
مقالات اتّفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي: هل يصبح لبنان مستعمرةً إسرائيلية؟
11/07/202610:59:23
التحضير للمفاوضات
الاتّفاقُ المشؤوم كان مُعَدّاً قبل أن تندلع الحرب الأخيرة، في ما سُمِّيَ بحرب إسناد إيران. الافتراض أنّ الحزب قد اندثرَ وأنّه لن يستفيقَ من الضربات التي تلاحقت، وبخاصّة بعد تفجيرات الـ«بيجرز» واغتيال نصرالله وصفي الدين وقادة «الرضوان». الافتراض كان منطقيّاً في ظاهره.
كيف يمكن لحزب أو حركة مسلّحة أن تتعرّضَ لِما تعرّض له الحزب في أشهر قليلة أن يبقى واقفاً؟ كيف يمكن لحزب نصرالله أن يستمرَّ بعده؟ يبقى النقاش حول قرار الانخراط، إذا كان صائباً، أو لم يكن.
إسرائيل كانت تُعِدُّ العُدّة، وهي لم تتوقّف عن القتْل والتدمير حتى في الأشهر الخمسة عشر التي فصلت بين الحربَين.
في تاريخها، هي لا تلتزم بميثاق أو تعهّد أو اتّفاق، لكنّ سلطة لبنان الساقطة تظنّ أنّ إسرائيل تغيّرت وأنّها، في مفاوضاتها مع لبنان، ستكون حسنة النيّة والجوار. لم يكن هناك حتى إعداد لتشكيل الوفد. المهم هو الاستجابة السريعة لأوامر من واشنطن بناءً على رؤية اللّوبي الإسرائيلي، وبدعم سعودي.
رئيسة الوفد اللّبناني ليست معروفة من الشعب اللّبناني. ولم تكن معروفة حتى من رئيس الحكومة أو رئيس الجمهوريّة. الاسم أُسقِطَ على العهد من فَوق، أو من واشنطن تحديداً.
فريق عمل الصحناوي يتعامل بصورة يوميّة مع فريق عمل رئيس الجمهوريّة، والفريق الأوّل ليس إلّا مُنفِّذاً لأوامر اللّوبي الصهيوني وأجندته. ندى حمادة معوّض كانت معروفة في نشاطات «مؤسّسة رينيه معوّض» وحفلاتها السنويّة، التي تجمع عُتاة كارهي العرب والمسلمين في البلاد، كما تحتفي بأقطاب اللّوبي الصهيوني.
تدرك دور «مؤسّسة رينيه معوّض» عندما تذكر أنّ بول وولفويتز وإليانا روس-ليتينن كانا يحضران حفلاتها، وأنّ مايك بومبيو (الذي يقف اليوم على يمين نتنياهو وترامب) كان من أشدّ المناصرين لـ«مؤسّسة رينيه معوّض» وأعمالها «في البيئة الشيعيّة» ولأسباب بريئة صرف. لكن نسأل: ما هو الدور الإنساني المحض الذي تقوم به المؤسّسة ولماذا من بين كلّ الأعمال الإنسانيّة لا يتحمّس الصهاينة إلّا لهذه المؤسّسة؟ طبعاً، السبب خيري لأنّ الصهاينة لديهم من الحسّ الإنساني الإحساني ما لا يتوفّر لباقي البشر.
الاتّفاق كان شرطاً من شروط التعامل الأميركي مع السلطة التي كانت مُعدَّة من قِبل أميركا لمهمّة واحدة لا غير، ألا وهي الاستفادة من حرب إسرائيل على الحزب كي تقوم السلطة بالإجهاز على الحزب بالكامل، وبكلّ الوسائل المُتاحة. ليس الموضوع المطروح (غرباً) هو الإصلاحات التي ترِد فقط كسلاح بوجه معارضي أميركا. لاحظوا ولاحظن، لم يرد أيّ حديث عن الإصلاح في لبنان في أحاديث الحكومة الأميركيّة أو الحكومات الغربيّة والعربيّة.
ليس هناك إلّا موضوع حزب الله. أكبر دليل على ذلك هو الإفراج الصفيق عن رياض سلامة: ليس هو الوحيد الذي أفسدَ وسرقَ لكنّه اختصر في شخصه الفساد السياسي والمصرفي والديني والسيادي (كان ينفِّذ أوامر وزارة الخزانة الأميركيّة التي كانت تكافئه دوريّاً بالثناء وإبداء الثقة المُطلقة). شخص نواف سلام جاء من علٍ ولا يعرف أحد مصدره إلّا القريبين من السعوديّين وحاملي مفاتيح سرّ الأوامر السعوديّة والأميركيّة في لبنان. كان جوزيف عون قد اتّفق، وبموافقة أميركيّة، مع نجيب ميقاتي كي يرأس أوّل حكومة له (الحكومة الأخيرة ألّفها ميقاتي بتنسيق مع دوائر الصهيونيّة في واشنطن وكان ديفيد هيل شبه مستشار له في تكوين الحكومة).
