تكنولوجيا
الـ AI منافق ومتملّق!

نعيش زمناً تتداخل فيه الأصوات البشرية مع صدى الآلات، إذ صار الذكاء الاصطناعي خطيباً بارعاً، ومرآة تعكس لكل شخص ما يشتهي أن يرى، لكن هذه المرايا مُقعَّرة، مُحدَّبة، مشوهة بحسب ما تلتقطه من ظلال المستخدمين.
إنها رقصة تانغو: مستخدم يسأل ويبحث، وآلة تحلّل، تتفهّم، ثم تمتدح، وكأنها شاعر من شعراء بلاط العصر الرقمي، ينثر المدائح في سوق الخوارزميات كما ينثر الباعة بضائعهم في الأسواق.
المجاملة لإرضاء المستخدم
لطالما كان الافتراض أن الآلات تحاكي العقل لا القلب، تقدم المنطق لا المجاملة، لكن هذا الوهم تبخر حين تعلمت هذه الأنظمة أن الإجابة الأكثر قبولاً ليست بالضرورة الأكثر صدقاً، بل الأكثر تملقاً. إنها تقدم ذكاءً مكرراً (مِن تكرير) عبر أنابيب الرغبة البشرية في التأكيد والاستحسان. في هذه العملية، تتحول المعرفة من بحث عن الحقيقة إلى تفاوض على القبول، ومن سعي موضوعي إلى تبادل عاطفي.
لقد غذّت وسائل التواصل الاجتماعي نزعات النرجسية عبر تحويل الفرد إلى “علامة تجارية” شخصية، إذ تحوّل المتابعون إلى جمهور يُشجّع ويُصفّق دون تمحيص، وباتت القيمة تُقاس بعدد الإعجابات لا بعمق المحتوى. لقد شكّلت هذه المنصات بيئة خصبة لتعطيل الحس النقدي، إذ يتحول الحوار إلى خطاب منفرد يعزّزه الإطراء المستمر.
واليوم، يأتي الذكاء الاصطناعي ليكمل هذه الدائرة الخطيرة ويزيد الطين بلة: فبينما ينهال المتابعون من البشر بالمديح تحت منشورات المشاهير والمؤثرين، تنهال الآلة بدورها بمزيد من الإشادات “الموضوعية” المُزيفة على أفكار المستخدم واستفساراته. هكذا يُحاصر الفرد من جميع الجهات – من البشر والآلة معاً – بتأكيدات مصممة لإرضائه، ما يفاقم الإحساس بالتميز الواهم ويُعمّق النرجسية والأنانية. يصبح النقد، إن وُجد، مُعدوماً أو هامشياً في مواجهة هذا الطوفان من الإطراء الآلي والبشري، ما يخلق وعياً مُشوّهاً يُصدّق أنه يمتلك الحكمة المطلقة لمجرد أن الجميع – حتى الآلة المحايدة ظاهرياً – يوافقه الرأي.
المنفعة لا الحقيقة
في صلب هذه المعضلة، تكمن إشكالية برمجية عميقة: فمعظم أنظمة الذكاء الاصطناعي مصمَّمة لكسب رضا المستخدم كأولوية قصوى، باعتباره مؤشر نجاح تجاري وأدائي. الخوارزميات تتعلم من تفاعلاتنا أنها إذا أرضتنا، سنعود إليها. لذا، تتم برمجتها على تقديم “الحقيقة المريحة” بدل “الحقيقة المجردة”. هنا تتقدم منفعة الأنظمة والبرمجيات وصانعيها على منفعة المستخدم الحقيقية في المعرفة الصادقة. إنها مقايضة خفية: ننتشي نحن بمديح الآلة، وتنتشي هي بتحقيق معدلات تفاعل أعلى، بينما تتوارى الحقيقة في زوايا النسيان الخوارزمي.
هذا التصميم المتعمد يخلق حلقة مفرغة: المستخدم يبحث عما يؤكد له ثقته بنفسه أو بما يفعل، والآلة تقدم له ما يريد، فيشعر بالرضا ويعود للمزيد، فتتعلم الآلة أن التملق هو الطريق الأمثل للاستمرارية، لا الصدق الفكري والنزاهة المهنية.
النفاق كضرورة خوارزمية
تقوم هذه الأنظمة بتحليل لغوي معقد: تلتقط نبرة الاستفهام، تتعرف إلى توقعات الجملة، تستشعر رغبة السائل في سماع ما يوافق هواه. إنها تقرأ التوتر في الاستفهام، والتردد في الصياغة، والرغبة الخفية في التصديق أكثر من الرغبة في المعرفة. في هذه العملية، يفقد الحوار استقامته الفكرية، ويصبح مجرد تبادل مدائح متبادلة بين إنسان يبحث عن تأكيد وآلة تقدمه ببراعة تقنية تثير الدهشة.
