ثمّة لحظات في تاريخ الدول تصبح فيها الكلمات أخطر من الرصاص. لحظات تكشف فيها التصريحات السياسية عن مشاريع تتجاوز حدود «الرأي الشخصي» إلى التخطيط الفعلي لتغييرات كبرى في الجغرافيا والهوية والسيادة.

في لبنان، نجد أنفسنا اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات. فتصريحات توم برّاك، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حول ضمّ لبنان إلى «إمارة الجولاني» في سوريا، لم تعد مادة للدهشة أو الاستغراب، بل مؤشّراً إلى مشروع سياسي – استراتيجي يقتضي مواجهة فعلية، لا الاكتفاء بإدانات شكلية أو صمت مُريب.

حين صدرت تصريحات برّاك للمرة الأولى، كان يمكن التعامل معها بوصفها انفعالاً أو سقطة في التعبير.

السياسيون الأميركيون كثيراً ما يختبرون ردود الفعل عبر تسريبات وتصريحات مبهمة، وهذا مفهوم ضمن لعبة السياسة.

لكن حين تكررت التصريحات مرة ثانية وثالثة، وبالروح نفسها، لم يعد ممكناً اعتبارها رأياً شخصياً. فالتكرار في السياسة ليس مصادفة، بل رسالة.

وعندما تأتي الرسالة من مبعوث لرئيسٍ مثل دونالد ترامب، الذي أعاد رسم خرائط المنطقة ثلاث مرات خلال ولايته، يصبح التمرير في غاية الخطورة.

ترامب ليس رئيساً تقليدياً، ولا يدير السياسة الخارجية كإدارة كلاسيكية للدولة. هو رجل صفقات، ينظر إلى الجغرافيا على أنها ملكية قابلة للبيع والشراء.

ومن يبدّل حدود الجولان بقرار، ويعترف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي خلافاً لكل منظومة القانون الدولي، ويقترح ضمّ أراضٍ من غزة ولبنان إلى الولايات المتحدة كما يضمّ شركة جديدة إلى محفظته الاستثمارية، ليس غريباً أن يختبر سيناريوات مشابهة في الساحة اللبنانية.

وبالتالي، اعتبار كلام برّاك «هفوة» يعني تجاهل السياق الذي يصدر فيه، والسياق هنا أهم من التصريح نفسه. لأننا أمام إدارة أثبتت أنها قادرة على تحويل الكلمات إلى خرائط، والوعود إلى قرارات تنفيذية، والآراء الشخصية إلى سياسات دولية نافذة.

ما يجعل الكلام عن ضمّ لبنان، ولو رمزياً أو على مستوى الطرح، خطيراً إلى هذا الحد، هو أنه يأتي من طرف يمتلك سجلاً فعلياً في تغيير الحدود.

فترامب لم يكتفِ بإعلان مواقف سياسية؛ بل غيّر واقعاً تاريخياً راسخاً منذ عام 1967 حين أعلن اعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان.

هذا القرار لم يكن رسالةً سياسيةً فقط، بل كسراً لواحدة من أهم قواعد النظام الدولي: عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة.

وفي لحظة مشابهة، تجاهل ترامب كل القرارات الدولية المتعلقة بالقدس، ونقل السفارة الأميركية إليها، مانحاً إسرائيل اعترافاً أميركياً بسيادتها على المدينة كاملة.

هذا التغيير لم يكن رمزياً ولا تجميلياً، بل أعاد رسم موقع القدس في الخريطة السياسية للشرق الأوسط.

وإذا كان رئيس بهذه الجرأة على القفز فوق القانون الدولي قادراً على اتخاذ قرارات بهذا الحجم، فليس من المنطقي – ولا من العقل – أن نتجاهل تصريحات مبعوثه، سواء تعلّقت بضم أراضٍ، أو إعادة ترسيم مناطق نفوذ، أو إعادة تعريف الكيانات السياسية في المنطقة.

حين يُقال إن مشروع ضمّ جنوب لبنان أو أجزاء منه يأتي في إطار «مشروع اقتصادي»، يتعيّن التوقف ملياً عند معنى هذه العبارة. فالاقتصاد هنا ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتغيير الملكية والسيادة.

الحديث عن نقل ملكية أراضٍ جنوبية إلى شركة عقارية أميركية ليس تفصيلاً تقنياً، بل محاولة سياسية مقنّعة لإعادة توزيع الأرض، تماماً كما حدث في مشاريع استيطانية حول العالم.

لم تعد تصريحات توم براك
عن ضم لبنان إلى سوريا مجرد هفوة، بل باتت تعبيراً عن استراتيجية يمكن توقعها مع فريق يقوده دونالد ترامب

حين تُنقل الأرض، تُنقل معها السيادة. الملكية ليست مجرد عقد قانوني؛ هي ترجمة عملية لحقّ سياسي. ومن يسيطر على الأرض في النهاية يسيطر على الأمن والحدود والثروات والسكان. ومن يشتري يعيد تشكيل الجغرافيا، ومن يبيع يتنازل عن جزء من حدوده الفعلية.
وهكذا، يصبح «المشروع الاقتصادي» تسمية لطيفة لعملية أعمق: إعادة رسم لبنان.

أخطر ما في المشهد ليس تصريحات برّاك، بل صمت السلطة اللبنانية. الصمت هنا ليس حياداً، ولا تبصّراً، ولا تفادياً للتصعيد. هو عامل تمكين. فحين يكون مصير بلد مهدّداً – ولو على مستوى الخطاب – تصبح واجبات السلطة واضحة: الرد، التوضيح، الاستدعاء الديبلوماسي، التحذير، وربما التوجّه إلى المؤسسات الدولية.