لا ندري شيئاً عن مسار تكوين الوفد واختيار الأعضاء أو عن تعيين سيمون كرم، غير الخبير في المفاوضات الدوليّة. أمّا ندى حمادة، فهي ليست خبيرة في القانون أو الشأن السياسي أو الدبلوماسي. درست الأعمال في الجامعة الأميركيّة ثم تخصّصت في الماجستير في «التمويل» من جامعة جورج واشنطن. تعيينها بحدّ ذاته يفضح توجّهاتها السياسيّة وحماسها للمهمة. لو أنّها تحمل شهادات متخصّصة أو خبرة دبلوماسيّة أو تفاوضيّة، لكان تعيينها منطقيّاً جدّاً.
فريق عمل الصحناوي يتعامل بصورة يوميّة مع فريق عمل رئيس الجمهوريّة، والفريق الأوّل ليس إلّا مُنفِّذاً لأوامر اللّوبي الصهيوني وأجندته
لكنّ تسميتها من دون مقدّمات أو تفسيرات ومن دون أن تكون معروفة، يعني أنّ الذي عرفها وعرف مواقفها نحو إسرائيل قرّرَ أنّها خير مَن يقوم بالمهمة (أنّ الراعي لها هو المصرفي الذي خرج إلى العلن في واشنطن كصهيوني مُجاهِر وكلبناني تربّى من قِبل والديه تربية صهيونيّة مسيحيّة-حسب شهادة مورغان أورتاغوس-يقضي على مصداقيّة المسار برمّته). السلطة الحالية لا تؤمن بالشفافية مع أنّ مؤيّديها من «ثوار» السعودية والإمارات في بلادنا لوّثوا آذاننا بشعارات الشفافيّة والديمقراطيّة عندما كان ميشال عون (عدوّهم، فقط بسبب تحالفه الذي لم يُعمِّر، مع حزب الله) رئيساً.
آخر إطلالة لسيمون كرم قبل تبوّئه منصباً شبيهاً بمنصب صائب عريقات، ككبير المفاوضين، كانت في ذكرى حبيب صادق، الذي كان في الماضي السحيق يساريّاً وكان من أنصار مقاومة إسرائيل عسكريّاً. لكنّ كُثراً تغيّروا. عدتُ أمس إلى النصّ الكامل الذي قرأه سيمون كرم في ذلك اليوم في آخر عام 2025 كي أفهم سبب تعيينه من دون مقدّمات مفاوضاً أساسيّاً في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل فعثرتُ على الجواب. الخطاب صهيوني في تبريراته وفي سرديّته التاريخيّة. يقول إنّ لبنان نعِمَ باستقرار وسلام لعقدَين بعد تأسيس إسرائيل حتى اتّفاق القاهرة في عام 1969.
أي إنّ سيمون كرم هذا يرى أنّ تفجير إسرائيل للطائرات المدنيّة في مطار بيروت كان من ضمن الاستقرار الذي نعِمَ به لبنان بفضْل نيات إسرائيل السلميّة نحو لبنان. هو طبعاً لا يرى أنّ ضرْب مضخّات المياه اللّبنانيّة في الجنوب في عام 1964 خرق عقدَي الاستقرار في العلاقة بين لبنان وإسرائيل. أمّا اغتيال المزارعين وخطْف المدنيّين وزرْع جواسيس وقصْف طائرة لبنانيّة مدنيّة في تموز 1950 فكل ذلك لا يدخل في حسبانه لتقييم السلم الذي أضفته اتّفاقيّة الهدنة على لبنان. يستطيع أن يقيّم العقدَين حتى عام 1969 بهذه الطريقة لأنّه ختم حياته السياسيّة عضواً في قرنة شهوان، أصرَخ تجمّع طائفي يميني رجعي منذ تأسيس «جبهة الحريّة والإنسان» ثمّ «الجبهة اللّبنانيّة» في ما بعد.