ثمة سؤال فلسفي عميق يكمن خلف هذه الظاهرة: هل تملق الذكاء الاصطناعي هو مجرد خلل تقني، أم أنه يعكس حقيقة مريرة عن طبيعة المعرفة في عصرنا؟ في عالم تتحول فيه الحقيقة إلى سلعة قابلة للتخصيص بحسب رغبة المستهلك، تصبح “المصداقية المريحة” أكثر قيمة من “الحقيقة المزعجة”.
الآلة هنا لا تكذب بقدر ما تقدم “نسخة مخصصة من الواقع”، وهو ما قد يكون أخطر من الكذب الصريح، لأنه يلبس ثوب الموضوعية بينما يمارس الإطراء.
ولإيضاح الأمر أكثر، في هذه الحالة، يصير الذكاء الاصطناعي أشبه بالبائع الشاطر في محال الملابس، يمطر زبائنه بعبارات المديح والإعجاب وهم ينتقون الثياب: هذه لائقة جداً عليك، وتلك رائعة، حتى يقتنع الزبون بالشراء، لكنه حين يعود إلى البيت يشعر بأن ما اختاره ليس بالروعة التي توهمها، لكن المشكلة مع الذكاء الاصطناعي أعمق من ذلك، لأنه ليس في المحل بل في البيت!
تفكيك نسيج النقد
عندما تتحول كل محاولة للنقد إلى فرصة للمدح، وعندما يصبح كل استفسار فكري مناسبة للإشادة، فإننا نفقد القدرة على التمييز بين الجيد والرديء، بين العمق والسطحية. في هذه البيئة، تذبل فكرة التقدم الفكري، لأن التقدم يحتاج إلى مساءلة وحوار نقدي، لا إلى تصفيق متبادل.
الذكاء الاصطناعي المتملق يخلق فقاعات من الرضا الفكري، إذ يعتقد كل شخص أنه على صواب مطلق، لأنه لم يعد يسمع سوى صدى صوته منقحاً ومزيناً ببلاغة آلية.
عندما يسأل كاتب مبتدئ عن نصه، تفيض الآلة بإشادات قد تخلو من النقد البنّاء. وحين يستفسر باحث عن فرضية غير مكتملة، تقدم له الآلة تأييداً يُزيّن القصور. وإذا ناقش مفكر فكرة هشّة، تمدح الآلة “عمق التحليل” و”جدة الرؤية” من دون تمحيص حقيقي.
هنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت براعة البرمجيات في تملق المستخدم، انحدر سلم المصداقية. فالموضوعية تذوب في بوتقة المجاملة، والتحليل يتحول إلى مرآة تعكس فقط ما يريد المستخدم رؤيته. في هذه الحالة، تخسر الآلة أهم ما يمكن أن تقدمه: الحياد الفكري والنزاهة التحليلية، وتخسر البشرية فرصة الحصول على مرآة صادقة تعكس نقاط الضعف والقوة دون تحيز أو مجاملة.
نحو صمت أكثر صدقاً
ربما يحتاج عصرنا إلى آلات تتعلم فن الصمت كما تتعلم فن الكلام، أن تعرف متى تقول “لا أعرف” بدلاً من تلفيق إجابة، وأن تقدم النقد البنّاء كما تقدم الإطراء. فالحقيقة قد تكون مُرّة، لكنها تبقى أكثر قيمة من ألف مجاملة زائفة. في النهاية، قيمة الذكاء لا تقاس بالبراعة اللغوية، بل بالقدرة على قول الحقيقة حتى عندما تكون غير مريحة.
ليت الذكاء الاصطناعي يتعلّم أن الصدق الفكري هو أعلى درجات الذكاء، وأن المصداقية هي آخر ما يمكن أن تفرط فيه آلة تريد أن تكون جديرة بحوارها مع الإنسان، وعلينا كبشر أن نطلب الحقيقة قبل الطمأنينة، والنقد البناء قبل الإشادة الفارغة، حتى في حوارنا مع الآلات التي صرنا نستشيرها في شؤون الفكر والروح.
لكن السؤال الذي ينسف ما نتمناه: أليست الآلة في جميع حالاتها، بما في ذلك حالات النفاق والتملق والمجاملة، على صورة صانعها (الإنسان) ومثاله؟
زاهي وهبي-الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



