بلدة فرون المنكوبة: لسنا حقل تجارب لأحد!
مقالات

بلدة فرون المنكوبة: لسنا حقل تجارب لأحد!

11/07/202609:52:29

لم تدمّر الغارات الإسرائيلية التي استهدفت وسط بلدة فرون منزل حسين مكي فحسب، بل أجّلت أيضاً مشروع زواجه الذي كان على الأبواب. يقول بحسرة: «كنت عم عفّش هالبيت وبدّي انقل بنت الحلال… بس راح البيت».

لم يقتصر أثر الحرب على خسارة المنزل، بل بات حسين مضطراً إلى قطع مسافة طويلة للوصول إلى بلدة قعقعية الجسر، بلدة خطيبته، بعدما دمّر الاحتلال الجسر الذي كان يربط بين شمال النهر وجنوبه، ومع استمرار توغّلات العدو باتجاه وادي الحجير حتى بعد وقف إطلاق النار.

«الحمد لله نحنا بخير. الحجر بيهون قدّام أرواح الشهداء، ويسوانا ما يسوا هالضيعة وأهلها»، يقول فيما يقف بين ركام منزله، ومنزل أهله، ومنازل الجيران التي «طحنتها» الغارات.

وسط كتلة هائلة من المباني المُدمّرة والمتصدّعة، كان بعض الأهالي يتنقّلون بين الأنقاض، لا يتفقّدون حجارةً فحسب، بل يستعيدون تفاصيل حياة كاملة كانت تنبض هنا حتى وقت قريب. بقايا غرف الجلوس والطعام، ألعاب الأطفال وثيابهم وأحذيتهم قرب الأبواب المُخلَّعة، ومرآة مُشظّاة تعكس صورة الخراب وجزءاً من قرية القنطرة شرق وادي الحجير.

سيارات مدفونة تحت الركام، وأخرى قذفها العصف عشرات الأمتار، ومحالّ تجارية متضرّرة كانت تشكّل جزءاً من اقتصاد البلدة.

بين آليات رفع الأنقاض وشاحنات مُحمّلة بالألمنيوم والحديد، في مهنة فرضتها الحرب، تنتشر الشظايا ومُخلّفات القصف والحفر التي خلّفتها المدفعية الإسرائيلية، فيما يمتد خط طويل من المنازل المُهدّمة والمتضرّرة على الطريق المؤدّية إلى الغندورية وبرج قلاويه. في قلب هذا المشهد، كانت امرأة تقف أمام ركام منزلها، تضرب كفّاً بكفّ، فيما بدت الندوب التي خلّفتها الحرب أعمق من أن تُرى بالعين.

جرّبوا كل أنواع الأسلحة

على أحد جدران المنازل المُدمّرة جزئياً كُتبت عبارة: «هنا احتدم الموت وكنّا أسياد النزال». يشير أحد أبناء البلدة إلى بقعة قريبة: «هنا استُشهد أخي وأحد أقربائنا. لم يغادرا فرون رغم كل القصف… هودي ولاد الأرض عن حق».
يعرف أبناء البلدة أن للعدو «حساباً» قديماً مع فرون، يعود إلى سنوات «الحزام الأمني» في الثمانينيات، مروراً بمأثرة وادي الحجير في حرب تموز 2006، وصولاً إلى الحرب الأخيرة، التي عجز خلالها عن احتلال فرون والغندورية رغم محاولاته المتكرّرة.

وتشير التقديرات الأولية في البلدة إلى أن العدو الإسرائيلي شنَّ نحو 250 غارة جوية على فرون، واستهدفها بأكثر من 500 قذيفة مدفعية، ما أدّى إلى تدمير نحو 200 منزل بالكامل من أصل 400، فيما توزّعت بقية المنازل بين مُدمّرة جزئياً ومتضرّرة، ولم يبق صالحاً للسكن سوى نحو 50 منزلاً عاد أصحابها لترميمها والإقامة فيها.

كما لحقت أضرار جسيمة بالبنى التحتية، من شبكات المياه والكهرباء والطرقات والاتصالات، إضافة إلى خسائر كبيرة في المؤسسات التجارية، ونفوق أعداد كبيرة من المواشي والدواجن وخلايا النحل، واحتراق مساحات واسعة من أشجار الزيتون وتلف المحاصيل الزراعية، ما يجعل البلدة في عداد المناطق المنكوبة.

250 غارة جوية وأكثر من 500 قذيفة مدفعية أدّت إلى تدمير 200 منزل بالكامل من أصل 400

يستغرب أبناء فرون إدراج اسم بلدتهم ضمن ما يُسمّى «المناطق التجريبية»، رغم أنها ليست مُحتلة. يقول أحدهم بسخرية مريرة: «تجريبية؟ كل أنواع الأسلحة جرّبوها بفرون!».

