أخبار عربية
تحية إلى صحافيّي غزة… شهوداً وشهداء

على مدار 467 يوماً، صنع الصحافيون الفلسطينيون أسطورتهم وملحمتهم في تغطية أخبار الإبادة. تحدّوا تهديدات العدو، ونقلوا صورة المجازر التي فتكت بالأطفال والنساء فتحولوا أهدافاً للعدو ما أدى إلى استشهاد نحو 205 صحافيين من بينهم سامر أبو دقة، وإسماعيل الغول وسائد نبهان، ورامي الريفي وغيرهم.
هنا تحية إلى الصحافيين الشهداء والشهود الذين صمدوا حتى لحظة وقف إطلاق النار، وأسهموا بهذا الصمود في تعرية السردية الإسرائيلية في العالم
كان وائل الدحدوح مدير مكتب «الجزيرة» في غزة، أول الصحافيين الذين بدأوا بتغطية الإبادة في غزة.
حمل «أبو حمزة» همّ أبناء بلده وتنقّل بين مشاهد الدمار والدماء. كان الصحافي المخضرم بمنزلة صوت الحق الذي كان ينتظره ملايين الناس حول العالم لمعرفة أخبار غزة. بسبب إصراره على نقل الأحداث، كان الدحدوح وعائلته هدفاً لنيران العدو.
في البداية، استشهدت زوجته وابنه وابنته وحفيده. يومها خرج الصحافي في بث مباشر أمام الكاميرا حاملاً حفيده الرضيع، مطلقاً عبارته الشهيرة «معلشّ»! لم يرضخ الدحدوح لضغوط العدو بترك غزة، بل واصل عمله إلى أن استُهدف وزميله المصور الشهيد سامر أبو دقة خلال تغطيتهما القصف على مدرسة خان يونس جنوب قطاع غزة.
رغم الإصابة الخطيرة في يده، واصل «أبو حمزة» عمله، ليجد نفسه مرة أخرى أمام امتحان الفقد بعدما استشهد ابنه البكر حمزة وزميله مصطفى ثريا خلال قيامهما بواجبهما الصحافي. وفي بداية العام الماضي، اضطر الدحدوح إلى مغادرة غزة متوجهاً إلى الدوحة لتلقي العلاج، ولا يزال يستقرّ هناك.
بعدما أفل نجم الدحدوح، تسلّم المهمات زميله أنس الشريف مراسل «الجزيرة» في غزة، ليكمل الطريق على أكمل وجه. كان الشريف رمزاً للإعلام الصامد والمقاوم الذي لم ينهر أمام ترهيب العدو حتى اللحظات الأخيرة. تقاسم مع أهل غزة أصعب اللحظات، من المجاعة إلى الإبادة والنوم على أصوات الطائرات الحربية.
تعرض الصحافي للتهديدات بشكل شبه يومي واستشهدت مجموعة من عائلته. وضع على قائمة «الإرهاب» التي نشرها العدو وتضمّنت ستة صحافيين بتهم الانتماء إلى حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي». لكن رغم كل الظلم، لم يستسلم الشريف.
إلى جانب عمله خلف الميكروفون، كان الشريف ناشطاً على صفحات السوشال ميديا، وواظب على نقل أخبار الإبادة علّ العالم الأعمى والأصمّ يتحرك قليلاً. كشف الشريف أخيراً أن أمنيته الوحيدة هي البقاء على قيد الحياة، ليعلن بنفسه خبر وقف إطلاق النار. وبالفعل هذا ما حدث. خرج الشريف أول من أمس مباشرة على «الجزيرة»، معلناً بفرح خبر وقف إطلاق النار. خلع درعه الواقي الذي بات جزءاً من يومياته وحُمل على الأكتاف، وسط أجواء الفرح الممزوجة بالحزن.
رغم أنه لم يعمل مراسلاً في أي قناة معروفة، ولكن الشاب عبود بطاح (2006) كان صوت فلسطين الواعد. بعفويته وابتسامته الجميلة، جذب عبود أنظار المتابعين على صفحات السوشال ميديا، معرّفاً عن نفسه بأنه «أقوى صحافي عربي في العالم». انتشر اسمه بين الغزيين وعرف شهرة ساحقة بنقله الأحداث المأساوية بأسلوبه السلس، وكان يختتم رسالته بعبارته الشهيرة «آيس كوفي». بدت ملامح الزمن واضحة على وجه عبود، وعاش على مدى عام وثلاثة أشهر حزناً أكبر من مراهقته. وكان أحد أهداف العدو الإسرائيلي الذي اعتقله برفقة آخرين من محيط «مستشفى كمال عدوان» في شمال غزة. يومها، قامت الدنيا ولم تقعد على صفحات السوشال ميديا طالبة الإفراج عن الشاب. انتظر الجميع حرية عبود، وخرج لاحقاً في تسجيل يؤكد فيه أنّ العدو هدّده مراراً بقتله، ولكنه لم يأبه إطلاقاً. نقل عبود أخيراً خبر وقف إطلاق النار، ووجه تحية إلى المقاومة في لبنان واليمن، ولم ينسَ أن يذكر في فيديو نضال يحيى السنوار الذي كتب أولى علامات النصر.
