
مقالات مجاملة الجلاد وخذلان الضحايا: قراءة في أخطر بنود اتفاق الإطار
16/07/202607:24:05
ليست كل الاتفاقات تُختزل بما تكتبه في مقدماتها، بل بما تُخفيه في تفاصيلها. فكثيراً ما تُستخدم العبارات الدبلوماسية الرخوة لإحداث تحولات إستراتيجية عميقة، يكون أثرها أكبر بكثير من أي بند عسكري أو أمني مباشر.
ومن هذا المنطلق، لا يبدو البند الثالث عشر من اتفاق الإطار مجرد صياغة قانونية لتنظيم مرحلة تفاوضية، بل يمثل تحولاً في فلسفة التعامل مع إسرائيل، ويؤسس لمعادلة سياسية وقانونية جديدة تضع العدالة في مرتبة أدنى من “استقرار العلاقات”، وتحوّل حقوق الضحايا إلى ملف قابل للتأجيل والمساومة.
لقد أثار الاتفاق بمجمله نقاشاً واسعاً، إلا أن البند الثالث عشر تحديداً شكّل نقطة التحول الأساسية في الجدل؛ لأنه لا يتعلق بترتيبات أمنية أو تقنية، بل يعيد تعريف العلاقة بين لبنان و”إسرائيل” من زاوية قانونية وسياسية وأخلاقية، ويطرح أسئلة تتجاوز حدود التفاوض إلى طبيعة المشروع الذي يراد فرضه على المنطقة بأسرها.
ينص البند على التزام لبنان و”إسرائيل”، “انسجاماً مع هدفهما المشترك المتمثل في إقامة علاقات مستقرة وسلمية”، باتخاذ إجراءات بحسن نية، تشمل وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية والقانونية الدولية.
قد تبدو العبارة للوهلة الأولى جزءاً من لغة دبلوماسية مألوفة، لكنها في حقيقتها تحمل أبعاداً تتجاوز ظاهرها بكثير.
وقبل التوسّع في تحليل هذا البند، يجدر بنا التذكير بعدم جواز فصله عن التطوّرات التي شهدتها المحافل والمحاكم الدولية بشأن الجرائم “الإسرائيلية” في فلسطين، وخصوصاً في غزة، والتي توجّت بإصدار مذكرة اعتقال بحقّ رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو نفسه.
كما لا يمكن فصله عن الجهود والموارد الهائلة التي استثمرتها إسرائيل وحلفاؤها لنقض هذه التطوّرات أو وقفها، وصولاً إلى تقويض مرجعية القانون الدولي ومؤسساته.
ومن أبرز هذه التدابير، فرض عقوبات أميركية على قضاة المحكمة الجنائية الدولية والمقرّرة الخاصة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، فرانشيسكا ألبانيزي، والمنظمات الحقوقية الفلسطينية، فضلاً عن الإجراءات المتخذة ضدّ عدد من الأكاديميين والناشطين بسبب مواقفهم المناهضة للانتهاكات “الإسرائيلية”، بما في ذلك الإبادة الجماعية في غزة.
كما لا يمكن فصل هذا البند عن سلسلة المواقف اللبنانية الرسمية وغير الرسمية التي سعت، بدرجات متفاوتة، إلى تبرير الجريمة “الإسرائيلية” وتصغير شأن الخطاب الحقوقي بخصوصها، في سياق تحميل حزب الله وإيران المسؤولية الكاملة عن الحرب ومآسيها، وتزيين التقارب أو السلام مع “إسرائيل” كمدخل لاستعادة السيادة والازدهار.
وهذه المواقف تجد أصداءها واضحة في بنود أخرى من الاتفاق، خاصة ما يتعلّق بتصوير مسبّبات الحرب وسبل معالجتها لمنع توسّعها أو تكرارها.
