
مقالات عن تجربتنا مع هذه السلطة نتحدث!
14/07/202608:40:13
ليست الحياة السياسية في البلد في أحسن حالاتها، ولا حتى مجريات العملية السياسية الداخلية. وأكثر من ذلك. فقد لا تكون الأوضاع والأحوال السياسية سليمة وصحيحة وصحية، ولا حتى النقاش أو الحوار السياسي الداخلي، ولا الخطاب الإعلامي.
ومرد كلّ ذلك ليس فقط استمرار العدو الإسرائيلي بعدوانه واحتلاله حدّ الإمعان والإفراط، وإنما أداء ومواقف السلطة السياسية، بل الطبقة السياسية، وعلى اختلاف اتجاهات فاعليها وتموضعاتهم واصطفافاتهم.
منذ مجيء هذه السلطة مطلع سنة 2025، مباشرة بعد حرب سنة 2024، كان لافتاً تصاعد خطاب الكراهية في البلد. هو انطلق من موقع مناوئ للمقاومة، وبخلفيّة معادية للمقاومة. وقد كان باتجاه واحد: هو التصويب المباشر على خط المقاومة، برموزه وقادته ومقدّساته، من دون أيّ اكتراث بمشاعر وأحاسيس جمهور المقاومة على وجه العموم، ولا سيما المكوّن الذي تنتمي إليه وينتمي إليها على وجه الخصوص، وبالرغم من التنبيه والتحذير من الرقص على الدماء.
واستمرّ خطاب الكراهية، بأبشع أشكاله وبأسوأ أساليبه، بما فيه التطاول، التحريض، التهديد، الشتيمة، الشماتة والتشفّي، وسواها من جرائم موصوفة، تتهدّد السلم الأهلي والعيش المشترك والوحدة الوطنية، مع تشييع خطاب الكراهية واستدراج أو استجرار مفاعيل ردود الأفعال.
وقد أدّى إتخاذ العديد من القرارات التي لا تحظى بالإجماع الوطني، ولا حتى الحدّ الأدنى من التوافق الوطني، إلى تفاقم الانقسامات الداخلية وتمزيق الوحدة الداخلية، تحت وطأة الضغوط الخارجية والأجنبية، وربما الشروط والإملاءات، من مثل قرار حظر نشاط المقاومة، قرار نزع سلاح المقاومة، وقرار تجريم عمل وفعل المقاومة. وقد تناولت مثل هذه القرارات مسائل وقضايا وملفات شائكة وحساسة، وهي خلافية وإشكالية بين الناس.
ما يبرز كيفيّة التفرّد في ممارسة السلطة وصناعة القرار، عدم التروّي والتريّث، عدم الأخذ بالنصائح، وعدم التفهّم، ولا التفاهم، ولا حتى مراعاة الهواجس الداخلية قبل الاعتبارات الخارجية.
وقد زاد الطين بلّة التشدّد والتصلّب والتعنّت من قبل جماعة السلطة بالقرارات والمواقف في مواجهة جماعة المقاومة في البلد. وقد بلغ هذا الأمر حدّ الانزلاق، بطريقة غير مدروسة وغير محسوبة، بل متسرّعة ومتهوّرة، إلى عملية التفاوض الخارجي مع العدو، بدل الانخراط في عملية التحاور الداخلي مع الفاعلين والشركاء في الدولة والبلد، أو لنقل بالحدّ الأدنى قبله!
كذلك، قد يؤخذ على هذه السلطة التفريط بالثوابت الوطنية والإطاحة بالخطوط الحمر، من مثل الانزلاق إلى محظور التفاوض المباشر؛ الإعلان عن الاستعداد إلى إنهاء حالة العداء، وليس حالة الحرب، مع الكيان الإسرائيلي، مع التمييز والتفريق بين حالتي العداء والحرب، بالقانون الدولي وبميزان المصلحة الوطنية؛ الدعوة إلى عقد السلام مع العدو الإسرائيلي، لا الاكتفاء بوضعيّة الهدنة أو فضّ الإشتباك فقط. يُضاف هنا إلى كلّ ما سبق الإساءة إلى الصيغة والنموذج والتجربة في لبنان، في إشارة إلى الديمقراطية التوافقية، الميثاقية، وثيقة الوفاق الوطني، المعادلات الوطنية، وكذلك التوازنات الداخلية؛ مما قد يؤدّي إلى إعادة خلط الأوراق، بعد تجاوز وتخطّي ضوابط ومحدّدات العملية السياسية والممارسة السياسية ذات الصلة.
الأسوأ والأخطر من كلّ ما تقدّم أنّ السلطة ذهبت بعيداً في هذا المسير، غير آبهة بالكثير من المحظورات والمحاذير، وإلى حدّ اقتراف جريمة الخيانة الوطنية العظمى! لا يزال الكيان الإسرائيلي عدو لبنان. وهو يُفترض أن يكون وأن يبقى كذلك، بحسب الدستور والميثاق، في إشارة إلى وثيقة الوفاق الوطني، وعدد من القوانين والتشريعات، التي تُحرِّم وتُجرِّم حتماً وقطعاً التعامل والتعاطي مع العدو الإسرائيلي، بكلّ أشكاله وأساليبه وأدواته، من مثل قانون مقاطعة “إسرائيل”، قانون العقوبات وقانون البثّ الإذاعي والتلفزيوني، وبالتالي تجريم كلّ أفعال وأعمال التخابر والتواصل والتعامل والتعاون مع العدو الإسرائيلي.
إنّ رموز وممثّلي وموفدي هذه السلطة يتواصلون ويتفاوضون مع رموز وممثّلي وموفدي الكيان الإسرائيلي، وبقرار من السلطة نفسها، ومن دون وجود أيّ توافق وطني أو ورود أيّ تفويض وطني بهذا الشأن! والمسألة هنا ليست مجرّد شبهة سياسية، بل هي جريمة مكتملة الأركان والأوصاف، وعن سابق إصرار!
لم تكن تركيبة السلطة متوازنة في الأساس ومن البداية. كما أنّ ممارستها ليست متزنة، ولا تبدو تجربتها مشجّعة.
وهي ربما أصبحت جزءاً من المشكلة في البلد، على ضوء كلّ ما قد ورد أعلاه وبصرف النظر عن الحسابات والتعقيدات والمصالح السياسية، فإنّ مسار الحلّ السياسي يفترض، بميزان العقل والمنطق، أن يُصار إلى إعادة تكوين السلطة بعد انتهاء الحرب الحالية. فهي جاءت بنتيجة مخرجات الحرب السابقة، ولم تعد صالحة بعد الآن. هذا كلّه من حيث المبدأ!
غسان ملحم-الميادين
جاري تحميل الخبر التالي...