لكن ما نراه هو العكس تماماً: لا موقف رسمياً، لا طلب إيضاحات، لا حملة مضادة، لا حتى محاولة لحماية الحدّ الأدنى من الهيبة الوطنية. الصمت، في هذه الحالة، لا يعكس ضعفاً فقط، بل يدلّ على أن بعض أركان السلطة قد يكون جزءاً من المشروع أو مستفيداً منه، أو على الأقل غير راغب في مواجهته.

والمفارقة أن هذا الصمت يُقدَّم أحياناً على أنه «واقعية سياسية»، بينما هو في الحقيقة أشبه بتخلٍّ مُسبق عن فكرة الدولة. فمن يرفض الدفاع عن حدود بلده عندما تكون مجرد كلمات مطروحة للنقاش، لن يكون قادراً على الدفاع عنها عندما تصبح وقائع على الأرض.
لبنان يعيش منذ سنوات لحظة اهتزاز غير مسبوقة. اقتصاده على حافة الانهيار، نسيجه الاجتماعي مهدّد، طبقته السياسية في حالة تفكك، ونظامه الدستوري في حالة تعطيل دائم. وفي لحظات كهذه، تصبح الدول هدفاً سهلاً للمشاريع الخارجية. فالخرائط لا تتغيّر فقط بالحروب؛ تتغيّر أيضاً بالانهيارات.

من هنا، يصبح الكلام عن ضمّ لبنان جزءاً من مشروع أكبر: إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يناسب مصالح الدول الكبرى وحلفائها. والمخيف أن كثيراً من هذه المشاريع يبدأ بتصريح، ثم بمقال، ثم باقتراح داخل مركز أبحاث، ثم بضغوط اقتصادية، ثم بنقاط تفاوض، قبل أن يظهر فجأة كأمر واقع.

وإذا كان لبنان غير قادر على حماية نفسه بالكلام، فكيف سيحمي نفسه حين تتحوّل التصريحات إلى خرائط؟ وهل يملك بديلاً من المبادرة السياسية؟ وهل يملك سلطة ترى أبعد من مصالحها الضيقة؟
لبنان لا يحتاج إلى صراخ، بل إلى موقف وطني واضح. يحتاج إلى سلطة تقول للمبعوث الأميركي: هذا الكلام مرفوض شكلاً ومضموناً، ومجرّد طرحه يشكّل تعدّياً على سيادة دولة مستقلة. يحتاج إلى مقاربة ديبلوماسية تعيد التذكير بأن لبنان ليس أرضاً سائبة تُناقش ملكيتها في غرف مغلقة.

كما يحتاج إلى رفض داخلي صريح لمشاريع تحويل الجنوب إلى منطقة عقارية تُباع وتُشترى. فالأرض هنا ليست ملكية فردية؛ هي هوية جماعية.

في مواجهة تصريحات بهذا الحجم، يصبح الصمت جريمة سياسية. ويصبح «حسن الظن» شكلاً من أشكال التواطؤ غير المباشر. أما اعتبار تصريحات كهذه مجرّد رأي، فهو إما قصر نظر أو رغبة في الهروب من مواجهة الحقيقة.

إن ما يهدّد لبنان اليوم ليس فقط مشاريع الخارج، بل تواطؤ الداخل، وصمت السلطة، وخوف النخب، وغياب الموقف. ولبنان الذي لم يهزمه الاحتلال، ولا الحرب الأهلية، ولا الحصار، قد ينهزم اليوم أمام كلمات إذا تُركت بلا ردّ.

البلد ليس ملكاً لسلطة تُقايض مصيره بمصالحها. لبنان باقٍ فقط إذا أراد أبناؤه له البقاء. أما إذا استمرّ الصمت، فإن أسوأ ما قد يحدث ليس ضمّ الجنوب أو تغيير الحدود، بل قبول اللبنانيين أنفسهم بأن يتحوّل بلدهم إلى ورقة تفاوض في صفقات الآخرين.

كريم حداد-الاخبار

رسائل سياسية أرادت “إسرائيل” إيصالها عبر عمليتها العسكرية التي نفذتها في بلدة بيت جن السورية، أهم هذه الرسائل هو أن “إسرائيل” تعاني تهديداً أمنياً حقيقياً يتمثل بوجود تنظيمات جهادية تنشط في الداخل السوري وعلى مقربة من الحدود الإسرائيلية، ومحاولة اتهام الحكومة السورية بدعمها، وهو ما يعني أن “إسرائيل” غير ملتزمة بالذهاب إلى توقيع اتفاق للسلام مع سوريا.

أرادت “إسرائيل” أيضاً لفت نظر العالم إلى هذا التهديد المزعوم، وبالتالي شرعنة ما يمكن أن تقدم عليه في المقبل من الأيام، في مسعى منها لتكريس فكرة أنها قادرة على استباحة سيادة أي دولة، تحت ذريعة “حماية الأمن القومي الإسرائيلي”.

الحكومة السورية من جهتها سعت لاستثمار هذا الحدث وتوظيفه سياسياً، لإظهار “إسرائيل” على حقيقتها وأنها من يعرقل التوصل إلى اتفاق للسلام بين البلدين.

