سليمان فرنجية… وما بدّل تبديلاً
مقالات

سليمان فرنجية… وما بدّل تبديلاً

22/06/202608:54:23

ليست قيمة الرجال في أن تعبرهم العواصف، فذلك مما لا ينجو منه أحد، ولا في أن تتناوب عليهم المحن، فالحياة لا تستثني أحداً من ابتلاءاتها.

قيمتهم الحقيقية في ثبات مواقفهم أمام الرياح، وفي حفظهم لعهودهم حين تتكاثر أسباب التبديل وتتزاحم إغراءات التراجع.

ذلك أن الوفاء هو الامتحان الأخلاقي الكبير للمرء قدام نفسه أولًا ثم قدام الناس، وبه تُعرف معادن الرجال حين تضطرب الموازين وتتبدّل الأحوال.

وفي الحياة العامة، كثيرًا ما تتهافت المبادئ بفعل المصالح، وتتنازع المواقفَ حساباتُ الربح والخسارة، ويغدو الثبات قيمةً نادرة، والوفاء فضيلة استثنائية.

أما الذين يدفعون أثمان قناعاتهم ولا يساومون عليها، فهؤلاء هم الذين يتركون في الوجدان العام أثراً يتجاوز السياسة إلى ما هو أعمق وأبقى.

لم تكن العقوبات والضغوط التي استهدفت سليمان فرنجية مجرّد إجراءٍ يطاول شخصه أو موقعه السياسي، بل هي محاولةٌ للنيل من صوتٍ سياسيٍّ مسيحيٍّ ظلّ متمسّكاً بقناعاته الوطنية والقومية الجامعة، ثابتًا على صدق انتمائه إلى هذه الأرض بأطيافها كافة، حاملًا قضاياها المحقة وحاميًا لها، ورافضاً أن يخضع لمنطق الإملاء أو الابتزاز، أو أن يبدّل مواقفه طلباً لرضى هذا الطرف أو ذاك.

من هنا جاء استهدافه بالعقوبة من أجل إضعاف ذلك الصوت المسيحي الحرّ الذي لم يقبل أن يُختزل دوره بحسابات الاصطفاف الضيّقة، ولم يرضَ أن يكون شاهداً على ما يجري في وطنه أو في محيطه من دون أن يقول كلمته. صوتٌ رأى في مواجهة العدوان “الإسرائيلي” قضية حقٍّ وعدالة، وفي الدفاع عن السيادة الوطنية واجباً لا يخضع لحسابات الربح والخسارة ولا لموازين القوّة الآنية.

فسليمان فرنجية ابن البيئة المارونية العريقة، مسيحيٌّ حتى النخاع، مُتجلببٌ ببركات سيدة زغرتا، مُلتحِفٌ بعبق الوادي المقدّس، ومُتشرِّبٌ إرثاً روحياً وتاريخياً متجذّراً في وجدان تلك البقعة من شمال لبنان. لكنه لم يرَ في هُويَّته يوماً سوراً يفصله عن الآخرين، بل جسراً يصله بشركائه في الوطن.

ذلك أنّ المسيحية اللبنانية، في أرقى تجليّاتها، لم تكن يوماً دعوةً إلى الانغلاق بل إلى اللقاء، ولم تكن دفاعاً عن جماعةٍ في مواجهة الجماعات الأخرى، بل عن الإنسان، كل إنسان، في مواجهة الظلم. وهو في تمسّكه بالعيش الواحد لا يجامل، بل يعلن إيمانه بأنَّ لبنان لا يقوم إلا على الشراكة الوطنية، ولا يُحمى إلا بتفاهم أبنائه، جامعًا ما بين رسوخ الهويّة واتّساعِها. وقد أثبتت التجارب اللبنانية أنّ الأوطان المركّبة لا يحفظها المتقلّبون، بل أصحاب الثوابت الواضحة.

فالعيش المشترك يحتاج إلى الثقة قبل أي شيء آخر، والثقة لا تُبنى على الخطابات العابرة، بل على المواقف التي تصمد أمام الاختبارات. وحين يعرف اللبنانيون أنّ كلمة الرجل اليوم هي نفسها غداً، وأنّ وفاءه لا يتبدّل مع تبدّل الظروف، يصبح وجوده عنصر طمأنينة في الحياة الوطنية، وتغدو مبادئه قيمةً تتجاوز حدود السياسة إلى معنى أعمق يتصل ببناء الوطن نفسه.

ولهذا قد يختلف كثيرون مع سليمان فرنجية في السياسة، وقد ينازعونه الرأي في الخيارات والتقديرات، لكنهم يجدون صعوبة في إنكار حقيقة واحدة: أنّ الرجل بقي وفياً لما اعتقده حقّاً، وأنّه لم يجعل من قناعاته سلعة في سوق التسويات. وحين يصبح الوفاء نادراً، يتحوّل بحدّ ذاته إلى قيمةٍ وطنية تستحق الاحترام.

صحيح أنَّ الأوطان تقوم بالمؤسسات والقوانين، لكنها بحاجة أولًا إلى قياداتٍ نماذج تمنح الناس ثقة بأنَّ الكلمة يمكن أن تبقى كلمة، وأنَّ العهد يمكن أن يبقى عهداً.

وفي زمن كثرت فيه التحوّلات حتى بدا الثبات استثناءً، يبرز سليمان فرنجية بوصفه واحداً من أولئك الذين فضّلوا أن يخسروا بعض المكاسب على أن يخسروا أنفسهم، وأن يدفعوا أثمان مواقفهم على أن يبيعوها لنخّاسي السياسة.

وهكذا يبقى سليمان فرنجية نموذجاً حيّاً على أنّ السياسة ليست كلها فنّ المناورة، بل قد تكون أيضاً ميداناً للوفاء والثبات. وأنّ الرجال تُقاس أحجامهم بقدرتهم على أن يبقوا أوفياء لما آمنوا به حين يصبح الوفاء مُكْلِفاً.

أولئك الذين إذا تبدّلت الوجوه بقيت وجوههم على حالها، وإذا اضطربت الطرق ظلّت بوصلتهم ثابتة، وإذا اشتدّت المحن لم يتخلّوا عن عهدهم. أولئك الذين لا تحفظهم الذاكرة لأنَّهم ربحوا معركةً عابرة، بل لأنَّهم صانوا الكلمة حين عزّ حفظها، وحفظوا العهد حين كثر ناقضوه، فاستحقّوا أن يُقال فيهم: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.

محمد وسام المرتضى-الاخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24