كما ينبغي التنبيه إلى أن هذا الاتفاق تمّ التوقيع عليه بموافقة رئيسَي الجمهورية والحكومة، دون أن يُعرض على المجلس النيابي أي على المؤسسة الدستورية الوحيدة المنتخبة من الشعب، بحجّة أنه مجرّد قواعد أولية للتفاوض، رغم خطورة مضامينه. وهذا يطرح أسئلة جادّة حول مدى إلزاميّته ونفاذه.
منطق المساواة بين الضحية والجلاد
إنّ ما يثير الانتباه أولاً هو إدراج بند من هذا القبيل في اتفاق إطاري، إذ يُستدلّ من ذلك أن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، والعدالة بشكل عام، تُعتبر في نظر هذين الجانبين مادةً قابلة للمساومة في السوق الدولية.
بل إن المساومة بشأنها تُصبح، وفق رؤيتهما، ضرورية لتحقيق “هدفهما المشترك” المتمثّل في “إقامة علاقات مستقرّة وسلميّة”، بحيث إن أيّ عمل مساءلة أو عدالة يبادر به طرف ضدّ الآخر في المحافل الدولية يُعدّ تهديداً لهذه العلاقات ونقضاً لهدف الاتفاق.
وبمعزل عن القيمة القانونية لهذا البند، فإن أيّ طرف، ولا سيما الطرف الأقوى “إسرائيل”، يمكنه التذرّع بخرقه للإخلال بالاتفاق، والتنصّل من المسؤوليات المترتّبة عليه.
وما يزيد من خطورة هذا البند هو صياغته المرنة القابلة للتوسيع، خاصة في ما يتعلّق بعبارتَي “اتّخاذ إجراءات بحسن نيّة تعكس نيّاتهما الإيجابية” و”وقف الأعمال العدائية أو الضارّة”، دون الإشارة إلى وجوب تفسيره وتطبيقه وفقاً لأحكام القانون الدولي.
ولقد جاء دفاع رئيس الحكومة نواف سلام في هذا الخصوص ليؤكّد هذا المنطق المساوماتي.
فمع اعترافه بأن القانون الدولي الإنساني لا يجيز التنازل عن ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، اعتبر أن البند مبرّر لأنه يقيّد الدولة بصورة مؤقّتة نظراً لحاجات التفاوض، دون المسّ بحقوق الضحايا.
وأكّد أن الدولة تحتفظ بحقّ استخدام الملاحقة القضائية كسلاح في حال فشل المفاوضات، وأن الالتزامات المترتّبة على هذا البند هي التزامات سياسية بحتة، دون أيّ مفعول قانوني.
ولكن هذا الدفاع يشكّل في واقع الأمر حجّةً على الاتفاق، لا له، ناهيك عن كونه يموّه حقيقة ما يهدف إليه البند.
فكيف يمكن “تجميد” ملاحقة جرائم “إسرائيل” دون أن يُشكّل ذلك شكلاً من أشكال التنازل المحظور دولياً، خصوصاً وأن المفاوضات لا سقف زمنياً لها؟ وهل يُفهم من تصريحاته أن التنازل المؤقّت سيظلّ مؤقّتاً، أم أنه مرجّح للاستمرار والتحوّل إلى تنازل دائم إذا سارت المفاوضات على نحو جيد، خاصة أن البند صوّر هذا الالتزام كحاجة لبناء علاقات مستقرّة، وليس فقط لحاجات المفاوضات، وذلك في إطار اتفاق لا يعترف بالمرجعية الدولية؟ وكيف يمكن للفريق المفاوض أن يسمح لنفسه بالالتزام، ولو سياسياً، بما يعتبره القانون الدولي غير قانوني، علماً أن هذا القانون وُضع أصلاً لمنع إخضاع هذه الانتهاكات للمساومة؟ فضلاً عن ذلك، فإن دفاع سلام يضيق نطاق الالتزامات الناتجة عن هذا البند، فيقتصر على الشكاوى ضدّ الانتهاكات، متجاهلاً أنها تشمل نطاقاً أوسع بكثير، أبرزها الامتناع عن إعلان اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
وما يفاقم الأمر، أن هذا البند يلزم بالامتناع عن أيّ عمل عدائيّ أو ضارّ ضدّ “إسرائيل”، في وقت خلا الاتفاق من أيّ التزام “إسرائيلي” مماثل بالامتناع عن تكرار الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها على نطاق واسع، كنسف القرى، والتهجير الطائفي، والإخفاء القسري للمعتقلين اللبنانيين واستخدامهم كرهائن. وهذا يمهد الطريق لمزيد من الضحايا، هذه المرّة بتغطية من السلطة اللبنانية، وفي ظل الصمت الذي وعدت والتزمت به.
