
مقالات كيف خسر لبنان مرجعيته القانونية؟
16/07/202606:16:22
كان لبنان، قبل «اتفاق الإطار» يملك ما هو أوضح وأقوى: اتفاقية الهدنة لعام 1949، القرار 1701، واتفاق الطائف بما حمله من تصور لإعادة بناء الدولة وتحرير الأرض. هذه المرجعيات، على اختلاف طبيعتها، كانت تنطلق من قاعدة بديهية: أن الاعتداء اعتداء، وأن الاحتلال خرق، وأن الحدود ليست موضوع اختبار داخلي، وأن الدولة لا تُسأل عن أهلية سيادتها قبل أن يُطلب من المعتدي الخروج.
بهذا المعنى، يصبح «اتفاق الإطار» أخطر من اتفاق أمني عابر. إنه يستبدل مرجعية قانونية دولية بترتيب سياسي ـ أمني مفتوح، ترعاه الولايات المتحدة، وتملك “إسرائيل” هامشاً واسعاً في تفسيره، بينما يتحمل لبنان عبء الإثبات والتنفيذ. لم يعد الانسحاب “الإسرائيلي” واجباً قائماً بذاته، بل نتيجة مشروطة بمسار داخلي لبناني: نزع سلاح، تفكيك بنى، مناطق تجريبية، تحقق، رقابة، مساعدات مشروطة، وإعادة إعمار مربوطة بالسلوك الأمني. أي أن الأرض اللبنانية لا تُستعاد لأنها لبنانية، بل بعد أن يجتاز لبنان امتحاناً يضع شروطه الطرف الذي يحتل.
بدل أن يبقى الاحتلال خرقاً واضحاً للقانون الدولي، يتحول إلى ورقة تفاوض. يصبح بقاؤه مبرراً ما دام لبنان لم ينجز بعد ما يُطلب منه داخلياً. وتصبح “إسرائيل” قادرة على القول إن انسحابها ليس واجباً فورياً، بل خطوة مرتبطة بتقديرها وتقدير الراعي الأميركي لما إذا كانت الدولة اللبنانية قد نجحت في ضبط الداخل.
في اتفاقية الهدنة لعام 1949، كان المنطق أبسط وأكثر صلابة. وقف للأعمال العسكرية، احترام لخط الهدنة، منع للعبور والاعتداء، ولجنة بإشراف الأمم المتحدة. صحيح أن الهدنة لم تكن سلاماً، ولم تكن حلاً نهائياً، لكنها كانت تحمي موقع لبنان القانوني لأنها لا تفرض عليه إعادة تعريف عدوه، ولا تطلب منه تقديم تنازلات داخلية، ولا تربط حقوقه السيادية بملف داخلي. كانت الهدنة تقول إن هناك حدوداً وخروقات ورقابة أممية. أما الإطار فيفتح الباب أمام لغة مختلفة: مناطق نموذجية، إعادة انتشار، تحقق أمني، نوايا إيجابية، ومساعدات مشروطة.
الفرق بين اللغتين ليس تفصيلاً. لغة الهدنة تحافظ على المسافة بين لبنان و”إسرائيل”: دولتان في حال عداء منضبط بآلية أممية. أما لغة الإطار فتدفع نحو شراكة أمنية غير معلنة، لأن الطرفين يصبحان، وفق منطق النص، معنيين بترتيب الداخل اللبناني لا بإنهاء الاحتلال فقط. هنا لا تعود “إسرائيل” مجرد طرف مطالب بالخروج، بل تصبح طرفاً يراقب ما إذا كان لبنان يستحق هذا الخروج. وهذه ليست تسوية، بل وصاية مقنّعة.
الخطر الحقيقي يكمن في أن الاتفاقات القديمة كان ينظر إليها في ضوء صدامها المباشر مع السيادة. أما هذا الإطار فيحاول أن يرتدي لغة السيادة نفسها. يتحدث باسم الدولة، وباسم الجيش، وباسم احتكار القوة، وباسم الاستقرار، وباسم إعادة الإعمار. لكنه، في النتيجة، ينقل وظيفة الدولة من مواجهة الاحتلال إلى إدارة الداخل وفق شروط الاحتلال. أي أنه لا يطلب من لبنان فقط أن يضبط حدوده، بل أن يعيد تشكيل توازنه الداخلي ليصبح مقبولاً أمنياً لدى “إسرائيل”.
وهذا ما يجعل الحديث عن «المناطق التجريبية» بالغ الخطورة. فالدولة لا تستعيد سيادتها بالتجارب. الأرض لا تُقسّم إلى مختبرات أمنية. عودة السكان ليست مرحلة اختبار. والجيش لا ينبغي أن يُزج في مسار تبدأ فيه “إسرائيل” من موقع المراقب، بينما يُطلب من لبنان إثبات حسن السلوك. عندما تصبح القرى والحدود والناس جزءاً من تجربة ميدانية، فهذا يعني أن السيادة نفسها باتت مؤجلة إلى حين صدور شهادة نجاح.