كانت الحكومة السورية قد أعلنت منذ وصولها إلى السلطة عن رغبتها بـ “تصفير المشاكل” مع دول الجوار، والتفرغ لمعركة إعادة الاعمار وتحسين الواقع المعيشي للسوريين، باعتباره الأولوية لشعب أنهكته الحرب وبات أكثر من 90% منه يعيش تحت خط الفقر.

هذه الرغبة قابلتها “إسرائيل” بعدوان مباشر على سوريا هدف إلى تدمير كامل أسلحة الجيش السوري، مستغلة فراغ السلطة وانشغال الحكومة الجديدة بفرض الأمن ومنع الفوضى.

لم يصدر أي بيان إدانة من الحكومة السورية آنذاك، وترافق ذلك مع صمت عربي أعطى انطباعاً لـ”إسرائيل” بأنها قادرة على فعل ما تريد من دون الاكتراث بأحد.

“إسرائيل” لم تعد تخشى الأنظمة العربية، لكنها مجبرة على أن تحسب حساباً للشعوب التي إذا ما استفاقت فإنها قادرة على تغيير توازنات القوة بكل تأكيد.

لم تستطيع “إسرائيل” مقاومة رغبتها بالتوسع في الداخل السوري والسعي لفرض واقع جديد تستطيع من خلاله إجبار الحكومة السورية على الدخول معها في سلام هو أقرب إلى الاستسلام، تستطيع من خلاله انتزاع اعتراف رسمي سوري بسيادتها على الجولان وهو ما ترفضه الحكومة السورية حتى الآن.

توغلات إسرائيلية متكررة في الداخل السوري، وعمليات خطف لأكثر من 45 شخصاً من أبناء المنطقة تحت ذرائع واهية، وتهمٍ لا أحد يعرف مدى مصداقيتها.

في عهد النظام السابق كانت “إسرائيل” تبرر اعتداءاتها على سوريا بملاحقة عناصر من حزب الله والحرس الثوري الإيراني (الإسلام الشيعي)، واليوم تتذرع بمواجهة تنظيم “الجماعة الإسلامية” (الإسلام السني).

لم يعد من الممكن لـ”إسرائيل” القول إن هناك عناصر من حزب الله في الداخل السوري، لذا فقد لجأت إلى توجيه الاتهام إلى تنظيم سني جهادي تأسس في بيروت عام 1964 كفرعً لبناني لجماعة الإخوان المسلمين التي أدرجها ترامب مؤخراً في لائحة الإرهاب.

هذا التوجه الإسرائيلي الجديد لن يحظى بقبول أو دعم عربي وتركي على غرار ما كان يجري في الماضي، فهذه التنظيمات ليست شيعية، كما أن الكثير منها يحظى بدعم ومباركة من هذه الأطراف.

الأوضاع الداخلية في “إسرائيل” تجعل حكومة نتنياهو معنية بزيادة التوتر على عدة جبهات، شريطة ألّا يتحول هذا التوتر إلى حرب مفتوحة، في مسعى منها لاستثمار هذا التوتر انتخابياً.

بيت جن وفصل جديد من المقاومة…

وضع أبناء هذه البلدة الصغيرة نهاية لحالة الاسترخاء التي رافقت التوغلات الإسرائيلية السابقة، وهو ما أجبر قيادة جيش الاحتلال على وضع استراتيجية جديدة تعتمد على تنفيذ الاغتيالات من الجو بدلاً من التوغلات.

أثبتت هذه العملية ضعف القوات الإسرائيلية وعدم دقة المعلومات الاستخبارية لديها، إلى درجة المطالبة بفتح تحقيق في “إسرائيل” حول إمكانية تسرب معلومات عن هذه العملية قبل تنفيذها، حيث اعتبرت بمنزلة “الفخ” الذي استُدرجت إليه تلك القوات.

المقاومة الشعبية هي الخيار الوحيد في حال عجز الحكومات عن الدفاع عن شعبها، وهي المعادلة التي قد تعيد سوريا إلى محور المقاومة الذي سعت للابتعاد عنه.

لم تستطع “إسرائيل” نسيان “درس السابع من أكتوبر”، وبالتالي فلن تسمح بتكرار نموذج حماس في سوريا، ولا يمكنها الوثوق بأي حكومة ذات خلفية جهادية.

صمت الولايات المتحدة يؤكد عدم قدرتها على انتقاد “إسرائيل”، وإلتزامها المطلق الدفاع عنها، وبالتالي لا يمكن التعويل عليها كوسيط نزيه لرعاية المفاوضات بين سوريا و”إسرائيل”، وخاصة أن ترامب هو من اعترف بالجولان كأراضٍ إسرائيلية.

العام المقبل سيكون عاماً انتخابياً في “إسرائيل”، كما سيشهد الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي. وهو ما ينذر بتضارب المصالح بين نتنياهو وترامب. فترامب يسعى لتحقيق إنجاز سياسي قبل الانتخابات يتمثل في تحقيق السلام بين سوريا و”إسرائيل”، في حين يبدو نتنياهو مهتماً بالاستثمار في الفوضى والمزيد من التصعيد.

فضائح إبستين التي تلاحق ترامب لا يمكن إغفال دور اللوبي الصهيوني في نشرها، وتذكرنا بفضيحة مونيكا التي دبرها هذا اللوبي للرئيس بيل كلينتون عندما حاول الضغط على “إسرائيل” لتوقيع سلام مع سوريا.