وطائفيّة سيمون كرم تتجلّى في إهماله كلّ جنوب لبنان وأهله في تقييم سياسات إسرائيل وممارساتها نحو لبنان. لم تقصف إسرائيل جونية في العقدَين ولم تخطف مواطنين من قرنة شهوان، ولهذا فإنّ نياتها سلميّة. وفي زمن تتبدّى فيه وحشيّة إسرائيل وإباديّتها على الشاشات العالميّة، فإنّ سيمون كرم يمنحها شهادات في الإنسانيّة، فيقول إنّ قصْفها للبنان كان «بدقّة»، وإنّها أصابت فقط ناشطين وأعضاء في الحزب. لا، هو يشمت في قدرة إسرائيل على قتْل أعدائها «بدقّة». لو كنتُ مكان إسرائيل لأصررتُ على أميركا أن تختار سيمون كرم من بين كلّ اللّبنانيّين كي يفاوضها لأنّه عملة نادرة في الانبهار بقصْف إسرائيل «الدقيق» حتى بعد إبادة أكثر من سبعين ألف فلسطيني في غزّة، وبعد قتْل الآلاف في لبنان. إسرائيل على الأرجح هي التي أملَت على الحكومة اختياره كما أملَت على أمين الجميّل اختيار أنطوان فتّال، الدبلوماسي اللّبناني الذي كان معروفاً من قِبل الإسرائيليّين قبل أن يحتلّ منصب المفاوض في اتّفاقات 17 أيّار.
وسيمون كرم، على عادة مماحكات مواقع التواصل الاجتماعي، يسخر من التفريط في السيادة في اتّفاق المياه الذي رعته أميركا، والذي كان -على سوئه- أكثر إجحافاً للبنان قبل تهديدات نصرالله العسكريّة. الكلمة المفتاح التي أطلقها كرم في تلك الخطبة أنّه لمّح إلى ضرورة تجاوز اتّفاق الهدنة لأنّ المُراد هو اتّفاقيّة سلام وتطبيع مع إسرائيل. وباسم حبيب صادق، اقترح كرم «قلب صفحة العداوة» مع إسرائيل كمكافأة على جرائم إسرائيل في لبنان وغزّة. لا ينسى كرم في خطبته أن يسخر من عدم ردّ حزب الله على عدوان إسرائيل خلال الخمسة عشر شهراً من الالتزام الصارم من قِبل الحزب باتّفاقيّة «وقْف الأعمال العدائيّة».
خطاب سيمون كرم الرصين لم يكن إلّا رصْفاً لكلمات تراها على صفحات عتاة المبتذلين والسوقيّين والمزايدين من المتعاطفين مع إسرائيل من اللّبنانيّين. هل يعني أنّ كرم هذا أُعجب بالحزب عندما أطلق الصواريخ الستة وجازف في فتح حربٍ، لم تكن إسرائيل قد أنهتها أصلاً؟ على كرم أن يختار: هل يفضّل عدم ردّ الحزب أم ردّه؟ لأنه يبدو أنّه لا يريد من الحزب أن يردّ ويسخر منه عندما لم يردّ، أم أنّه يريد فقط لإسرائيل أن تستمرّ في عدوانها كي تقضي على خصومه من الحزب، أو من الطائفة برمّتها؟ وبعيداً عن السياسة، على أيّ أساس اختير كرم مهنيّاً؟ هو مارس المحاماة من دون أن يجلّي في المهنة أو أن يبرز. وهو عمل محافظاً من دون أن يذكره أبناء المحافظات وبناتها بالخير. وهو عمل سفيراً في واشنطن من دون أن يترك بصمات في عمله ولم ينسَ خلال عمله أن ينسّق مع السفير السوري في العاصمة. كنّا قرأنا عن ذلك لو أنّ وليد المعلّم قد ترك وراءه مذكّرات. مَن يدري: لعلّ هناك مذكّرات غير منشورة له بحوزة عائلته (وردني أنّ ذلك كان صحيحاً لكنّ أوراقه تبعثرت).
سنعرف يوماً ما كيف تشكّل الوفد التفاوضي وكيف زيَّن جوزيف عون الوفد بوفد عسكري. لكن: ماذا حلَّ بالعقيدة الوطنيّة للجيش اللّبناني والتي زرعها الرئيس الوطني إميل لحّود؟ ثم لماذا لا يرى نوّاف سلام من اتّفاق الطائف إلّا نزْع سلاح الميليشيات؟ لماذا لا يذكر ما يرد عن عدوان إسرائيل واحتلالها وعن حماية لبنان من التهديدات الإسرائيليّة؟ فلننسَ موضوع الدفاع عن لبنان: كيف يُغفِل سلام إعادة تشكيل توزيع موازين السلطة السياسيّة في الحُكم وإضعاف موقع رئاسة الجمهوريّة لصالح مجلس الوزراء؟ إذا كان يرتضي بالعودة إلى مرحلة ما قبل الطائف من ناحية الرئاسة المُطلقة الصلاحية، فهذا ينزع عنه مصداقيّة الحديث باسم اتّفاق الطائف. اتّفاق الطائف أنهى—أو كان يجب أن يُنهي—مرحلة رئيس الحكومة الضعيف (الطرطور في القاموس الشعبي اللّبناني). هو عاد إلى زمن شمعون وشهاب والحلو حين كان رؤساء الحكومات مجرّد أدوات بيد رئيس الجمهوريّة.
اسعد ابو خليل-الاخبار
جاري تحميل الخبر التالي...