
مقالات “الضاحية مقابل الشمال”: هل تعود معادلات الردع؟
03/06/202608:26:51
بعد تصاعد التهديدات الإسرائيلية بضرب الضاحية الجنوبية في بيروت، وتهديد إيران بقصف “إسرائيل” رداً على المجازر التي يقوم بها “جيش” الاحتلال في لبنان، وإعلانها وقف مفاوضاتها مع الأميركيين، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مبادرة لوقف النار بين الجانبين.
واعترض الجانب الإسرائيلي على وقف النار الشامل، طارحاً معادلة جديدة لوقف نار جزئي، قوامها “الضاحية مقابل المستوطنات الشمالية” في فلسطين المحتلة.
وبالرغم من رفض حزب الله لهذه المعادلة وإصراره على وقف نار شامل في كل لبنان، إلا أن عرض “إسرائيل” لتلك المعادلة يعكس تحوّلاً جوهرياً عما شهده لبنان خلال فترة 2024- 2026.
منذ عام 1996، دخل الصراع بين لبنان و “إسرائيل” ضمن قواعد اشتباك فرضتها التطورات الميدانية. وبدأت صياغة المعادلات عبر “تفاهم نيسان” الذي أرسى معادلة “المدني مقابل المدني” أي تحييد المدنيين في لبنان مقابل تحييد المدنيين في “إسرائيل”.
لاحقاً، أنتجت حرب تموز 2006 معادلة “الردع المتبادل” حيث فرض حزب الله ردعاً قائماً على أساس الألم الاستراتيجي، إذ بات كل طرف يملك القدرة على إيلام الآخر بعمق، وهو ما أسهم في سيادة الهدوء والاستقرار على ضفتي الحدود ومنع الحرب أو الاشتباكات بين الطرفين.
وبعدها، تطورت هندسة “المعادلات” مع تطور الظروف ومع تعاظم قوة حزب الله، واستطاعت أن تنظّم الصراع بين الطرفين ضمن حدود مرسومة، وتمنع انزلاقه إلى حرب شاملة بسبب توازن الردع، الذي كانت قائماً قبل 7 أكتوبر 2023.
وفي ظل تهديدات إسرائيلية مستمرة للبنان، كرّس السيد حسن نصر الله بنفسه المعادلات الأساسية للردع، فقال مهدداً ” إذا ضربتم مطار رفيق الحريري الدولي فسنضرب مطار بن غوريون، إذا ضربتم موانئنا فسنقصف موانئكم، عاصمتنا مقابل عاصمتكم”.
شكّل السيد حسن نصر الله عبر خطاباته صياغة مكتملة لمعنى الردع المتبادل: تعطيل قدرة “إسرائيل” على استثمار تفوقها، عبر تهديد عمقها الحيوي، وتكبيدها خسائر ما يجعلها تمتنع عن أي مغامرة في لبنان. ومنذ ذلك الحين ولغاية عام 2024، استقرّت معادلة غير مكتوبة لكنها واضحة: أي حرب شاملة ستعني تدمير العمقين معاً، وليس طرفاً دون آخر.
لكن، بين عامي 2024 و2026، كسرت “إسرائيل” كل المعادلات السابقة، فشنّت حرباً واسعة النطاق على لبنان، واغتالت قادة الحزب وعلى رأسهم السيد حسن نصر الله، متخطية كل المحرمات السابقة. وبعد انتهاء الحرب، تبين أن الردع قد فقد تماماً.
لم تعد “إسرائيل” تكتفي بالرد، أو تنتظر تصعيداً لتصعّد بالمقابل، بل حاولت فرض قواعد جديدة، أبرزها تكريس “حرية الحركة” في لبنان، والضربات الوقائية، والردّ بناءً على افتراض “النية أو التخطيط”، وبذريعة التخلص من التهديدات وهي مفاهيم فضفاضة كرّست تفوقاً إسرائيلياً واستباحة كاملة للبنان، في ظل انشغال حزب الله بترميم قدراته.
اليوم، يعود المسؤولون الإسرائيليون إلى طرح معادلة جديدة: “الضاحية مقابل المستوطنات الشمالية”، أي أن أي استهداف للشمال الإسرائيلي يقابله ضرب مركز الثقل في الضاحية الجنوبية في بيروت.
وبالرغم من رفض حزب الله لهذه المعادلة، إلا أنها تعكس تحولاً نسبياً في السلوك الإسرائيلي مقارنة بمرحلة 2024–2026.
إن العودة إلى طرح معادلة من قبل الجانب الإسرائيلي، يعني عملياً العودة إلى ربط الفعل بكلفة، أي الخروج من منطق الاستباحة المفتوحة إلى محاولة ضبط الاشتباك ضمن قواعد محددة. ولا شكّ أن هذا الأمر يعود إلى قدرة المقاومة على تكبيد الإسرائيليين خسائر في الميدان، وعدم قدرة الإسرائيلي على التعامل مع المسيّرات الجديدة التي يمتلكها الحزب.
بالتأكيد، لا يمكن اعتبار هذه العودة إلى طرح المعادلات بين لبنان و “إسرائيل” هو استعادة كاملة لتوازن الردع الذي كان قائماً قبل عام 2023، لكنها – أقلّه- تعكس تراجعاً إسرائيلياً جزئياً عن مرحلة ما قبل 2 آذار 2026.
إن مجرد طرح معادلة – حتى لو كانت مرفوضة لبنانياً- يشير إلى تحوّل إيجابي بالنسبة إلى لبنان الذي لا يمكنه العيش باستقرار إلا إذا كانت “إسرائيل” مردوعة.
في الخلاصة، لا شكّ أن هذا التغيير يبقى محدوداً وهشّاً، ما دام أنه لم يرتقِ إلى مستوى معادلة ردع متكاملة ومتوازنة كالتي سادت بعد عام 2006. لم يستطع لبنان بعد إعادة تثبيت الخطوط الحمراء، لكن أقلّه استطاع الميدان أن يفرض على “إسرائيل” كلفة باتت تضطر معها إلى العودة إلى مبدأ “المعادلات”، وهو أمر لم تكن لتقبله قبل ثلاثة أشهر.
ليلى نقولا-الميادين
جاري تحميل الخبر التالي...