مقالات

كيف كسر حزب الله البنية الطبقية للحرب؟

لم تعد الحرب تُفهَم بوصفها صداماً بين جيوش فحسب، بل بوصفها مرآةً لبنية المجتمع الذي يخوضها.

فمن يقرّر؟ من ينتج المعرفة؟ من يُقاتل؟ ومن يدفع الثمن؟ هذه الأسئلة تكشف أنّ الحرب، في شكلها التقليدي، لم تكن محايدة اجتماعياً، بل كانت تعيد إنتاج التراتبية الطبقية نفسها داخل المجتمع.

في النموذج الكلاسيكي، تُدار الحرب من قبل نخبة اقتصادية ـ سياسية تحتكر القرار والمعرفة، فيما تُدفع قاعدة اجتماعية، تنتمي في معظمها إلى الطبقات الوسطى والدنيا، إلى الميدان لتنفّذ وتتحمّل الكلفة البشرية والمادية.

ولهذا، ترسّخت مقولة قاسية في الوعي الجمعي: “لم يخسر في الحرب سوى تلك الأمّ التي لم يرجع ولدها”، في إشارة إلى أنّ الخسارة الفعلية تقع على عموم الناس، بينما تبقى النخب بعيدة نسبياً عن الخطر المباشر.

غير أنّ تجربة حزب الله تكشف تحوّلاً بنيوياً يكسر هذه القاعدة. فالحزب لا يقدّم فقط نموذج المقاتل، بل يقدّم إعادة توزيع للكلفة داخل المجتمع، بحيث لا تبقى النخبة خارجها، ولا تبقى المعرفة منفصلة عن التضحية.

يتجلّى هذا التحوّل في مستويين مترابطين:
المستوى الأول هو التضحية القيادية. فاستشهاد هادي نصر الله، نجل الأمين العام لحزب الله الشهيد السيد حسن نصرالله، واستشهاد سراج رعد نجل النائب محمد رعد، واستشهاد نجل القيادي الشهيد حسان اللقيس، وغيرهم، يكشف أنّ القيادة لم تعد في موقع منفصل عن الكلفة.
لم يعد القائد يدير الحرب من موقع آمن فيما يدفع الآخرون الثمن، بل أصبحت عائلته نفسها جزءاً من دائرة التضحية، لا في هامشها.

هنا تفقد المقولة السابقة معناها، لأنّ “الأمّ التي لم يرجع ولدها” لم تعد فقط من القاعدة الاجتماعية، بل قد تكون من قلب القيادة نفسها.

هذه النقطة تغيّر بنية الحرب من الداخل. فحين تدخل القيادة في الكلفة، لا يعود القرار مفصولاً عن نتائجه، ولا تبقى الحرب عبئاً يُفرَض من الأعلى على الأسفل، بل تتحوّل إلى تجربة جماعية. وهذا لا ينتج فقط تعاطفاً، بل يُنشئ مساواة رمزية في التضحية تعزّز التماسك الاجتماعي، وتحوّل القتال من فعل مفروض إلى التزام داخلي.

أما المستوى الثاني، فهو النخب العلمية المحاربة. فاستشهاد أساتذة جامعيين وباحثين ومهندسين ومحامين، مثل الدكتور علي زعيتر (أستاذ اقتصاد ومدير الفرع الأول في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية)، والدكتور هشام شحرور (باحث نفسي وتربوي ومدير الجمعية اللبنانية للعلوم الإدارية)، والدكتور حسن كوراني (باحث تربوي)، والدكتور سامر سرور (أستاذ جامعي متخصص في إدارة الأعمال)، والدكتور أحمد صقر (محامٍ وأكاديمي)، وغيرهم، يكشف أنّ المعرفة لم تعد خارج الميدان.

المثقف هنا لا يكتفي بإنتاج المعنى أو التحليل، بل يدخل إلى قلب الاشتباك ويدفع كلفته.
وهذا التنوّع في الاختصاصات ـ من الاقتصاد إلى علم النفس، ومن الإدارة إلى القانون، ومن التربية إلى الإدارة ـ يكشف أنّ المعرفة بكل أشكالها دخلت بنية القتال، ولم تعد حكراً على حقل دون آخر.

