متفرقات
صانع الرواية… منذ “فاتح عهد الاستشهاديين” إلى “العبد الصالح”

بداية لا بدّ من توجيه الشكر والتقدير لأهل الوفاء والبذل والتضحيات… لسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسعادة السفير المناضل الدكتور مجتبى أماني وكلّ أركان السفارة على تنظيم هذه الندوة القيّمة، ودعوة هذه الوجوه الكريمة الطيبة لإحياء ذكرى قائدنا الغالي الشهيد الحاج محمد عفيف ورفاقه الشهداء الأبرار…
يصحّ في محمد عفيف أن تُكتب الأشعار والمدائح، لكنني لستُ شاعراً ولا مدّاحاً، لذلك استعدتُ بعضاً مما عايشتُه مع الشهيد الكبير الباقي دوماً في العقل والقلب والوجدان، ومثله صحبه ورفاق دربه، الأصدقاء والأخوة الأعزاء الشهداء: محمود الشرقاوي وموسى حيدر وهلال ترمس وحسين رمضان.
كلنا عرفنا محمد عفيف، وعرفنا جيداً أنّه جمع كلّ الصفات الحميدة… كلّها كلّها من دون أيّ استثناء، الشجاعةُ والرجولة، الإيمان والتواضع، القيادة والمسؤولية، المروءةُ والنخوة، النضال والفروسية والإقدام، الكرمُ والشهامة، المناقبية العالية، الأخوّة والأبوّة، الصديقُ الصدوق، الطيبةُ وحسن المعشر، العلمُ والأخلاقُ، الخبرة والمعرفة والتجارب، الاندفاعُ في الخدمة، الحرصُ على كلّ المحيطين به، المُحبُّ الودود، بابه المفتوح على الدوام، وقد نستمرُّ في تعداد الصّفات إلى ما شاء الله… وها أنتم أيها المُحبّون الحاضرون شهود على ما نقول…
للشهيد سيرة عطرة ومسيرة حافلة مع المقاومة وفي صفوفها الأمامية كواحدٍ من كبارها المؤسّسين، والمجال اليوم لا يتّسع للخوض في محطات مسيرته المعروفة والمشهودة… يكفي القول إنه “صانع الرواية” منذ “فاتح عهد الاستشهاديين”، و “أوهن من بيت العنكبوت”، إلى “شهداء على طريق القدس”، و”أولي البأس”، وصولاً إلى البيان الذي كُتب بالدمع قبل الحبر في نعي “العبد الصالح”…
التقينا يوم الاثنين 30 أيلول 2024، بعد ثلاثة أيام على استشهاد الأمين العام السيد حسن نصرالله، كنا مجموعة من الصحافيين والإعلاميين في “اللقاء الإعلامي الوطني”، بَكَينا معاً، وحاولنا سوياً مواساة بعضِنا البعض والتصبّرَ على الفاجعة التي ألمّت بنا جميعاً، وكان توجيهُه لنا أنّنا سنؤجّل الحزنَ ونستمرُّ في مسيرتنا مهما كلفنا الأمر من تضحيات…
وأذكُر أنه حين دخل علينا في تلك الجلسة، وبعد السلام والمصافحة الحارّة للجميع كما هي العادة دائماً، لفتَ نظر بعضنا أنه ما زال يحمل هاتفه بيده، وضعه أمامه على الطاولة، رغم كلّ ما حصل من جرائم واغتيالات بسبب هذا الجاسوس كما وصفه السيد الشهيد، ورغم إلحاحنا على الحاج محمد بضرورة التخلص منه، كان جوابه حاسماً بأنّ مهمّته هي التواصل الدائم مع الإعلاميين والصحافيين، اللبنانيين والعرب والأجانب، وأحياناً مع الوزراء والنواب والسياسيين والأحزاب، وأنه سوف يواصل القيام بهذه المهمة على أكمل وجه…
وتنفيذاً لذلك نظّم للإعلام المحلي والعربي والأجنبي جولة في الضاحية الجنوبية (في 2 تشرين الأول) وأوْصل بالصوت والصورة والكلمة إلى العالم أجمع حقيقةً واضحة هي أنّ ما يقصفه العدو الصهيوني في الضاحية ليس إلا مبانيَ ومنشآت ومؤسسات مدنية واقتصادية وإعلامية، ومستوصفات ومستشفيات ومدارس وأماكن عبادة… وليس هناك أيّ مستودع أسلحة على الإطلاق، ولا حتى مستودع شفرات…
هذا الأمر لم يعجب العدو فكان الردّ بتدمير المبنى الذي يضمّ مكتب العلاقات الإعلامية في حي معوّض، الذي يعرفه الجميع ويزوره الجميع، وهو كان هدفاً لإحدى مُسيّرات العدو قبل سنوات، في دليل على أنّ الحاج محمد وفريقه الإعلامي كانوا دائماً في مرمى الاستهداف.