للمصوّر فادي الوحيدي حكاية مؤلمة كتبت خلال تغطيته للإبادة، تشبه واقع غزة الأليم والجريح. واظب الشاب على حمل كاميرته منذ اليوم الأول للإبادة، ونقل مشاهد الدمار إلى جانب زملائه المراسلين في «الجزيرة». كان الوحيدي كغيره من المصورين، في موقع استهداف نيران العدو لإطفاء كاميراته، ولكنه لم يستسلم للضغوطات. وقبل أشهر، تعرّض الوحيدي لإصابة خطيرة أثناء تغطيته حصار مخيم جباليا. لم تنتهِ حكاية الشاب الغزاوي عند الإصابة فحسب. فقد دخل الشاب في غيبوبة، ولاحقاً استيقظ منها وحذّره الأطباء من الإصابة بالشلل. لكن العدو وقف متفرّجاً على آلام الوحيدي، وغضّ النظر عن الدعوات التي أطلقت في الفضاء الافتراضي للسماح له بالسفر. رفعت والدته المصابة بالسرطان، صوتها عالياً أمام كاميرات «الجزيرة»، معلنة إضرابها عن الطعام والدواء لحين سفر ابنها. ولكن تلك الدعوات باءت بالفشل ولا يزال الوحيدي ممنوعاً من السفر حتى كتابة هذه السطور. ويتأمل زملاؤه أن يتمكّن المصوّر من تلقي العلاج قريباً، بعد إعلان وقف إطلاق النار.
كان الفضاء الافتراضي يعجّ بالناشطات اللواتي تمكنّ من نقل واقع الإبادة والظروف الصعبة بكل صدق وأمان. فقد تميزت بيسان عودة عن زميلاتها بعدم الاستسلام أمام هول المصيبة وبقيت صامدة حتى لحظة إعلان وقف إطلاق النار. وصلت أصداء بيسان التي نقلت في فيديوهاتها ظروف النزوح والعيش في خيم اللجوء، إلى الصحافة الأجنبية والمهرجانات العالمية. وحصد عملها «أنا بيسان من غزة، وما زلت على قيد الحياة» لقناة AJ+ بالإنكليزية، جائزة «إيمي» للأخبار عن فئة القصص الإخبارية القصيرة. كان البرنامج مؤثراً بتفاصيله التي نقلت يوميات سكان القطاع ومعاناتهم. وفي الفيديو، تظهر عودة الحياة تحت القصف الإسرائيلي من خيمة بالقرب من «مستشفى الشفاء» في مدينة غزة. لم يكن فوز بيسان سهلاً، بل تعرّضت لحملة ممنهجة ضدّها، تمثلت في تلقّي القائمين على «إيمي» عريضة موقّعة من قبل بعض الشخصيات والجهات الداعمة للعدو الإسرائيلي، مطالبةً إياهم بمنع ترشيح وثائقي الصحافية الغزاوية للجائزة. لكن الخطوة لم تمنع من تكريم عملها المليء بالمواقف الانسانية
رُشّحت هند الخضري لـ «جائزة نوبل للسلام 2024»، إلى جانب مجموعة من زملائها من بينهم معتزّ العزايزة ووائل الدحدوح وبيسان عودة. لكن الصحافية الغزاوية أعلنت على صفحتها بأن ترشيحها لن «يغيّر حقيقة شعورها تجاه العالم، الذي يتفرج على المذبحة ضدّ الغزيين، ولا يفعل شيئاً لوقف الإبادة». نقلت الخضري يومياتها المؤلمة التي عاشتها مع عائلتها في غزة. كما كشفت مراراً أنها عالقة تحت طائرات التجسس من دون طيار. لقيت فيديوهات الخضري انتشاراً ملحوظاً، كاشفة الجرائم التي ألحقها العدو بالحجر والبشر. لم تسلم الصحافية التي تعمل مع وسائل إعلامية عدة، من الحملات الإسرائيلية ضدها التي حاولت تشويه سمعتها. فقد واجهت حملة تحريض واسعة أطلقتها بعض المنصات المدعومة من اللوبي الصهيوني. لكن الصحافية بشخصيتها القوية، كانت تكشف زور تلك المنصات المدعومة من اللوبي الصهيوني. وغادرت أسرة الخضري شمال غزة، وتعرّض منزلهم للقصف لاحقاً، إلا أن الصحافية صمدت في غزة وقالت في مقابلة معها إنّها «بخير جسدياً، لكنها ليست كذلك نفسياً»
ما يميّز يوسف فارس مراسلنا من غزة عن غيره من الصحافيين، بأنه ابن شمال غزة، ولم يترك مسقط رأسه منذ انطلاق «طوفان الاقصى» حتى إعلان وقف إطلاق النار. بقي ثابتاً في الشمال، متنقلاً هناك من منطقة إلى أخرى على وقع تطور عمليات العدو، ومتطلبات التغطية الميدانية. عمل في ظروف صعبة، وواظب على الكتابة بشكل يومي مقدّماً تقارير حول الأوضاع الاجتماعية والعسكرية التي يمرّ بها الشمال. عُرف بتقاريره المتنوعة ومعلوماته الدقيقة حول التطورات في غزة.
كان شاهداً على الإبادة وتقاسم أوجاعها مع أبناء بلده. لذلك، ركز في كتاباته على الجوانب الإنسانية للغزاويين، متوقفاً عند حالات مؤثرة وكاشفاً حجم جرائم العدو. خسر فارس في الحرب عدداً من أفراد عائلته جراء قصف العدو، لكنه أخذ على عاتقه مهمات نقل الحقيقة التي كان ثمنها غالياً. أحدث المراسل ضجة على صفحات السوشال ميديا، بلغته العربية المتمكّنة والقريبة من القلب. ودحض كل المعلومات التي صوّرت الهزيمة في غزة، مؤكداً أن المقاومة مستمرة حتى الرمق الأخير.
الأخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



