
مقالات مفارقة الصمود.. كيف تعزز الضربات العسكرية تماسك إيران؟
09/07/202613:50:42
موقع “Anti war” الأميركي يناقش أثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، وإخفاقه في تحقيق أهدافه، وتحقيقه نتائج عكسية، أبرزت الصمود الإيراني والتماسك في مواجهة الاعتداءات.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
نادراً ما تقيم نتائج الحروب بعد توقفها مباشرة؛ فغالباً ما يركز الجنرالات والمحللون على إحصائيات المواقع المدمرة، والقذائف المعترضة، والانتصارات التكتيكية، لكن التداعيات السياسية الأعمق عادة ما تظهر لاحقاً، وهي ميالة لتحدي توقعات الذين بدأوا القتال، حيث يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على حالات أدت فيها الانتصارات العسكرية قصيرة الأجل بدور انتكاسات استراتيجية على المدى الأطول.
هذه الحقيقة تفرض اهتماماً وثيقاً عند تقييم الضربات الأميركية الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران؛ فقد لا تكون القضية المركزية هي فقط مدى تلف المعدات العسكرية الإيرانية، لأن الأهم هو ما إذا كان الصراع قد أعاد تشكيل السياسة الداخلية الإيرانية بطرق تتعارض مع ما كانت واشنطن وشركاؤها يأملون.
وإذا كان هدف فرض العقوبات المطولة والعزلة والعمل العسكري هو تآكل قوة حكم الجمهورية الإسلامية، فإن الصورة التي تظهر تبدو أكثر تعقيداً مما توقعه الكثيرون.
ولا بد من النظر إلى مراسم الجنازة الضخمة التي أقيمت للمرشد الأعلى السيد علي خامنئي، مع أن الحضور العام في الفعاليات الرسمية يتطلب دائماً الحذر، لكن الناس يشاركون لأسباب متنوعة مثل الواجب الديني، والمشاعر القومية، والحزن الحقيقي، مع أنه لا يمكن لأي تجمع بمفرده أن يقيس بشكل قاطع شرعية النظام، لكن من منظور القدرة المؤسسية على الصمود، أظهرت الدولة الإيرانية قدرتها على تنظيم فعاليات واسعة النطاق على مستوى البلاد، وعكس صورة الاستمرارية عوضاً عن الانهيار خلال إحدى أكثر مراحل انتقال السلطة حساسية في تاريخها.
هذا لا يعني أن مشكلات إيران العميقة قد اختفت، فلا تزال البلاد تواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية وسياسية، لكن هذه التحديات موجودة مع نمط غالباً ما يغفله عنه المعلقون الغربيون، إذ إن التهديدات الخارجية دائماً ما تعزز التماسك الوطني الأكبر بين الإيرانيين، على الأقل على المدى القصير، قبل تسلل أي ضعف. ويسمي علماء السياسة هذا تأثير “الوحدة المجتمعية تحت علم البلاد”، عند مواجهة الضغوط الأجنبية، وغالباً ما يضع الشعب الأولوية للسيادة الوطنية على حساب التناقضات الداخلية.
وقد تحققت هذا الديناميكية في أنظمة متنوعة، مثل ارتفاع الدعم الشعب الأميركي لحكومة بلاده رغم الانقسامات الحزبية العميقة، كرد فعل على أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، بينما أظهرت بريطانيا وحدة شعبية مماثلة خلال الحرب العالمية الثانية، ومثلها كثير من الدول يتوحد شعبها في مواجهة الخطر الخارجي.
ما إذا كانت إيران تمر بهذه العملية بالضبط هو أمر قابل للنقاش، لكنه احتمال يستحق الفحص بجدية بدلاً من تجاهله. على مدى ما يقرب من عقدين، كانت السياسة الأميركية تجاه إيران تستند إلى فرضية ثابتة إلى حد ما إلى أن العقوبات الاقتصادية، والعزلة الدبلوماسية، والعمليات السرية، والقوة العسكرية المستهدفة سترفع الثمن على طهران بما يكفي لإجبار تغييرات سلوكية كبيرة أو حتى تغيير النظام، ومهما اختلفت الإدارات في عمليات تركيز السياسات، بقي الهدف الأساسي ثابتاً.
المواجهة الأخيرة تتطلب نظرة جديدة على هذا النهج. فلا يمكن إنكار أن الحملة العسكرية ألحقت بإيران تكاليف حقيقية، لكن لا يمكن اختزال النتائج السياسية بقوائم المنشآت المتضررة. فالاستراتيجية التي تهدف إلى تقويض سلطة الدولة بزيادة الضغط الخارجي، قد تعزز أحياناً من وحدة المؤسسات، وتربط المواطنين بفكرة الدفاع عن الوطن.
