العهد والحكومة الحاليَّان جاءا في مفصل سياسي شديد التعقيد، تداخلت فيه العوامل الخارجية بنتائج الانتخابات النيابية عام 2022، وإذا كان أي مفصل سياسي او اقتصادي او اجتماعي تتداخل فيه العوامل الخارجية مع التمثيل الداخلي يفترض منطقياً سلطة قادرة على تحقيق توازن بينهما، فإن تقديم العهد والحكومة نفسيهما على أنهما مدخل الإنقاذ الحقيقي يضعهما حكماً أمام قاعدة أساسية: كل من يدَّعي الإنقاذ يتم تقييمه بقدرته على تقليص أثر الخارج وتعزيز الداخل.
ومنذ تلك اللحظة تكشفت مصاديق أساسية في السلوك السياسي تستحق جردة حساب للممارسات الفعلية التي أنتجت أزمة حقيقية بدل تفكيك التحديات ومعالجتها، ما يعني أن النتيجة خالفت المقدمة، وكلما خالفت النتيجة المقدمة سقط الادعاء.
الشاهد الأول
ظهر في نفس انتخاب الرئيس جوزيف عون الذي يجب ان يكون رئيساً من اللبنانيين ولكل اللبنانيين، وإذا كانت هذه الصفة شرطاً لازماً للرئاسة، فإن أي تدخل خارجي في إنتاجها ينقض هذا الشرط، وقد جرى تسويق العهد على انه زمن «انتظام المؤسسات» واستعادة «هيبة الدولة»، لكن أولى المفارقات كانت في طبيعة التسوية التي أفضت إلى هذا الانتخاب حيث مورست ضغوط دبلوماسية مكثفة سبقت جلسة الانتخاب ورافقتها، ترافقت مع زيارات ووساطات خارجية مباشرة، وإذا كان الانتخاب نتيجة ضغط خارجي فإن وظيفة الرئاسة تصبح انعكاساً له، وهذا ما انعكس مباشرة على سلوكها عبر تبني مقاربات اقتصادية جاهزة مرتبطة بشروط خارجية، وصولاً إلى غوص الرئاسة في التبعية المطلقة للأمريكيين دون اي قفازات سياسية او دبلوماسية حتى بتنا لا نستطيع التمييز بين مواقف الرئيس الدبلوماسية ومواقف سفير الولايات المتحدة الامريكية في لبنان، وبالتالي إذا انتفى التمييز بين القرار الوطني والتمثيل الخارجي انتفت صفة الاستقلال، واصبح الرئيس ممثلاً للأذرع الأمريكية في لبنان.
الشاهد الثاني
ثم جاء تشكيل الحكومة نفسها شاهداً ثانياً. وإذا كان تشكيل الحكومات في الأنظمة التوافقية يفترض تمثيلاً متوازناً، فإن وضع شروط إقصائية ينقض هذا الافتراض، إذ كان أحد شروط تشكيلها إبعاد حزب الله عن التمثيل الحكومي، وهو ما ظهر في مسار التأليف عبر طرح صيغ حكومية خلت من تمثيله المباشر تحت ضغط خارجي واضح. وإذا كان هذا الشرط خارجياً فإن محاولة تنفيذه داخلياً تُحوِّل الحكومة من ممثل وطني إلى أداة تنفيذ، وقد حاول رئيس الحكومة المكلف تنفيذه، وعندما واجه معارضة شيعية شديدة ذهب إلى وضع الشروط التعجيزية، ومنها طرح معايير اختيار وزراء تستند إلى خلفيات تعليمية غربية كاشتراط التخرج من الجامعة الأمريكية في لبنان أو جامعات خارجية. وإذا كان معيار التمثيل قائماً على الانتماء الأكاديمي الخارجي لا الكفاءة الوطنية، فإن ذلك يُحوِّل معيار السيادة إلى معيار تبعية.
الشاهد الثالث
البيان الوزاري الذي يُفتَرَض أن يكون ترجمة دستورية لمصالح اللبنانيين، مثل الشاهد الثالث للفشل حيث نصَّ على الإصلاح المالي الشامل وإعادة هيكلة المصارف واستعادة الودائع ومكافحة الفساد والشفافية في التعيينات الادارية والعسكرية، فإن تحقق هذه البنود هو شرط صدقه، لكن الوقائع أظهرت غياب الوضوح في التعيينات والغرق في المحاصصة دون ادنى الشروط الإدارية وغياب قوانين أساسية كـ«الكابيتال كونترول» وتأخر إقرار خطة واضحة لإعادة هيكلة المصارف، واستمرار المودعين في العجز عن الوصول إلى ودائعهم، وإذا غابت الآليات الزمنية والتشريعية سقطت قابلية التنفيذ، وما زلنا ننتظر هذا السحر الموعود، ما يعني أن البيان تحوّل من برنامج إلى وعد، وهذا ينسف خطاب الإصلاح المؤسساتي.
البيان الوزاري الذي يُفتَرَض أن يكون ترجمة دستورية لمصالح اللبنانيين، مثل الشاهد الثالث للفشل حيث نصَّ على الإصلاح المالي الشامل وإعادة هيكلة المصارف واستعادة الودائع ومكافحة الفساد والشفافية في التعيينات الادارية والعسكرية
الشاهد الرابع
وعلى نفس المسار يأتي الشاهد الرابع وهو الأخطر والذي يتصل بالمقاومة، وإذا كانت السيادة تُمثل قدرة الدولة على حماية شعبها، فإن فصل أدوات الحماية عن مفهوم السيادة يُنتج تناقضاً، إذ إن المقاومة التي كان لها دور حاسم في التوازن السياسي الداخلي، عاد العهد ليطرح حصرية السلاح بيد الدولة كأولوية منفصلة عن استراتيجية الدفاع، وهو ما تُرجم في النقاشات الحكومية الرسمية التي تناولت هذا الملف بمعزل عن أي تصور متكامل للأمن الوطني، وصولاً إلى قرارات اعتُبرت تجريماً لدورها، وإذا فُصِلت الحصرية عن استراتيجية الأمن الوطني تحولت إلى أزمة حقيقية خاصة مع غياب أي خطة دفاعية بديلة، فيما استمر التعويل على مساعدات عسكرية خارجية محدودة تقتصر على ناقلات جند وذخائر خفيفة لا ترقى إلى بناء قدرة ردع، وإذا كانت الوسائل لا تتطابق مع الهدف فقد استحال تحقيق هذا الهدف.
الشاهد الخامس
ويتصل مباشرة بما يسمى «سوء التموضع في البيئة الاستراتيجية»، لأنّ كل تفاوض من موقع ضعف يؤدي إلى تنازل، كما أنّ الانخراط في مسارات تفاوضية مع الخارج القوي يعني حكماً تقديم تنازلات، وقد ظهر ذلك في ملفات التفاوض ابتداءً بـ«لجنة الميكانيزم»، مع ما رافقها من مسلسل التنازلات حتى خضعت السلطة إلى التمثيل السياسي وصولاً إلى «الفيلم الاميركي الطويل» في واشنطن، حيث انخرطت السلطة في قلب التطبيع مع كيان العدو ، وبالتالي جرى التعاطي مع الضغوط الدولية من موقع الدفاع لا المبادرة، بما في ذلك القبول بأطر تفاوضية محددة سلفاً، وإذا كانت قاعدة التفاوض مختلة فإن النتيجة محسومة لصالح الطرف الأقوى، ما يجعل هذا المسار مقامرة بوحدة البلد.
الشاهد السادس
في نفس السياق يأتي الشاهد السادس، إذ ان هذه السلطة تعيد صناعة أخطاء تاريخية مثبتة، وإذا كان التاريخ قابلًا للاستقراء فإن تكرار المقدمات او الشروط يؤدي إلى تكرار النتائج، والعودة إلى نموذج اتفاق 17 أيار انما هو مسار يتكرر، حيث الرهان على دعم خارجي لفرض التوازن الداخلي، فإذا كان الخارج لم يستطع ان يمنح ديمومة سابقاً فلا موجب للاعتقاد أنه سيستطيع مجدداً الآن، ما يجعل النتيجة معروفة سلفاً.
الشاهد السابع
وهو الأكثر عمقاً: انقطاع السلطة عن بيئتها الاجتماعية، وإن كانت شرعية أي سلطة تُقَيَّم بتطابق أولوياتها مع حاجات مجتمعها، فإن الوقائع اليومية من تدهور القدرة الشرائية، واستمرار انهيار الخدمات العامة، وغياب سياسات حماية اجتماعية فعالة، تشير إلى فجوة متزايدة، وإذا وُجدت الفجوة واتسعت فإن النتيجة تُمَثل مساراً تصاعدياً من الانفصال بين الدولة ومجتمعها، وهو مسار إذا بدأ لا يتوقف عند حد.
في المحصلة لا تكمن المشكلة في تعقيدات الظروف الداخلية والخارجية بقدر ما تكمن في عجز سلطة جوزيف عون ونواف سلام عن خلق توازن سيادي فعلي بين الداخل والخارج. وعندما فشلا في ذلك فقد فتحا الباب أمام مرحلة أكثر هشاشة في بنية الدولة والمجتمع.
كمال جعفر-الاخبار