وتلك مشهدية سريالية لا يمكن فهمها إلا كنتيجة لهيمنة منطق التفوق العرقي الصهيوني على الاتفاق، حيث يكون الهدف بإقامة “علاقات مستقرة وسلمية” مهدّداً ليس بما قد ترتكبه “إسرائيل”، بل بما قد يقوم به لبنان من تمسّك بملاحقة هذه الجرائم. وهذا يقودنا إلى الملاحظة الثانية حول هذا البند.
العدالة تصبح ورقة تفاوض
إن ما يلفت النظر أيضاً، هو انعكاس هذه المساومة على حقوق الضحايا الذين خذلتهم الدولة اللبنانية، رغم استثنائية الجريمة وحجمها. ولقد تجلّى ذلك بوضوح في الخطاب العام الرافض للاتفاق، وفي العنوان الذي اختارته المنظمات الحقوقية لبيانها.
ويشمل مفهوم الضحايا هنا ليس فقط الأفراد، بل الشعب برمّته، بما فقده من تراث ثقافي وثروات طبيعية، ومن بنى تحتية ومرافق عامة، دُمّرت كلها بشكل ممنهج في إطار مخطط واضح للتطهير العرقي ومحو القرى التي تعود لقرون، على غرار ما حدث في غزة والجليل.
وفي مواجهة هذا الاعتراض الواسع، سعى رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى التقليل من تأثير هذا البند في الضحايا، مشدّدَين على أن الالتزام يقيّد الحكومة فقط لحاجات المفاوضات، فيما تبقى للضحايا كامل الحقّ في التقاضي ضدّ “إسرائيل”، وهو حقّ لا يمكن لأحد التنازل عنه أو تقييده وفقاً للقانون الدولي.
بل ذهب رئيس الجمهورية إلى دعوة نقابات المحامين لوضع خبراتهم في خدمة قضايا الضحايا.
لكن هذه التبريرات تتجاهل مسؤوليتها في اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة للتعويض عن الأضرار الشاملة التي لحقت بالشعب، والتي تعكس درجة عالية من الهمجية، على غرار ما يحدث في غزة.
والدولة وحدها تملك صفة الشكاية لدى مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو السعي لمقاضاة “إسرائيل” أمام محكمة العدل الدولية، أو فتح باب المحكمة الجنائية الدولية من خلال إعلان الاختصاص.
ومن اللافت أن يحدث هذا التخلي عن حقوق الدولة بإرادة رئيسَي الجمهورية والحكومة، دون أيّ حاجة لموافقة المؤسسة الدستورية المنتخبة شعبيًا أي مجلس النواب.
كما تتجاهل هذه التبريرات مسؤولية الدولة في ضمان حق الضحايا في الولوج إلى العدالة الدولية، وتأمين الدعم اللازم لهم لإثبات الانتهاكات.
التطبيع مع الكيان “الإسرائيلي”
أما الملاحظة الأخيرة، فهي انعكاس هذا البند على علاقة لبنان بـ”إسرائيل” وموقفه من الصهيونية.
