعلن هو تقليص النفوذ الإيراني، فإن مسار التفاوض انتهى إلى الاعتراف بأن ملفات المنطقة، من أمن الخليج إلى لبنان، لا يمكن إدارتها من دون حضور طهران على الطاولة. وإذا كانت إسرائيل قد سعت إلى توسيع الحرب لتغيير موازين القوى، فإن المفاوضات أعادت تثبيت منطق مختلف: إدارة الاشتباك بدل حسمه.

وهذا لا يعني أن إيران خرجت منتصرة بكل ما أرادت، كما لا يعني أن الولايات المتحدة تخلت عن سياسة احتواء النفوذ الإيراني. فما زالت الخلافات قائمة حول البرنامج النووي، والصواريخ، والعقوبات، والدور الإقليمي، كما أن تنفيذ البنود الواردة في المذكرة سيبقى مرهونًا بقدرة الطرفين على منع أي انفجار ميداني جديد.

لكن الحرب بدّلت شيئًا أكثر عمقًا من تفاصيل الاتفاق؛ فقد غيّرت ترتيب الأولويات. فواشنطن التي رفعت شعار «الضغط الأقصى» باتت تبحث عن آلية تمنع انفلات الصراع، فيما تحاول إيران تحويل مكاسبها العسكرية والسياسية إلى ترتيبات دائمة تكرّس موقعها في الإقليم.

ويبقى لبنان أحد أكثر ميادين هذا التحول حساسية. فنجاح التفاهم سيُقاس، إلى حد كبير، بمدى قدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بخفض التصعيد، وبقدرة إيران على إبقاء حلفائها ضمن سقف التفاهمات. وأي إخفاق في هذين المسارين قد يعيد المنطقة سريعًا إلى نقطة الصفر.

في المقابل، لا تبدو إسرائيل مقتنعة بأن المرحلة الحالية تخدم مصالحها الاستراتيجية. فالتفاهم الذي يربط وقف التصعيد في لبنان بمسار التفاوض مع إيران يحدّ من هامش المبادرة العسكرية الذي سعت تل أبيب إلى الحفاظ عليه منذ بداية الحرب، ويضعها أمام واقع جديد تصبح فيه خطواتها جزءًا من معادلة تفاوضية أوسع، لا قرارًا إسرائيليًا منفردًا.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الاتفاق لا يتعلق ببنوده التقنية، ولا بحجم الأموال التي قد تُفرج عنها العقوبات، بل بطبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل بعد الحرب. فهل نحن أمام هدنة مؤقتة تفرضها موازين القوى الراهنة، أم أمام بداية انتقال إلى معادلة جديدة تقوم على الاعتراف المتبادل بحدود القوة، بعدما أثبتت المواجهة العسكرية أن كلفة الحسم تتجاوز قدرة جميع الأطراف على تحملها؟

حتى الآن، لا يملك أي طرف جوابًا حاسمًا. لكن المؤكد أن الحرب التي بدأت تحت عنوان تغيير موازين القوى انتهت، ولو مرحليًا، إلى إعادة تعريفها. فالولايات المتحدة لم تتمكن من فرض الشروط التي بشّرت بها سياسة «الضغط الأقصى»، وإيران لم تحصل على تسوية تنهي جميع الضغوط المفروضة عليها، فيما بقيت إسرائيل تحاول منع تثبيت واقع ترى فيه تهديدًا طويل الأمد.

لهذا، قد يكون الإنجاز الأبرز لهذا التفاهم، إن صمد، أنه لا يعلن نهاية الصراع، بل يرسم قواعده الجديدة؛ قواعد تجعل التفاوض امتدادًا للمواجهة بوسائل مختلفة، وتجعل ميزان الردع، لا ميزان الغلبة، الإطار الذي يحكم المرحلة المقبلة.

اسراء الرشعيني-الاخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24