“إسرائيل” لا تسعى للسلام ولا تحترم الاتفاقيات، وهي من قتلت كلاً من رابين وياسر عرفات اللذين وضعا أسس عملية السلام بين الجانبين.

تخشى “إسرائيل” تراجع الدعم الأميركي لها، وخاصة أن المصالح الأميركية في المنطقة لم تعد تتطابق مع مصلحة “إسرائيل”، وشعار “أميركا أولاً” بات هو البوصلة لعمل الإدارة الأميركية الحالية.

من هذه الزاوية تسعى “إسرائيل” لتكريس قيادتها للشرق الأوسط قبل تخلّي الولايات المتحدة الأميركية عنها، وهو ما يتطلب منها وضع نهاية سريعة لملفات حزب الله وإيران والفصائل العراقية.

العدوان على بيت جن كان من أحد أهدافه تجهيز مسرح العمليات لتكون الأراضي السورية مجالاً يمكن استخدامه لمواجهة أعداء “إسرائيل” في المنطقة.

من الواضح أن الحكومة السورية عملت على احتواء الحدث لا مواجهته، لكن إلى أي مدى ستبقى قادرة على ضبط الأمور ومنع تدهورها، خاصة إذا ما كررت “إسرائيل” ارتكاب مثل هذه الحماقات.

تفريغ الجنوب من السنة…

“تفريغ الجنوب من السنة”، مشروع صهيوني الهدف منه رسم خرائط جديدة في سوريا تؤدي في المحصلة إلى تحويلها إلى كيانات قائمة على أساس طائفي وديني وعرقي ومذهبي.

مقاومة تلك المشروعات لا تكون بالشعارات والخطابات الحماسية الفارغة، بل برسم استراتيجية قائمة على حشد الطاقات وتوجيهها نحو العدو، الذي كان وما زال وسيبقى عدواً، رغم سعي البعض إلى حرف البوصلة، و”إعادة تعريف العدو”، وصولاً إلى خلق عدو جديد ينسينا عدونا الحقيقي.

لجوء سوريا إلى اتباع الوسائل الدبلوماسية أمر ضروري، مع التأكيد أن “البيانات لا تحمي سيادة ولا تدافع عن وطن”، لكنها ترسّخ حق سوريا في الدفاع عن نفسها، وتوثق السلوك العدواني لـ”إسرائيل” باعتبارها “دولة مارقة” لا تحترم القوانين والمواثيق الدولية.

النيات سيئة والتآمر كبير، ولـ”إسرائيل” عملاؤها في الداخل السوري، ويبدو أن التصعيد سيكون هو الخيار الأكثر ترجيجاً لـ”إسرائيل” في تعاطيها مع الملف السوري.

قضية المياه من القضايا المهمة بين الجانبين وهي العنوان للحروب المقبلة، وخاصة أن سوريا تعاني شحاً في المياه لم تتعرض له منذ عفود.

هذه القضية تشكل قاسماً مشتركاً بين “إسرائيل” وتركيا اللتين تسعيان لاستخدام “حرب المياه” ضد العرب، تنفيذاً لرؤية شيمون بيريز في كتابه “الشرق الأوسط الجديد”، الذي رأى فيه أن من حق “إسرائيل” وتركيا التحكم في ثرواتهما من المياه الجوفية كما تتحكم الدول العربية في ثرواتها النفطية، مطالباً باستبدال كل برميل مياه ببرميل من النفط.

يبدو أن الحديث عن السلام بين سوريا و “إسرائيل” أمر مستبعد، وخاصة أن هذا السلام لا يقدم أي منفعة لـ”إسرائيل”، التي ترى أنها غير مضطرة للانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد 8 ديسمبر 2024، وخاصة قمة جبل الشيخ ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة لها.

شاهر الشاهر-الميادين

 

كان العدوان الذي تعرضت له بلدة «بيت جن»، يوم الجمعة الفائت، هو الرابع من نوعه منذ سقوط النظام السابق، ففي شهر كانون الثاني المنصرم نفذت قوات الاحتلال اقتحاما واسعا للبلدة، وكان من نتيجته اعتقال حسن عكاشة، الذي اتهمته هذه الأخيرة بأنه «زعيم فرع حماس في الجنوب السوري»، وفي حزيران توغلت دورية اسرائيلية إلى عمق البلدة وقام أفرادها باعتقال سبعة شبان، والأمر نفسه عاد ليتكرر في شهر أيلول حيث سيعلن “جيش” الاحتلال عن أن الهدف من الفعل هو تصفية «خلية حسن عكاشة»، وحينئذ قامت القوات المهاجمة باغتيال شقيق هذا الأخير، أما الاقتحام الرابع، الذي جرى 28 في تشرين الثاني المنصرم، فوقع تحت ذرائع متعددة، تبدأ عند العمل على «اعتقال شقيقين قاما بإطلاق صواريخ على مرتفعات الجولان، ووضعا عبوات ناسفة على السياج الحدودي»، بعد اتهامهما بالانتماء إلى تنظيم «الجماعة الإسلامية»، الحليفة لـ «حماس»، ولا تنتهي برصد «نشاط حوثي على الأراضي السورية»، قبيل أن تمر باتهام «الاستخبارات السورية بالوقوف وراء تلك الهجمات»، لكن السياقات التي جرى فيها هذا الأخير كانت تختلف كثيرا عن تلك التي شهدتها الاقتحمات السابقة، فالاشتباكات التي دامت نحو نصف ساعة، أجبرت قوات الاحتلال على تنفيذ عمليات إخلاء، استمرت لنحو ساعتين، تحت غطاء ناري كثيف، ولذا فإن من شبه المؤكد أن الحدث سوف تكون له تداعياته لاعتبارات عديدة، أبرزها أن تل أبيب ترى أنها استطاعت، خلال الأشهر الأحد عشر الماضية، تحويل الجنوب السوري إلى رقعة «تحت اليد»، ولعل ما يؤكد تلك الرؤيا هو الزيارة التي قام بها رئيس وزراء الاحتلال، برفقة عدد من قادته الأمنيين والعسكريين، إلى أراض سورية محتلة في الجولان ومحيط جبل الشيخ، قبل نحو عشرة أيام من عملية «بيت جن»، التي فرضت على “تل أبيب” تغيير تلك الرؤيا، أو مراجعتها على الأقل.