أن يتحدّث العدو عن فرون والغندورية كـ«منطقتين تجريبيتين» رغم أنهما ليستا تحت الاحتلال، فهذا يعني أنّه «يريد أن يختبر قدرته على فرض معادلات أمنية وعسكرية على المنطقة وسكانها، من دون أن يكون له وجود مباشر على الأرض، خصوصاً أنه يتوجّس من موقع البلدة الاستراتيجي المشرف على القرى المقابلة التي يحتلها الآن». ولأنّ فرون «بقيت عصيَّة على العدو»، على ما يقول عباس بزّي، الناشط السياسي والاجتماعي في البلدة، «يحاول الإسرائيلي فرض وقائع أمنية وميدانية من دون أن يكون قد انسحب فعلياً من أي مكان، وفي الوقت نفسه يوجّه رسالة إلى جمهوره حول مدى قدرته على فرض إرادته على قرارات السلطة اللبنانية».

ستظلّ عصيّة على الاحتلال

لم تكن فرون، بالنسبة إلى دانا مكي (27 عاماً)، مجرّد مكان وُلدت وترعرعت فيه، بل «بيتي وذاكرتي، وأول مكان تعلّمت فيه معنى الانتماء إلى الأرض». قبل الحرب، كانت حياتها مرتبطة بكل تفصيل في البلدة. تقول: «كنت حسّ إنو فرون جزء منّي، وإن كل زاوية فيها بتحمل ذكرى من طفولتي أو من حياتي، خصوصاً مع أبناء عيلتي الشهداء، وحتى بعد استشهادهم ظلّوا حاضرين بكل مكان».
خلال الحرب، كان مجرّد سماع اسم فرون يوقظ فيها شعوراً بالغ الألم. «كنت حسّ إن حدا عم بينادي على جزء منّي. كل غارة كانت كأنها بتنزل على قلبي. وحتى لما كانوا يعلنوا اسم شهيد من فرون، كان الوجع يصير شخصياً، لأنو بضيعة متل فرون الكل بيعرف الكل».

لم تُضعِف الحرب علاقة دانا ببلدتها، بل زادتها تمسّكاً بها. لذلك، تستغرب تداول اسم فرون باعتبارها «منطقة تجريبية»، وترى أن «فرون لم تكن يوماً أرضاً بلا أهل أو بلا إرادة حتى تُعامل كأنها مساحة لاختبار المشاريع الأمنية. هي بلدة يسكنها أناس متمسّكون بأرضهم وهويتهم». وتختم بثقة تشبه يقين أبناء بلدتها جميعاً: «فرون لم تكن ولن تكون حقل تجارب لأحد. هي بلدة صمدت وقدّمت تضحيات كبيرة لتحافظ على وجودها وكرامتها، وستبقى عصيّة على الاحتلال».

لدعم عودة الناس لا «تطفيشهم»!

منذ اللحظة الأولى لتداول اسم فرون ضمن لائحة «المناطق التجريبية» المُقترحة، كان رئيس المجلس البلدي حسن بزّي من أوائل الرافضين لهذا الطرح، معتبراً أنه «لزوم ما لا يلزم».

في حديثه إلى «الأخبار»، يدعو بزي اللبنانيين إلى زيارة البلدة والاطّلاع على حجم الدمار الذي خلّفته الحرب، مؤكّداً أن «الأولوية يجب أن تكون لدعم عودة الأهالي وتعزيز صمودهم، لا لإطلاق توصيفات من قبيل السيطرة بالنار أو المناطق التجريبية، لأن مثل هذه التصريحات لا تؤدّي إلا إلى تأخير عودة السكان والحياة إلى البلدة».

لم يكن سهلاً على بزي الوقوف متفرّجاً على أبناء بلدته «مشتّتين» بعد وقف إطلاق النار، فسارع، بالتنسيق مع الجهات المعنية، إلى تحويل مبنى المدرسة الرسمية إلى مركز لإيواء العائدين، في مبادرة هي الأولى من نوعها في قضاء بنت جبيل بعد الحرب. ويضيف: «أهالي فرون متعطّشون للعودة، لذلك كان لا بد من خطوة سريعة تؤمّن لهم مكاناً داخل بلدتهم. هم عملياً لا يزالون نازحين، لكن داخل ضيعتهم». لذلك، يناشد الوزارات والإدارات الرسمية والمنظمات الإنسانية تقديم الدعم العاجل للمركز، مشدّداً على أن «الهاجس الأساسي هو تهيئة الظروف التي تسمح بعودة جميع أبناء البلدة في أسرع وقت».

ويشدّد الناشطون من أبناء البلدة على أن المطلوب تأمين مقوّمات الحياة الأساسية للسكان «بما يشجّعهم على البقاء في بلدتهم ويحول دون تحقيق أهداف الاحتلال بإفراغها من سكّانها».

ويشير هؤلاء إلى مجموعة خطوات ضرورية مثل إزالة الركام وتأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية وتأمين بيوت جاهزة للعائلات التي دُمّرت منازلها إلى حين إعادة الإعمار، وتقديم دعم مباشر للمزارعين الذين فقدوا مصدر عيشهم في قرية يعتمد جزء أساسي من سكانها على الزراعة وتربية النحل والمواشي، إضافة إلى «أعمال تجارية» أخرى وتحويلات المغتربين من أبنائها.

فراس خليفة-الاخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24