أخبار عربية
الاعلان الدستوري في سوريا.. جدل متصاعد وصراع على الهوية

لم يمرّ الإعلان الدستوري الجديد دون إثارة عاصفة من الجدل، إذ واجه انتقادات واسعة لم تقتصر على معارضي الإدارة السياسية الجديدة، بل امتدت لتشمل بعضًا من حلفائها، خاصة فيما يتعلق بديانة رئيس الدولة، واعتبار الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع.
هذه القضايا فجّرت انقسامات حادة بين التيارات الدينية والسياسية، وسط تساؤلات عما إذا كان هذا الإعلان خطوة نحو الاستقرار أم مدخلًا لصراع أعمق حول هوية الدولة.
أولى الانتقادات جاءت من الأوساط الإسلامية المؤيدة للإدارة الجديدة، والتي كانت تأمل في ترسيخ نظام إسلامي أكثر وضوحًا. هذه الجهات التي رأت في الرئيس المعيّن من قبل الإدارة العسكرية أحمد الشرع، الشخصية الأمثل لتحقيق مشروعها، اعتبرت أن النصوص الدستورية المعلنة ليست سوى إعادة إنتاج لصياغات تقليدية لا تلبي طموحاتها.
من بين الأصوات البارزة في هذا السياق، برز المصري يحيى الفرغلي، أحد الشخصيات التي تنقلت بين الفصائل المسلحة، حيث اعتبر أن النص الدستوري القائل بأن “الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع” لا يرقى إلى تطبيق الحكم الإسلامي، مشيرًا إلى تجربة الدستور المصري لعام 1980، الذي تضمن نصًا مشابهًا لم يحقق ما وصفه بالحكم الشرعي الحقيقي.
“وفي هذا الإطار، وصف أحد منظري “السلفية”، طارق عبدالحليم، الذي كان يعد من أبرز المحرضين على القتال في سوريا، الإعلان الدستوري السوري بـ “الكفري”، وأنه تضمن الخبث والمراوغة في التحايل على الدين.”
إلى جانب ذلك، تعالت أصوات أخرى، محسوبة على هيئة تحرير الشام سابقًا، تطالب بإحالة المسودة الدستورية إلى لجنة شرعية متخصصة لضمان توافقها مع أصول الشريعة قبل إقرارها رسميًا، ما يعكس انقسامًا حتى داخل التيارات الإسلامية نفسها.
أما على الصعيد الكردي، فقد واجه الإعلان الدستوري رفضًا قاطعًا، خاصة مع تأكيده في المادة الأولى على “عروبة الجمهورية السورية”، ونصّه في المادة الرابعة على أن “اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة”، وهو ما اعتبرته القوى الكردية تهميشًا لهويتها القومية.
ورغم ما جاء في الإعلان الدستوري من حديث عن فصل السلطات، إلا أنه منح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة من المادة 31 إلى المادة 41، حيث جعله القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، ومنحه سلطة تعيين الوزراء وعزلهم، إلى جانب حق الاعتراض على القوانين الصادرة عن مجلس الشعب.
كما خوله الإعلان تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، واختيار أعضاء المحكمة الدستورية العليا، وهو ما أثار مخاوف من إعادة إنتاج حكم الفرد، في ظل غياب آليات واضحة للمساءلة والمحاسبة، سواء لرئيس الجمهورية أو للحكومة التي يعيّنها.
ولم يأتِ الإعلان الدستوري في سياق هادئ، بل جاء عقب أحداث دموية مروّعة شهدتها مناطق الساحل السوري، حيث أسفرت عمليات تصفية وقتل على خلفيات طائفية عن مقتل ما لا يقل عن (1383) مدنيًا بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان، وسط اتهامات لقوات الأمن التابعة للإدارة العسكرية الجديدة بالتورط فيها، إلى جانب جماعات مسلحة حليفة وفصائل موالية لتركيا.
هذه التطورات تعكس هشاشة الوضع الأمني في البلاد، وتطرح تساؤلات جدية حول قدرة أي إعلان دستوري على تحقيق الاستقرار، في ظل استمرار العنف والانقسامات السياسية العميقة.
وبين رفض وتأييد، يبدو أن الدستور الجديد لم يحقق التوافق المنشود، بل فتح بابًا لصراع سياسي محتدم، سيكون له تأثير كبير في تحديد ملامح المرحلة المقبلة في سوريا. وبين مسارات التغيير المحتملة، يبقى مصير البلاد معلقًا بين تطلعات التغيير ومعادلات القوة على الأرض.
المصدر: موقع المنار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



