
أخبار لبنان تحذير واضراب شامل … قطاع الاتصالات أمام مفترق مصيري!
14/07/202611:10:55
حذّرت النقابة العامة لموظفي وعمال المواصلات السلكية واللاسلكية الدولية في لبنان من أن مشروع إعادة هيكلة قطاع الاتصالات، بصيغته الحالية، ينذر بتفكيك أحد أهم المرافق العامة في الدولة، بدل إصلاحه وتطويره، واعلنت الاضراب غداً الاربعاء وبعد غد الخميس في جميع مراكز العمل التابعة لهيئة “أوجيرو”.
وفي كتاب مفتوح وجّهته إلى اللبنانيين والسلطات الدستورية، عرضت النقابة جملة من الملاحظات القانونية والإدارية على مشروع إنشاء شركة “اتصالات لبنان”، معتبرة أن أي إصلاح لا يمكن أن يتم خارج إطار القانون أو على حساب استمرارية المرفق العام وحقوق العاملين، بالتزامن مع إعلانها تنفيذ إضراب تحذيري واعتصام مركزي رفضًا للمسار المعتمد في إدارة القطاع.منذ أكثر من خمسين عامًا، شكّلت هيئة “أوجيرو” أحد أهم المرافق العامة في الدولة اللبنانية، ومن أبرز مصادر إيرادات الخزينة، وركنًا أساسيًا من أركان الأمن الوطني والاقتصاد الرقمي واستمرارية الخدمات العامة.
ولم تكن أوجيرو يومًا عبئًا على الدولة، حيث كانت المؤسسة التي حافظت على استمرارية قطاع الاتصالات في أحلك الظروف، من الحرب الأهلية إلى العدوان الإسرائيلي الأخير، مرورًا بجائحة كورونا والأزمة المالية وانهيار سعر العملة، حيث بقي آلاف العاملين يبذلون واجباتهم في مختلف المناطق اللبنانية، محافظين على استمرارية الخدمة رغم كل الصعوبات.
وانطلاقًا من هذه المسؤولية، تؤكد النقابة العامة لموظفي وعمال المواصلات السلكية واللاسلكية الدولية في لبنان أنها لم تكن في أي وقت في مواجهة أي مشروع إصلاحي، إذ كانت ولا تزال من أوائل المطالبين بإصلاح قطاع الاتصالات وتطويره وتحديث تشريعاته وتعزيز الشفافية والحوكمة فيه.
إلا أن الإصلاح الحقيقي شيء، وتفكيك القطاع شيء آخر، واليوم تجد النقابة نفسها مضطرة إلى مخاطبة الرأي العام بعدما أصبحت المؤشرات المتوافرة تنذر بمسار بالغ الخطورة يهدد مستقبل القطاع والعاملين فيه معًا.
ولأن هذه المخاوف لا تقوم على الانطباعات أو المواقف المسبقة، وإنما تستند إلى وقائع قانونية وإدارية وعملية واضحة، ترى النقابة أن من واجبها أن تضع أمام اللبنانيين والسلطات الدستورية أبرز الملاحظات التي تثيرها الخطوات المنوي اتخاذها في قطاع الاتصالات، وذلك على النحو الآتي:
إن قانون الاتصالات رقم 431/2002 لم يكتف بالنص على إنشاء شركة “اتصالات لبنان” (Liban Telecom)، بل رسم متكاملًا المتطلبات القانونية والتنفيذية والوظيفية التي يفترض أن تستكمل قبل انتقال القطاع إليها، وفي مقدمتها تحديد رأسمالها، وتقييم الأصول والموجودات والالتزامات المنوي نقلها إليها بواسطة لجنة مستقلة، ونقل هذه الأصول والأسهم إليها بصورة منظمة وفقًا للمادتين 44 و50 من القانون.
أما المشروع المطروح اليوم، فإنه يقلب هذا التسلسل رأسًا على عقب، فيصار إلى إنشاء شركة قبل أن تتوافر لها قدرة فعلية على إدارة القطاع، من دون أن تملك حتى الآن رأسمالًا فعليًا يتناسب مع حجم القطاع، أو أصولًا، أو شبكات، أو تجهيزات، أو حقوقًا تشغيلية واضحة، أو موارد مالية، أو نموذجًا اقتصاديًا مستدامًا، أو خطة استثمار، أو إطارًا تنظيميًا مستقرًا، أو ضمانات لاستمرارية المرفق العام.وبذلك تصبح الشركة عمليًا كيانًا قائمًا على الورق فقط، فيما يبقى القطاع الحقيقي خارجها، وهو ما يثير تساؤلات عديدة حول تنامي أدوار كيانات أخرى قد تصبح هي التي تدير القطاع بعيدًا عن المصلحة العامة، ولا يمكن لأي شركة أن تنطلق قبل أن تمتلك المقومات التي نص عليها القانون، فضلًا عن تلك التي تؤمن ملاءمتها واستمراريتها.
لمفارقة أن المشروع يرفع شعار تطبيق قانون الاتصالات، فيما يتجاوز أهم الضمانات التي فرضها القانون نفسه.فالقانون لم يتحدث عن مجرد إنشاء شركة، وإنما عن انتقال قانوني ومدروس للقطاع بكامله، بعد تقييم الأصول وتحديد الحقوق والالتزامات وتأمين الاستمرارية وضمان حماية المرفق العام.