الدلالة الأعمق لهذا التحوّل أنّ الرأسمال الثقافي لم يعد متمركزاً في مواقع التخطيط فقط، بل انتقل إلى ساحة القتال نفسها. لم يعد هناك عقل يفسّر الحرب من بعيد وجسد يقاتل من قريب، بل أصبح الاثنان مدمجين في الفاعل نفسه. وهذا الدمج لا يرفع فقط من القدرة على التكيّف، بل يعيد تعريف القتال ذاته: من تنفيذ أوامر إلى فعل واعٍ يحمل معنى وقيمة.

ويتكامل هذا المشهد مع استهداف النخب العلمية عبر الاغتيالات خارج ساحة المواجهة. فاغتيال الدكتور المهندس علي حدرج (متخصص في هندسة الاتصالات)، والدكتور محمد حسن فارس (باحث في الذكاء الاصطناعي وهندسة الميكانيك)، والدكتور حسين بزي (مدير كلية العلوم في الجامعة اللبنانية)، والدكتور مرتضى سرور (أستاذ جامعي في العلوم)، إضافة إلى المهندس عباس علي الجواد، وغيرهم، يدلّ على أنّ العدو لم يعد يرى المثقف خارج المعركة.

لقد أصبحت المعرفة نفسها هدفاً، لأنها قادرة على التحوّل إلى قوة. هنا لا يُستهدف مقاتل فقط، بل يُستهدف العقل الذي يمكن أن ينتج القتال ويطوّره.

وهذا يعكس انتقال الحرب من استهداف الأجساد إلى استهداف البنى المعرفية التي تنتج القوة.

يمكن القول، إنّه بين التضحية القيادية، والنخب العلمية المحاربة، واستهداف العقول، تتكوّن بنية مختلفة للحرب.

الكلفة لم تعد موزّعة عمودياً، حيث تبقى النخبة آمنة والقاعدة تضحّي، بل أصبحت موزّعة أفقياً داخل المجتمع.
وهذه المساواة في الكلفة لا تُنتج فقط إحساساً بالعدالة، بل تُنتج قدرة أعلى على الصمود، لأنّ الحرب لم تعد تُدرك كعبء مفروض على طبقة اجتماعية دنيا، بل كمعنى مشترك تتقاسمه مختلف الفئات داخل المجتمع المقاوم.
في المقابل، تكشف البنية العسكرية في الولايات المتحدة و”إسرائيل” استمرار النمط الطبقي للحرب.

في النموذج الأميركي، تُدار الحرب من قبل نخب سياسية واقتصادية، بينما يتحمّل كلفتها المباشرة جنود من الطبقات الوسطى والدنيا، حيث تتحوّل المؤسسة العسكرية إلى مسار مهني يؤمّن الضمانات الاجتماعية وفرصاً محدودة للترقي.

أما في النموذج الإسرائيلي، فرغم التجنيد، تبقى الفوارق قائمة بين النخب القادرة على المناورة والحماية، وبين الفئات التي تتحمّل العبء المباشر، مع انقسامات واضحة حول من يخدم ومن يُعفى.

الفارق هنا بنيوي. فالنموذج الذي يفصل بين القرار والكلفة يمتلك قدرة تدميرية عالية، لكنه يواجه حدوداً في الاستمرار، لأنّ من يقرّر لا يدفع دائماً الثمن.

أما النموذج الذي يدمج النخبة بالمجتمع داخل الكلفة، كما في تجربة حزب الله، فينتج صموداً أعمق، لأنّ الحرب فيه تُعاش من الداخل ولا تُدار من الخارج، ولا تُخاض بامتيازات تحمي النخبة من نتائجها وأثمانها.

انطلاقاً مما تقدّم، يمكن القول إنّ ما تغيّر في الحروب ليس فقط نوع السلاح، بل توزيع التضحية داخل المجتمع. فحين يدخل القائد في الكلفة، والمثقف في الميدان، والمعرفة في الاشتباك، تسقط القسمة القديمة بين من يفكّر ومن يقاتل، وبين من يقرّر ومن يموت.

من هنا، لا يعود السؤال من يملك السلاح الأقوى؟
بل: من يملك المجتمع الأقدَر على تحويل المعرفة إلى تضحية، والتضحية إلى صمود، والصمود إلى استمرار…

محمد موسى علوش-البناء

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى