أخبار لبنان
78% التعثّر في القروض المصرفية!

أصبحت القروض المتعثّرة أحد أبرز مظاهر الانهيار البنيوي في القطاع المصرفي اللبناني، وهي تعكس عجزاً شبه كامل للمصارف عن أداء دورها التجاري التقليدي كوسيط مالي. فالقطاع المصرفي، الذي تكبّد خسائر تُقدَّر بنحو 72 مليار دولار، أي ما يوازي 300% من الناتج المحلي الإجمالي، لم يعد قادراً على القيام بوظائفه الأساسية في ظل توقّف شبه كامل للنشاط الإقراضي وانفصال المصارف عن الاقتصاد الحقيقي.
يُظهِر تقرير المرصد الاقتصادي للبنان، الذي يُصدِره البنك الدولي بشكل دوري، أنّ نسب القروض المتعثّرة بلغت مستويات استثنائية وغير مسبوقة. ويشير البنك الدولي إلى أن نسبة التعثّر وصلت في شباط 2025 إلى 86.7% من القروض التي تُراوِح قيمتها بين 20 مليار ليرة و30 ملياراً، و86.8%من القروض التي تفوق 50 مليار ليرة. والأخطر أنّ القروض المتعثّرة تتجاوز 78% من إجمالي محفظة القروض عبر جميع الشرائح، ما يعني أنّ الغالبية الساحقة من القروض المصرفية باتت غير قابلة للتحصيل أو متوقّفة عن السداد.
ويعكس هذا الارتفاع الحادّ في القروض المتعثّرة تراكم آثار الأزمة الاقتصادية والمالية منذ عام 2019 في غياب أي إطار فعّال لإعادة هيكلة الديون، وضعف آليات التنفيذ القضائي، في تحويل القروض المتعثّرة من ظاهرة ظرفية إلى أزمة مزمنة داخل النظام المصرفي. فهذه القروض لم تُلحظ في أي قانون من القوانين التي طُرحت لمعالجة الأزمة المصرفية، سواء كان قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي أو قانون الفجوة المالية.
هذه المستويات المرتفعة من القروض المتعثّرة تُشكّل عائقاً أساسياً أمام أي محاولة لإعادة تفعيل دور الوساطة المالية الذي يلعبه القطاع المصرفي.
فالمصارف، المُثقلة بمحافظ القروض الخاصّة المتعثّرة، بالإضافة إلى توظيفاتها المتعثّرة أيضاً لدى مصرف لبنان والدولة (في سندات اليوروبوندز بشكل أساسي)، غير قادرة على استئناف الإقراض أو تمويل الاستثمار. وهذا الأمر ينعكس على الاقتصاد، في غياب الاستثمار وبالتالي توسّع المُنتج الاقتصادي وفرص العمل. ومن جهة أخرى هذا الأمر يدفع الاقتصاد إلى مزيد من الاعتماد على النقد وعلى القنوات المصرفية الخارجية، ما يُضعِف دور القطاع المصرفي المحلّي حتى في الوساطة المالية.
لكن لا يمكن تحميل القروض المتعثّرة الباقية فقط مسؤولية التعطّل الحاصل اليوم في دور القطاع المصرفي، إذ إن مصرف لبنان، سمح بسداد حجم هائل من القروض على سعر صرف 1500 ليرة في حين كان سعر الصرف في السوق يتجاوز ذلك بأضعاف، إذ انخفضت محفظة القروض الخاصة بالدولار في القطاع المصرفي من نحو 38 مليار دولار في نهاية 2019 إلى نحو 5 مليارات في نهاية 2025.
ما يعني أن نحو 33 مليار دولار من القروض سُدّدت على سعر صرف 1500 ليرة، سواء من خلال الشيكات المصرفية أو من خلال الودائع الموجودة أصلاً. وقد شكّل هذا الأمر ما يُسمّى بكلفة الفرصة الضائعة، إذ كان يمكن للمصارف أن تستفيد من سداد هذه الودائع بالدولار الحقيقي لسدّ الفجوة الموجودة في القطاع، وبذلك تمنع خسارة الجزء من المودعين الذي باع ودائعه بخصومات على قيمها الدفترية.
وبذلك يتوضّح تعقيد الأزمة المصرفية المركّبة، حيث تداخلت القروض المتعثّرة مع سياسات نقدية وتنظيمية خاطئة، أدّت إلى استنزاف أصول المصارف وتكريس خسائرها، بدل معالجتها. وهو ما يجعل أي مسار تعافٍ مصرفي مشروطاً بإعادة نظر شاملة في توزيع الخسائر والمسؤوليات، وهو غير واضح في قانون الفجوة المالية، فالأدوار التي أدّت إلى الأزمة واضحة، من السياسة المصرفية والنقدية الخاطئة، إلى سوء التوظيفات من قبل المصارف، في حين أن الخسائر الكبرى وقعت على المودعين.
الأخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