أما تجاوز هذه المراحل، فيحوّل النص القانوني إلى مجرد عنوان، ويجعل عملية الانتقال محفوفة بمخاطر قانونية وإدارية وتشغيلية كبيرة.
وعليه، يثار تساؤل حول مدى ملاءمة الاكتفاء بتطبيق قانون صدر قبل نحو ربع قرن وإصدار مراسيم تطبيقية له، بالرغم من التحولات الجذرية التي شهدها قطاع الاتصالات على المستويات التقنية والاقتصادية والتنظيمية.
فالمرحلة الحالية تستدعي إعادة النظر بالإطار التشريعي برمته، من خلال تحديث القانون أو إقرار قانون جديد يواكب متطلبات الاقتصاد الرقمي والتطورات التكنولوجية، بدل الاكتفاء بإصدار مراسيم تنظيمية استنادًا إلى قانون وُضع في ظل ظروف مغايرة تمامًا.
يزداد الأمر تعقيدًا مع المرسوم الجديد الذي ينتظر وزير الاتصالات توقيعه لإلغاء الجهاز التشغيلي للوزارة قبل أن يصبح البديل جاهزًا، أي أن أي نقل للقطاع إلى مرحلة انتقالية غير محددة المعالم والبداية، أي أن أي إصلاح إداري يفترض أن يبدأ بتأمين البديل، لا بإلغاء الأصل قبل وجوده.ولا يجوز أن يدخل أحد أهم المرافق العامة في الدولة أي فراغ تنظيمي مفتوح.
انطلاقًا من مسؤوليتها الوطنية، وجهت النقابة كتابًا رسميًا إلى معالي وزير الاتصالات تضمّن أربعة عشر محورًا قانونيًا وماليًا وتشغيليًا، تناولت مستقبل هيئة أوجيرو، وآليات إنشاء شركة “اتصالات لبنان”، وأوضاع العاملين، ورأس المال، والأصول، والحوكمة، والخطة الزمنية، والإطار التشريعي، والهيئة الناظمة، واستدامة الشركة، وغير ذلك من المسائل الجوهرية.
إلا أنه، وحتى تاريخ إصدار هذا الكتاب المفتوح، لم تتلقَّ النقابة أي جواب رسمي، علمًا أن الصمت في القضايا المصيرية ليس إدارة للقطاع، وإنما تعميق لحالة القلق وعدم اليقين.
تؤكد النقابة أنها لا تدافع عن واقع قائم لمجرد الدفاع عنه، كما أنها لا ترفض إنشاء شركة “اتصالات لبنان” من حيث المبدأ، لكنها ترفض في المقابل إنشاء شركة فاقدة للمقومات التي أوجبها القانون، كما أنها ترفض تحميل العاملين والدولة والمرفق العام نتائج انتقال غير مدروس، وهي لا تقبل كذلك تفكيك المؤسسات القائمة قبل بناء المؤسسات البديلة.
إن النقابة لا تزال تمد يدها للحوار، ولا تزال تطالب بخطة واضحة، واحترام أحكام القانون، وإشراك ممثلي العاملين في أي مسار إصلاحي حقيقي، وتقديم الضمانات القانونية والمالية والإدارية اللازمة، قبل اتخاذ أي قرار مصيري يمس قطاع الاتصالات ومستقبل العاملين فيه.
غير أن استمرار تجاهل هذه المطالب، والمضي في اتخاذ قرارات أحادية تمس مستقبل المرفق العام والعاملين فيه، وعدم الرد على التساؤلات الجوهرية التي وجهتها النقابة إلى معالي وزير الاتصالات، لا يترك أمامها سوى اللجوء إلى الوسائل المشروعة التي يكفلها الدستور والقوانين للدفاع عن المرفق العام وحقوق العاملين ومصلحة اللبنانيين.
وانطلاقًا من مسؤوليتها النقابية والوطنية، تعلن النقابة العامة لموظفي وعمال المواصلات السلكية واللاسلكية الدولية في لبنان تنفيذ إضراب تحذيري شامل يومي الأربعاء (عدم حضور) والخميس (حضور) الواقعين في 15 و16 تموز 2026، في جميع مراكز العمل التابعة لهيئة “أوجيرو”، وذلك احتجاجًا على النهج المعتمد في إدارة هذا القطاع، واعتراضًا على خطوات المضي في إنشاء شركة تمس مستقبل قطاع الاتصالات ومصير العاملين فيه، لمخاطر جسيمة، من دون تأمين الضمانات القانونية والمؤسساتية التي يفرضها القانون.
وتشدّد عتلى أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتفكيك المؤسسات، ولا ببناء شركات بلا مقومات أو بتجاوز القانون، إنما يبدأ بالحوار، واحترام المؤسسات، وبناء الثقة، وصون المصلحة العامة، ومن هذا المنطلق، فإن النقابة ستبقى، كما كانت على الدوام، شريكًا في الإصلاح، ولكنها ستكون في الوقت عينه، وفي كل حين، المدافع الأول عن قطاع الاتصالات والعاملين فيه، بكل الوسائل التي يجيزها القانون.
المصدر: ليبانون ديبايت
جاري تحميل الخبر التالي...