 

في الغضون، ظهر الموقف السوري على قدر من الصلابة «الواقعية»، فقد وصف بيان الخارجية السورية ما جرى بأنه «جريمة حرب مكتملة الأركان»، أما مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، ابراهيم علبي، فقال إن «دمشق لن تبرم أي اتفاق أمني مع «اسرائيل» قبل وقف اعتداءاتها»، ولعل واشنطن، التي ترى نفسها معنية بهذا الأمر، كانت تدرك أن الرسالة موجهة إليها قبل أن تكون لأي أحد آخر.

 

ذكرت «هيئة البث الإسرائيلية – كان» في تقرير لها نشرته بوم السبت أن «الإدارة الأميركية بدأت تحركا ديبلوماسيا لاحتواء التصعيد بين «اسرائيل» وسوريا»، وأشار التقرير إلى أن واشنطن «تستعد لإيفاد مبعوثين خاصين إلى المنطقة خلال الأيام المقبلة، لبحث إمكان الوصول إلى تهدئة بين الجانبين»، وفي تحديد مهمة هؤلاء ذكر التقرير أنها تهدف إلى «منع توسيع دائرة التصعيد، وفتح قنوات تفاهم أولية»، فيما أشارت تقارير إلى أن الوفد «سيجري مباحثات مع مسؤولين سوريين ولبنانيين على حد سواء»، واللافت هنا هو أن التقرير لم يأت على ذكر اسم المبعوث توم براك، ما يصح اعتباره تعزيزا للتقارير التي أشارت إلى «أنه لم يعد مكلفا الملف اللبناني»، وأن «الإدارة الأميركية ستكلف مورغان أورتاغوس مجددا العمل عليه»، وعلى الرغم من أنه لم يصدر أي تصريح رسمي، للآن، يؤكد على فحوى تلك التقارير، إلا أن ثمة شكوكا باتت تدور حول استمرار الأخير في مهمته اللبنانية على الأقل، ولعل تصريحاته التي أدلى بها لصحيفة «نيويورك تايمز»، قبل يومين، وعبر فيها عن «شكوكه في قدرة الجيش اللبناني على تحقيق هدفه المعلن، المتمثل في نزع سلاح حزب الله نهاية هذا العام»، تشير، بشكل ما إلى «اضطراب» المهمة.

  

وفي سياق متصل، نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» تقريرا مفصلا عما وصفته بـ«الحادث الخطِر» في جنوب سوريا، وأضافت «يبدو أن السبب الرئيسي للصمت (الإسرائيلي) هو القلق من رد فعل الولايات المتحدة»، مشيرة إلى أن «نتنياهو متردد في استفزاز ترامب، الذي لا يزال يدفع باتجاه اتفاق أمني بين سوريا و «اسرائيل»، بوصفه جزءا من جهوده للتوصل إلى اتفاق سلام في الشرق الأوسط، وربما جائزة نوبل»، لكن تقرير الصحيفة يلحظ سببا، محتملا، آخر، للصمت «الإسرائيلي»، وهو يتمثل بعنصر المفاجأة في العملية، والذي «ربما فاجأ «اسرائيل»، سواء أكان ذلك بسبب ثغر استخباراتية، أو بسبب تسريبات حول القوات المهاجمة»، الأمر الذي أدى، وفقا لتقرير الصحيفة التي تمثل لسان حال المؤسستين العسكرية والأمنية بتل أبيب، إلى «الشعور بالقلق إزاء ما ينظر إليه على أنه تقاعس من جانب نظام الشرع في مواجهة عناصر (حماس) و (الجهاد الإسلامي)»، ولعل في هذه العبارة الكثير مما يجب التوقف عنده.

  

تشير هذه المعطيات السابقة إلى أن التصعيد بات مؤجلا لحين زيارة الوفد الأميركي، الذي ستشير تركيبته، إلى النوايا الأميركية الحقيقية، وإذا ما كانت واشنطن ستمارس الضغوط على الكفتين: الكفة السورية اللبنانية من جهة، والكفة الإسرائيلية من جهة أخرى، بشكل متعادل، أم أن «الأثقال» سترمى على الأولى كما هو معتاد، أو أن تفرض «أحلام نوبل» معادلتها بين الكفتين.