ففي حين يُفهم من البند الأول من الاتفاق أن لبنان اعترف بـ”إسرائيل” وحقها في الوجود، وطمح إلى بناء علاقة مستقرة وسلمية، يضيف هذا البند التزاماً لبنانياً بالامتناع عن أيّ موقف مناوئ لـ”إسرائيل”، وبالتالي عن أيّ موقف داعم للقضية الفلسطينية، وعن العقيدة العنصرية التي تقوم عليها الصهيونية.
وهذا ما يترتّب عليه التزام لبنان بإنهاء القوانين التمييزية ضدّ “إسرائيل”، أو الداعية إلى مقاطعتها، واعتماد الحياد السياسي والقانوني والأخلاقي تجاهها، بما يرمي إلى إلحاق لبنان بصفوف الدول التي تعيش على هامش الخير والشر.
واللافت أن هذا الالتزام بالحياد الشامل جاء شرطًا لمواصلة التفاوض، في وقت كانت “إسرائيل” لا تزال تعتدي على لبنان وتحتلّ مساحات واسعة من أراضيه. كأن “إسرائيل” أرادت بذلك إمعاناً في إضعاف لبنان، بتجريده من أسلحته القانونية والقضائية والدبلوماسية، بما يضمن استمرار هيمنتها عليه.
والواقع أن هذا البند يتعارض مع مجموعة من القواعد الدولية ذات القوة الدستورية، ومع عدد من القوانين الداخلية، كقانون مقاطعة “إسرائيل”.
ومن أبرز ما ينبغي التذكير به هنا، الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي تم إقراره في جامعة الدول العربية عام 2004، وصادق عليه مجلس النواب اللبناني عام 2008، والذي نصّ بوضوح على رفض الصهيونية كما أيّ نظام عنصري، معتبراً إياها “انتهاكاً لحقوق الإنسان وتهديداً للسلم والأمن العالمييْن” (في الديباجة)، و”تحديّاً للكرامة الإنسانية وعائقاً أساسياً يحول دون الحقوق الأساسية للشعوب، ومن الواجب إدانة جميع ممارساتها والعمل على إزالتها” (الفقرة الثالثة من المادة 2).
وتكتسي هذه النصوص قوة دستورية، عملاً بالفقرة (ب) من مقدمة الدستور، التي توجب الالتزام بمواثيق جامعة الدول العربية ومواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو ما أكّده المجلس الدستوري اللبناني في قرارَيه رقم 1/2019 و6/2023.
ومن ثم، فإن تعارض اتفاق الإطار، وخاصة البندين 1 و13 منه، مع أحكام الميثاق العربي ذي القيمة الدستورية، إنما يُعدّ بمنزلة انقلاب دستوري بكلّ ما للكلمة من معنى، جرى بتوقيع سفيرة وموافقة رئيسَي الجمهورية والحكومة، دون أن يُعرض على مجلس النواب صاحب الصلاحية الوحيد بتعديل الدستور.
في النهاية؛ فإن ما يبعث على القلق، أن يكون لبنان في صدد ارتكاب الخطأ التاريخي نفسه الذي ارتكبته الدول العربية عام 1991، حين أسقطت قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي كان يدين الصهيونية كشكل من أشكال العنصرية، استجابةً للشرط الأميركي لمفاوضات مدريد.
ورغم أن تلك المفاوضات انتهت بالفشل، خرجت “إسرائيل” ببراءة ذمّة غير مستحقة، اتّسخت منذ ذلك الحين بوصمة الإبادة الجماعية، وهي بحاجة إلى من يبيّضها من جديد، وهذا هو ما يُخشى أن يتطوّع لبنان لفعله.
وهنا تتحول المعادلة من حماية الإنسان إلى حماية الجلاد، ومن الدفاع عن القانون الدولي إلى تعطيل آلياته، ومن دعم الضحايا إلى مطالبتهم بالصمت انتظاراً لسلام مزعوم لن يأتي أبدًا.
محمد الايوبي-العهد
جاري تحميل الخبر التالي...