بعد الجولة بأيام عقد الحاج محمد مؤتمراً صحافياً على طريق المطار (11 تشرين الأول) فوق ركام المباني التي دمّرَتْها غارات العدو، وعرض لواقع الميدان الذي يتجلّى فيه رجال الله ويحققون الإنجاز تلو الإنجاز، وأعلن جملة مواقف سياسية، أبرزها عبارته الشهيرة: «بكير بكير، بكير كثير على الاستثمار في الحرب»، موجّهاً النصيحة للبعض في الداخل بأن لا يكرّروا أخطاء الماضي وينجرّوا خلف أوهام ورهانات لن تتحقق على الإطلاق.
ثم كان حضورُه الوارف في الوقفة الإعلامية التي نظمها “اللقاء الإعلامي الوطني” في ساحة الشهداء (14 تشرين الأول) تحت عنوان «إعلاميون ضدّ العدوان الصهيوني»، وشارك فيها عدد كبير من الصحافيين والإعلاميين، وأكدت الكلمات على أنّ المقاومة منتصرة، وهي منتصرة بالفعل مع الرجال الأساطير في الجنوب ومع أمثال الحاج محمد الذين أجزلوا العطاء في سبيل هذا الانتصار الكبير…
وفي 22 تشرين الأول عقد مؤتمراً صحافياً في روضة الحوراء زينب في الغبيري، بين نسائم المسك التي تفوح من أضرحة الشهداء،
يومها أعلن بكلّ وضوح وجرأة أنّ «المقاومة تؤكد مسؤوليتها الكاملة والتامة والحصرية عن عملية قيساريا واستهداف مجرم الحرب وزعيم الفاشية الصهيونية نتنياهو»، مضيفاً «انّ عيون مجاهدي المقاومة ترى وآذانهم تسمع فإنْ لم تصل إليك أيدينا في المرة السابقة فإنّ بيننا وبينك الأيام والليالي والميدان”.
وقبل انتهاء المؤتمر الصحافي أعلن الناطق بإسم جيش العدو (السيّئ الذكر أفيخاي ما غيره) أنّ أحد الأبنية المجاورة للروضة سوف يتمّ استهدافه، وحين لفتت الحاجة رنا الساحلي نظره إلى التهديد أصرّ الحاج محمد على استكمال المؤتمر حتى النهاية، وحين سئل عن التهديد أجاب بجملته الشهيرة المُسجلة والتي تناقلها الإعلام بعد استشهاده: «نحن لم يخِفنا القصف فكيف تخيفنا التهديدات”.
في 31 تشرين الأول أراد الاجتماع معنا كلقاء إعلامي وطني للتباحث في طريقة إحياء ذكرى أربعين سماحة السيد الشهيد حسن نصر الله، وقد طُرحت أفكار عديدة منها تنظيم وقفة في مكان استشهاد السيد تشارك فيها الأحزاب الوطنية والفصائل الفلسطينية وتجمّع العلماء المسلمين وتغطيها وسائل الإعلام على اختلافها، لكن الحاج محمد فضّل عدم تعريض كلّ هؤلاء الناس للخطر، لأنّ العدو لا ينفكّ ينفذ غاراته الوحشية على الضاحية الجنوبية، فذهب إلى خيار أن يعقد هو بنفسه مؤتمراً صحافياً في مجمع سيد الشهداء حيث كان السيد الشهيد يجمع الجماهير في معظم المناسبات الوطنية والدينية ويخطب بهم عبر الشاشة لترتفع القبضات ولتصدح الحناجر بالهتافات «لبيك يا نصر الله» و «هيهات منا الذلة”…
بالفعل عقد الحاج محمد مؤتمراً صحافياً في يوم الشهيد (11 تشرين الثاني) واستظلّ منبر السيد الشهيد ليعلن المواقف الحاسمة، لا سيما التأكيد مجدّداً بأنّ الكلمة الفصل هي للميدان، و”أنّ المجاهدين الأبطال هم الذين يحدّدون بقتالهم وصمودهم مصير المقاومة ولبنان بل مصير المنطقة برمّتها”.
يمكن أن نستمرّ في الحديث إلى ما لا نهاية، لأنّ مسيرة الحاج محمد عفيف على دروب المقاومة استمرّت لأكثر من أربعين عاماً من دون كلل أو ملل، وقد بنى خلالها شبكة علاقات إعلامية واسعة جداً فيها الكثير من الصداقات والأخوّة مع الأقربين، والكثير من الاحترام والتقدير مع الخصوم، إلا أولئك الذين باعوا أنفسهم للشياطين لأنّ عالمنا اليوم شياطينه على مدّ العين والنظر…
ختاماً يا شهيدنا الحبيب… الباقي دائماً معنا كأفراد وكمجموعة في “اللقاء الإعلامي الوطني”، نعمل برعايتك وبوحي توجيهاتك، متآخين ومؤتلفي القلوب والعقول والوجدان، تماماً كما أردتَ، وهذا ما جدّدنا التعاهد عليه بالأمس ومعنا أشقاؤك وأبناؤك الأعزاء أمام ضريحك الطاهر إلى جانب والدك الجليل العلامة الشيخ عفيف النابلسي…
رمزي عبد الخالق
كلمة ألقيت في الندوة التي نظمتها السفارة الإيرانية في لبنان تكريماً للقائد الشهيد الحاج محمد عفيف النابلسي.
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