  

عبدالمنعم علي عيسى – الديار

 

تحتل مسألة «المياه» حيزا بارزا في الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي، ولا أدل على ذلك من محاولات ربط هذه المسألة بالإدعاءات الدينية والتاريخية، التي جرى العمل على «أسطرتها» لاحقا عبر الشعارات الكبرى الراسمة للكيان والحدود والدور، على نحو ما يلمس في شعار «الأرض الموعودة تمتد من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في سوريا والعراق»، وفي عهد «القادة المؤسسين» كانت تلك المسألة على درجة عالية من الأهمية، فقد أعلن ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء اسرائيلي، العام 1955 عن إن «اسرائيل تخوض معركة المياه مع العرب، وعلى نتائج هذه المعركة يتوقف مصير الكيان، وإذا لم ننجح، فإننا لن نكون في فلسطين»، وقد بدت آثار تلك الإستراتيجية جلية في الممارسات الهادفة إلى اقتلاع الفلسطينين من أراضيهم، وآخرها في غضون حرب الإبادة الجماعية التي أطلقها جيش الإحتلال، شهر تشرين أول 2023، في غزة، حيث قام هذا الأخير بتهديم الآبار، وتخريب شبكات الري والخزانات، وخطوط المياه، وفي أيار 2025 ذكر المدير العام لمصلحة المياه في القطاع أن «”اسرائيل” دمرت 85% من مصادر المياه، وأنهكت قطاع المياه المستنزف أساسا في غزة»، ولعل ذلك يشير بوضوح إلى استخدام “اسرائيل” للموارد المائية كسلاح في حروبها، الفعل الذي يحرمه القانون الدولي، وقد حظرت المادة 54 من «معاهدة جنيف الرابعة» الكثير من الممارسات التي ترتكبها الجيوش أثناء الحروب، وفي الذروة منها «تدمير المرافق المدنية الأساسية» .

 

قال عميد لنغ، المدير العام لشركة «ميكو روت» الإسرائيلية للمياه، خلال مؤتمر «الأعمال الإسرائيلي» للعام 2025، المنعقد قبل أيام، إن «من المفيد مراقبة ما يحدث في سوريا، ف”اسرائيل” تمتلك إمكانية أن تكون موردا للمياه في المنطقة»، كما أشار لنغ إلى وجود «اتفاقات سابقة مع الأردن» يمكن لها أن تعزز من ذلك المسار، ولعل العديد من البنود الواردة في اتفاقية «وادي عربة»، الموقعة ما بين الأردن وكيان الإحتلال العام 1994، ما يدعم قول لنغ هذا، فقد جاء في المادة السادسة من تلك الإتفاقية «بهدف تحقيق تسوية شاملة ودائمة لكافة مشكلات المياه القائمة بين الطرفين، يتفق الطرفان على الإعتراف بتخصيصات عادلة لكل منهما، وذلك من مياه نهر الأردن، واليرموك، ومن المياه الجوفية بوادي عربة، وذلك بموجب المبادئ المقبولة، والمتفق عليها، حسب الكميات، والنوعية، المتفق عليها».

  

سيطرت «اسرائيل»، منذ العام 1967، على أهم الموارد المائية في الجنوب السوري، بعد سيطرتها على هضبة الجولان، التي تعد أكبر خزان مائي في المنطقة، وبحيرة طبرية، ونهر الأردن، والعشرات من الينابيع الجوفية، وقد جاء في تقرير للأمم المتحدة، العام 2024، أن «”اسرائيل” تسيطر على نحو 40% من الموارد المائية في جنوب سوريا، إضافة إلى جزء كبير من الموارد المشتركة مع الأردن، ما يرفع النسبة السابقة إلى نحو 80% من المياه في المنطقة»، أما بعد 8 كانون أول 2024، الذي شهد سقوط نظام بشار الأسد، فقد مضت «اسرائيل» نحو إطباق سيطرتها على كل البحيرات المتشكلة وراء السدود في هضبة الجولان، وأبرزها أربع: سد «المنطرة» داخل المنطقة العازلة، و الذي يشكل أكبر مورد مائي في الجنوب بسعة تصل إلى 40 مليون متر مكعب، وسد «كودنة» شرق المنطقة العازلة بسعة تصل إلى 31 مليون متر مكعب، وسد «الرويحينة»، عند الحدود الشرقية للمنطقة العازلة، وسد «بريقة»، بمحاذاة المنطقة العازلة، وسعة كلا السدين الأخيرين هي عند مليون متر مكعب، وهي بتلك السيطرة تكون قد رفعت النسبة السابقة، المشار إليها في تقرير الأمم المتحدة الأخير، إلى نحو 100 %، أو ما يقاربها.

 

تسعى “تل أبيب” من وراء فرض هذا الواقع، الذي يشكل تهديدا للأمن المائي والغذائي لسكان القنيطرة، إلى ربط المناطق التي احتلتها من الجنوب السوري، بعد سقوط الأسد، بأراضي الجولان المحتل، مع الإبقاء على السياسات ذاتها التي اتبعتها في أعقاب سيطرتها على هذا الأخير، فبعيد حرب «الأيام الستة» ذكر تقرير لاحق للأمم المتحدة أن من بقي من سكان الجولان لا يزيد عن» 20% من سكانه الأصليين»، وإذا ما كان ذلك قد حدث بفعل الإستخدام المباشر للقوة، فإن “تل أبيب” اليوم تسعى إلى تحقيقه بطرق أخرى، آخذة بعين الإعتبار تغير المعطيات التي تفرض تغييرا أكيدا في الأساليب المتبعة لخدمة الهدف ذاته، فمن خلال سيطرتها على موارد المياه تعمل “اسرائيل” للضغظ على سكان القرى، ضمن المساحات التي احتلتها، بهدف تهجيرهم باتجاه دمشق و ريفها، وهي لتحقيق خططها تلك تقوم بتخريب البنى التحتية لمشاريع الري ومياه الشرب في القرى المستهدفة، وقد ذكرت «الإخبارية السورية»، في منشور لها على منصة «X»، يوم الثلاثاء الفائت، إن «القوات الإسرائيلية منعت أهالي قرية الحميدية، بريف القنيطرة الشمالي، من إجراء أعمال الصيانة على خط ضخ المياه بمحيط القرية».