خطورة «اتفاق الإطار» كونه حوّل الاحتلال إلى نتيجة لفعل ما، وليس إلى مشكلة يجب أن تُحلّ قبل أي ترتيبات أخرى
كذلك، فإن ربط إعادة الإعمار والمساعدات بالمسار الأمني يحول حاجة لبنان الاقتصادية إلى أداة ضغط. بلد مدمّر، منهك، محتاج إلى إعادة بناء قراه وبناه ومنازله، يُدفع إلى قبول شروط سياسية وأمنية تحت عنوان الدعم. هكذا لا تعود المساعدة مساعدة، بل تصبح ثمناً. ولا تعود إعادة الإعمار حقاً بعد العدوان، بل مكافأة مشروطة بسلوك الدولة. وهذا من أخطر أشكال المساس بالسيادة: أن تُستعمل الحاجة الاجتماعية والاقتصادية لفرض هندسة أمنية على بلد ضعيف.
أما البند المتعلق بالمحافل السياسية والقانونية الدولية، فهو جزء من الفلسفة نفسها. لبنان لا يُطلب منه فقط أن يضبط الداخل، بل أن يضبط خطابه الخارجي أيضاً. أن يخفف شكواه، أن يراعي «روح الاتفاق»، أن لا يتحرك دولياً بما يُفسَّر عملاً معادياً أو ضاراً. وهنا يكتمل القيد: في الداخل التزامات أمنية، وفي الخارج كبح سياسي وقانوني، وفي الأرض احتلال ينتظر. أي أن لبنان، بدل أن يستعمل كل أدواته لمواجهة الاعتداء، يُدعى إلى تعليق بعضها كي يثبت أنه شريك صالح في مسار الاستقرار.
ومن هنا يتضح أن الإطار لا يحل معضلة الدولة، بل يعمّقها. فلبنان لا يحتاج إلى دولة تواجه مجتمعها كي تُرضي “إسرائيل”، بل إلى دولة تحمي مجتمعها كي تواجه الاحتلال. لا يحتاج إلى جيش يُطلب منه أن يدخل في مناطق تجريبية قبل الانسحاب، بل إلى جيش ينتشر على أرض محررة وبقرار وطني واضح. لا يحتاج إلى إعادة إعمار مشروطة، بل إلى حق في التعويض والبناء. ولا يحتاج إلى علاقات مستقرة مع عدو يحتل أرضه، بل إلى انسحاب واضح يفتح الطريق أمام استقرار حقيقي.
إن إعادة الاعتبار إلى اتفاقية الهدنة لا تعني العودة إلى الماضي، بل التمسك بمرجعية قانونية تحفظ للبنان موقعه. الهدنة، رغم قدمها، كانت تقول إن هناك عدواناً يجب منعه وخطاً يجب احترامه ولجنة دولية تراقب الخروقات. أما الإطار فيقول إن هناك مشكلة لبنانية داخلية يجب حلها كي يتغير السلوك “الإسرائيلي”. وهذا هو جوهر الانقلاب: من تحميل المعتدي مسؤولية العدوان، إلى تحميل لبنان مسؤولية استمرار الاحتلال.
لذلك لا تكمن خطورة «اتفاق الإطار» في أنه ناقص فقط، بل في أنه يعيد ترتيب الأولويات. الاحتلال لم يعد البداية، بل صار النتيجة. “إسرائيل” لم تعد الطرف الملزم، بل الطرف المنتظر. لبنان لم يعد صاحب الحق، بل صاحب الواجب. والجيش لم يعد رمزاً لاستعادة الأرض بعد الانسحاب، بل وسيلة لإثبات الجدارة قبل الانسحاب. هذه المعادلة وحدها تكفي لرفض الإطار أو على الأقل لإعادة فتحه من أساسه.
هكذا يصبح لبنان أمام معادلة خطيرة: إن دخل في المواجهة الداخلية المطلوبة منه، خسر سلمه الأهلي.
وإن لم يدخلها، قيل إن “إسرائيل” غير ملزمة بالانسحاب. وفي الحالين تربح “إسرائيل”: إما بلبنان منقسم، وإما باحتلال مستمر، وإما بالاثنين معاً. هذه هي العبقرية الخطرة في الإطار: أنه لا يحتاج إلى أن تعلن “إسرائيل” انتصارها. يكفي أن يُقبل مبدؤه كي يصبح الاحتلال موضوع تفاوض داخلي لا خرقاً دولياً.
والرد الحقيقي يكون بإعادة التفاوض إلى مرجعيته الصحيحة. الاحتلال لا يُكافأ بالانتظار. الانسحاب لا يُجزّأ إلى تجارب. السيادة لا تُمنح بشهادة حسن سلوك. والحقوق لا تُعلّق باسم الاستقرار. إذا كان لا بد من إطار، فليكن إطاراً يبدأ من انسحاب “إسرائيلي” واضح وغير مشروط، ومن رقابة أممية لا وصاية أميركية، ومن حفظ حق لبنان القانوني والسياسي كاملاً، ومن إعادة إعمار غير مشروطة، ومن نقاش داخلي لبناني لا يُدار تحت ضغط العدو.
لأن اتفاق الإطار كما هو، تحول إلى ما هو أكثر خطورة: أن نوقّع على وثيقة تجعل خروج المحتل شأناً لبنانياً داخلياً، لا واجباً عليه هو.
كريم حداد – صحيفة الأخبار
جاري تحميل الخبر التالي...