عموماً، لم تكن العلاقة بين الإكراه الخارجي والتطور السياسي الداخلي واضحة قط. ففي بعض الحالات، يؤجج هذا الإكراه السخط الداخلي، وفي حالات أخرى، يضيق هامش المعارضة الداخلية من خلال تركيز الانتباه على التهديدات الخارجية، وهذا الأمر بالغ الأهمية، لأن الإنجازات العسكرية لا تترجم إلى نتائج سياسية تتوافق معها دائماً، لكن من الخطأ افتراض أن الوحدة التي تنشأ في أوقات الأزمات تؤدي تلقائياً إلى شرعية دائمة. فالتضامن قصير الأجل في حالات الطوارئ نادراً ما يمحو المشكلات الاقتصادية الكامنة أو المظالم المتجذرة. وغالباً ما تستأنف المجتمعات التي تتكاتف خلال الأزمات نقاشاتها الداخلية بمجرد زوال الخطر الخارجي المباشر.
بناء على ذلك، فإن أي رؤية واقعية لمسار إيران المستقبلي يجب أن تراعي هاتين الحقيقتين معاً، إذ إن الضغط الخارجي قد يعزز الصمود على المدى القريب، دون أن يحدد التوجه السياسي للبلاد على المدى البعيد. ولهذه الازدواجية أهمية بالغة في الاستراتيجية الإقليمية.
وبغض النظر عن الآراء تجاه الجمهورية الإسلامية، فإنها تظل لاعباً رئيسياً في “الشرق الأوسط”. فحجمها، وموقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية، واحتياطاتها من الطاقة، وموقعها الاستراتيجي، كلها عوامل تجعلها تستمر في التأثير في ديناميكيات الأمن من الخليج إلى القوقاز، وفي آسيا الوسطى، حيث لا يمكن معالجة قضايا إقليمية كبرى دون الأخذ في الاعتبار دور طهران.
هذا مجرد بيان للواقع الجيوسياسي، وليس تأييداً للسياسات الإيرانية. فالتاريخ يظهر أن الحكومات تنخرط بشكل روتيني مع خصومها تحديداً، لأن هؤلاء الخصوم لديهم أهمية استراتيجية، وليس لأن الفجوات الأيديولوجية قد انحسرت.
على سبيل المثال، لقد تفاوضت الولايات المتحدة على الحد من التسلح مع الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، بينما كانت ما تزال خصماً له. كما كان انفتاح نيكسون على الصين في سبعينيات القرن الماضي مدفوعاً بتغيرات موازين القوى، وليس بالقيم المشتركة، بينما أظهر براغماتيته المماثلة لاحقاً في حرب فيتنام وغيرها.
تشير هذه الأمثلة إلى مبدأ أساسي، حيث الاستراتيجية الكبرى السليمة تبدأ بفهم واع للواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
وإذا ما طبق هذا المبدأ على “الشرق الأوسط” اليوم، فإذا كان الضغط العسكري قد عزز ولو مؤقتاً، جوانب من تماسك الدولة الإيرانية، فقد يحتاج الاستراتيجيون إلى إعادة النظر في كيفية تفاعل القوة مع السياسة الداخلية.
وهذا لا يعني التخلي عن الردع أو تجاهل الاختلافات الجوهرية، بل يشير إلى أن الأدوات العسكرية وحدها قد لا تحقق التحول السياسي الذي يتوقعه البعض.
يتمثل النهج الأكثر ذكاء في الجمع بين الردع القوي والدبلوماسية الفعالة، والإدارة الدقيقة للأزمات، وقنوات الاتصال المفتوحة. ويعد الحد من مخاطر التصعيد وتجنب سوء التقدير هدفين قيمين في حد ذاتهما. ولا تشكل خطوات بناء الثقة، والمحادثات الهادفة، والمنتديات الأمنية الإقليمية الأوسع نطاقاً أو حلولاً سحرية، ولكنها تسهم بشكل فعال في دعم الردع التقليدي، لا استبداله.
في النهاية، يؤكد الصراع الأخير درساً يتجاوز الحرب على إيران بكثير. فلقد تأكد أن العمل العسكري يمكن أن ينشط الحوافز السياسية بطرق مفاجئة، لكن الانتصارات في ساحة المعركة لا تؤدي دائماً إلى نجاح استراتيجي، بينما ما يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا سيستمر في إيران على المدى الطويل، وستكون الأحكام الحازمة سابقة لأوانها. لكن الاحتمال وحده يستحق تحليلاً دقيقاً.
بالنسبة إلى صناع القرار، لا تقتصر المهمة الحقيقية على تقييم الأداء العسكري، بل تتعداها إلى فهم التداعيات السياسية التي تحدثها التحركات العسكرية على مر الزمن؛ فقد أظهرت الأحداث الأخيرة، على أقل تقدير، أن العلاقة بين الضغوط الخارجية والتغيير الداخلي أكثر تعقيداً بكثير مما توحي به نظريات الإكراه المباشرة.
وإدراك هذا التعقيد لا يعني الدعوة إلى سياسة محددة، بل هو دعوة إلى التعامل مع أحد أهم المنافسات الجيوسياسية بتواضع فكري أكبر وإدراك أعمق للعواقب غير المقصودة والمستمرة للحرب.
نقله إلى العربية: حسين قطايا-الميادين
جاري تحميل الخبر التالي...