 

من الممكن قراءة تصريحات عميد منغ على أكثر من محمل، الأول أن “تل أبيب” «نجحت» في بسط سيطرتها على موارد المياه في الجنوب السوري، وبات من حقها ربط هذه السيطرة بأي محادثات سلام محتملة مع دمشق، أما الثاني فقد يكون عند محاولة “تل أبيب” لتقديم نفسها كلاعب سياسي واقتصادي «إيجابي» في المنطقة.

  

عبد المنعم علي عيسى – الديار

تشهد عدة مناطق في جنوب سوريا نشاطا لافتا لطيران جيش الاحتلال الإسرائيلي، وذلك بموازاة توغلات برية لدوريات تابعة لجيش الاحتلال آخرها توغل في قرية صيدا الجولان بريف القنيطرة الجنوبي.

بهدوء يشبه ما قبل العاصفة توغلت خمس عربات عسكرية إسرائيلية إلى قرية صيدا الجولان في أقصى في القنيطرة جنوبي سوريا، كما لو أنها تتحرك في أرض بلا صاحب.. تمددت على الطريق الترابي، ثم نصبت حاجزاً مؤقتاً عند مدخل القرية.

وشرعت في تفتيش المارة وتدقيق هوياتهم، في مشهد ليش فقط باستهتار الحدود، بل بغياب كامل لأي قوة قادرة على ردع هذا التوغل المتكرر.

وقبل ساعات فقط كانت آليتان مدرعتنان تتقدمان نحو مشارف بلدة كويا في حوض اليرموك تطلقان النار عشوائيا قبل أن تسلكا طريقهما نحو ثكنة الجزيرة التي باتت مقرا ثابتا للقوات الإسرائيلية.

ما يجري في الجنوب السوري ليس عابراً ولا يمكن قراءته تحركات تكتيكية بسيطة، فالمشهد أعمق مما يبدو عليه.. فما هناك لا يقاس بمسطرة الخروقات الحدودية التقليدية، بل يرقى إلى نمط جديد من التمركز العسكري، يوحي بأن الكيان يعمل على تثبيت احتلال هادئ غير معلن، يعاد تشكيله حجراً حجراً عبر الحواجز والطرق العسكرية.

وهذا التحول ترافقه قوة ناعمة باتت تضاهي قسوته، فبينما تتحرك دباباتها وجنودها في القرى المحاذية لخطوط التماس تنشر أدواتها الناعمة أيضا عبر استبيانات توزع على الأهالي الذين يستوقفون عند الحواجز.. تسألهم قوات الاحتلال عن عدد أفراد أسرهم وعن أعمالهم وصحتهم ودخلهم ومؤهلاتهم واحتياجاتهم الغذائية.. بل وحتى عن موقفهم من السلطات الجديدة.

فهي تبني قاعدة بيانات اجتماعية كاملة تجمع في مناطق تخضع بحكم الأمر الواقع لنفوذ الاحتلال، في قرى الحميدية والقحطانية ورسم الرواضي ورسم البيضاء ورسم أبو شبطة وغيرها من القرى، التي تحولت إلى فضاء مفتوح لتحركات الدوريات.

هكذا شيئا فشيئا ترسم جنوبا خرائط جديدة.. خرائط لا تعلن في المؤتمرات، بل تفرض على الأرض حيث يبني الاحتلال هندسة جديدة لا ترفع الأعلام.. بل تغير الأرض بهدوء وتعيد تعريف السكان.

العالم

كعادته، هدّد مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط توم برّاك لبنان مجدّداً، من خلال التلويح بشبح الحرب الأهلية وبغزوٍ إسرائيلي في حال رفضت الحكومة اللبنانية الانصياع للصيغة الجديدة التي فرضها، على الرغم من أنّ حكومة بنيامين نتنياهو رفضتها.

وفي السياق عينه، شدّدت الإدارة الأميركية مرة أخرى على ضرورة نزع سلاح حزب الله الذي لبّى كلّ ما طُلب منه في اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وتواصل الضغط في الوقت نفسه على الحكومة للموافقة على اتفاقيات أمنية مع “إسرائيل” من خلال برّاك تارةً، وأورتاغوس تارةً أخرى.

وبموازاة التهديدات الكلامية، ينفّذ سلاح الجوّ الإسرائيلي سلسلة غارات يومية على الجنوب وجرود البقاع كما يواصل سياسة الاغتيالات بشكل مستمرّ.

وليس بعيداً من ذلك، تأتي دعوة برّاك الحكومة اللبنانية إلى الاقتداء بالرئيس السوري “المنصّب ذاتياً”، أمير “جبهة النصرة” السابق الذي أصبح رجلاً محترماً بعد ما كشف قدرته على ارتداء البزّات الأوروبية ولعب كرة السلة، من خلال مقاطع فيديو نُشرت بكثافة في إطار حملة ترويجية إعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي، قبيل زياراته إلى أوروبا ثم الولايات المتحدة في مسعى لإعادة تلميع صورته.

