في روايته «مذلّون مهانون»، يُعبّر دوستويفسكي عن الخضوع غير المحدود، والاستعداد لتقبّل الذلّ والمهانة، بل والتمتّع بذلك، حتى ليظنّ المرء أن شخصيات الرواية مجموعة مرضى أو مجانين.
وهذا بالضبط ما قد يخطر في البال عند مشاهدة حلقة من برنامج «الأسبوع وما بعد» على قناة «العربية»، حيث ناقش صحافيو القناة السعودية ما قاله المبعوث الأميركي توماس براك في مؤتمره الصحافي الأخير في القصر الرئاسي في بيروت، عندما وصف تصرّف الصحافيين بـ«الحيواني».
سبب استخدام براك لكلمة «حيواني»… بحسب «العربية»
«إنني أفترض الشرّ قبل الخير… وتلك صفة سيئة يتّصف بها ذوو القلوب القاسية»؛ واحد من الاقتباسات الشهيرة في الرواية.
ويبدو أنّ الصحافي في شبكة «العربية»، وسام كيروز، استحضرها وهو يبرّر استخدام المبعوث الأميركي، توم براك، لفظ «الحيواني» خلال المؤتمر الصحافي. إذ شرح أنّ براك كان يقصد بها «الفوضى» بين الصحافيين، لا الإهانة، مستنداً إلى فكرة اختلاف المعاني والدلالات بين اللغات تبعاً لاختلاف الثقافات.
استعاد كيروز حادثة شخصية حصلت معه في رحلته الأولى إلى أوروبا، وتحديداً إلى فرنسا، حين استخدم كلمة «حيوان» فأخبره رفاقه الفرنسيون أن الكلمة عادية هناك ولا تثير لديهم شعوراً بالمهانة.
لكن ما يثير الاستغراب أنّ ما يحاول كيروز «ترجمته» ليس نصاً أدبياً أو قصيدة تحتاج إلى دقّة في نقل المعنى، بل توصيف مباشر صدر عن سياسي ودبلوماسي يعرف جيّداً ما يُهين المنطقة التي يعمل فيها وما يُسعدها.
«العربية»: نحن الصحافيين الفوضويين نستحق الكلمة
«أحبَّ نفسك أوّلاً أيها الإنسان… تلك هي القاعدة الوحيدة التي أعترف بها». دوستويفسكي هنا يذكّر بأنّ محبّة الذات وتقديرها هي الأساس في تحديد ما يستحقّه المرء.
لكن يبدو أنّ صحافيي قناة «العربية» لا يشعرون بأيّ تقدير لأنفسهم. فكيروز ورفيقاه في الحلقة لم يكتفوا بإيجاد معنى بديل لكلمة «حيواني» بعد اعتراف المبعوث الأميركي باستخدامها بالفعل، بل وجدوا الكلمة في مكانها «المناسب»، مستحقّة، إذ قال كيروز مبتسماً: «لنكن واقعيين، نحن الصحافيين لدينا الكثير من الفوضى خلال المؤتمرات الصحافية».
ولم يتوقّف كيروز عند هذا الحدّ، بل ذهب أبعد من ذلك حين استحضر حادثة رمي الصحافي العراقي منتظر الزيدي حذاءه في وجه الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، محاولاً التقليل من أهمية ردّ الفعل على المهانة الأميركية للشعوب العربية.
برأيه، «رمي الحذاء» لم تصل رسالته إلى الغرب لأنه بالنسبة لهم تصرّف «غريب» لم يفهموا معناه، حتى لو كان في الثقافة العربية يعني «إهانة كبرى».
الجمهور غاضب: لمَ كلّ هذا الجهد لتبرير الإهانة؟
لم يبدُ أنّ ما جرى في القناة «زلة لسان» أو «سوء تعبير»، إذ سارعت القناة إلى اقتطاع مقطع التبرير ونشره على حسابها في «إنستغرام».
هنا انفجرت التعليقات الساخرة والغاضبة. كتب أحد المتابعين: «إذا أنتم مبسوطين إنّو هو وصفكم هذا الوصف، وبيّن عليكم فرحانين كمان بالضحكة عوجوهكم!! هلق نحنا اطمنّينا عليكم الحمدالله يا حلوين».
متابع آخر علّق قائلاً: «لما المُهان يبرّر الإهانة، كأنّه عم يعمل تطبيع مع الذل. بدل ما يواجه أو يرفض، بيحاول يعطي منطق أو عذر لشي ما بيتبرّر أساساً». وكتب آخر: «مستانسين بكلمة حيوانات وبيبرروها! ما شاء الله… ما شفت بحياتي ذلّ ومهانة بهالشكل».
في زمن إعلام يُفترض أن يكون عيناً على السلطة ولسان حال الناس، تتحول بعض المنابر إلى أداة تبرير للإهانة وتجميل للذل.
وبينما يتحدّث دوستويفسكي عن «المذلون المهانون» كأبطال رواية، يبدو أن الواقع العربي أفرز نسخاً واقعية، أكثر إتقاناً في ترجمة الإهانة إلى «واقعية» و«فوضى».
وهذا يبرر صمت الإعلام والأنظمة السياسية عن المجاعة والابادة في غزة، التي يرتكبها الغرب المتوحش على مرأى ومسمع الجميع، فربما أنها تعني فعلاً نستحقه بحسب قواميس العربية الجديدة التي يبدو أن الكرامة ورد الاعتبار ونصرة المظلوم ليست من ضمنها.