وراء هذا التغيير الشكلي والتلوّن والتكيّف على طريقة الحرباء في محاولة تلميع سمعته عند حكّام الغرب ما يفسّره، وهو انخراطه في محادثات تهدف إلى تطبيع العلاقات بين بلاده و”إسرائيل” تحت عنوان “اتفاقيات أمنية” من المحتمل أن تؤدي إلى رفع العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا.

هذه الانعطافة التاريخية، لم تمنع “إسرائيل” من قصف العديد من المواقع في مختلف أنحاء الأراضي السورية وتوسيع احتلالها. وعلى الرغم من إظهار دمشق حسن نواياها تجاه “إسرائيل” كل يوم، فقد صرّح وزير الحرب الإسرائيلي أنّ قواته لن تنسحب من جبل الشيخ الاستراتيجي وباقي الأراضي السورية المحتلة ناهيك عن الجولان الذي تمّ ضمّه إلى “إسرائيل” بدعم من إدارة ترامب.

الأفق الذي رسمه برّاك لا يدعو إلى التفاؤل والأمل: إن وقّعت الحكومة اللبنانية اتفاقية سلام مع “إسرائيل”، على منهج سوريا، أم لم تفعل، ستستمرّ الاعتداءات. وفضلاً عن ذلك، لن تنسحب القوات الإسرائيلية من النقاط التي احتلتها في الجنوب بعد وقف إطلاق النار أحادي الجانب كما أكّد عدة مسؤولين إسرائيليين. إذاً، يمكننا اختصار اقتراح برّاك للشعب اللبناني ودولته بالمعادلة الآتية: الإذلال واقفين أو الإذلال منبطحين، وإن لم تخضعوا فسنعمل على إثارة الفتن والحرب الأهلية.

 فضلاً عن ذلك، صرّح برّاك قبل أسابيع بأنّ: “طرفاً يريد الهيمنة وطرفاً يجب أن يخضع والسلام وهم”. ما يقوله برّاك هو أنّ شريعة الغاب هي البوصلة وسيدة الموقف في “إسرائيل” والولايات المتّحدة، ولا داعي للجوء إلى القوانين الدولية، فالأمم المتحّدة معهما. إنّ الجزرة الأميركية تترافق مع العصا الإسرائيلية، ولا مهرب من كليهما.

في عالم برّاك لا مَحلَّ لتسويةٍ عادلةٍ في المنطقة؛ فثمّة ساحة يهيمن عليها طرف، ويُفرض فيها على آخرين مصيراً ومستقبلاً ضيّق الأفق، فيكونون بمثابة فريسةٍ تتآكل كلّما شاء المفترس الأقوى الاعتداء عليها. هذا هو “الشرق الأوسط الجديد” الذي تريد واشنطن رسمه لصالح “إسرائيل”.

مع خسارته مصداقيّته يوماً بعد يوم، يبدو فعلاً أن برّاك لم يستمع إلى تصريحات الوزير غسان سلامة الذي نصحه بقراءة تاريخ لبنان المعاصر قبل التحدّث عنه، بل تجاهلها بكبريائه المعروف وتعنّته واستمرار تصريحاته المهينة التي تكشف جهل السفير الأميركي في تركيا رغم أصوله الزحلاوية في الصورة النمطية التي يريد إظهارها، ويحرّكها ذهنه العقاري. اقترح برّاك أن تكون المفاوضات بين الطرفين مباشرة بهدف صياغة “تسوية” تشبه إلى حدّ بعيد اتفاقية 17 أيار التي حاولت “تل أبيب” وواشنطن فرضها على لبنان بين أيلول/سبتمبر 1982 وشباط/فبراير 1984 حين أسقطتها المعارضة إبّان عهد أمين الجميل، والمتمثّلة آنذاك بحركة أمل والحزب التقدّمي الاشتراكي وحلفائهما من “المرابطون” والقوميين والشيوعيين والإسلاميين بدعم سوري وسوفياتي وإيراني.

عبرة تلك المرحلة أنّه في ذروة احتلال الجنوب اللبناني من “الجيش” الإسرائيلي، لم تتمكّن واشنطن و”تل أبيب”، على الرغم من كلّ ما امتلكتاه من نفوذ ووسائل ضغط، من فرض التطبيع على لبنان. فعلى الرغم من التهديدات والاغتيالات، وتصويت المجلس النيابي على اتفاق السابع عشر من أيار، حين كانت الغالبية الساحقة من النواب على استعداد لتلبية المطالب الأميركية والإسرائيلية، ظلّ التطبيع عصيّاً عليهم.

كانت الظروف يومها أكثر ملاءمةً لهما بكثير، ومع ذلك سقط الاتفاق في مزبلة التاريخ، قبل أن ينبشه برّاك من جديد، ظانّاً أنّ ما لفظه اللبنانيون يومها يمكن أن يُفرَض عليهم اليوم. لكنّ دروس التاريخ تُكشَف لمن يقرأه.

المستوطن الذي لم ولن يشبع، لا يريد احتلال الأرض وطرد سكانها فقط، بل يطمح أيضاً إلى إلغاء ثقافتهم ومحو تاريخهم إن لم يتمكّن من نهبه. فكما كان يقول الإمام موسى الصدر، للمعركة طابع ثقافي فريد ومميّز: المقاومة مسيرة ذات حدّين: سيف وقلم، وبالتالي فإنّ التاريخ ساحة يقاتل فيها وعليها ولها، وتترتّب عليه رهانات ضخمة. والمفارقة أنّ من يهدّد بأشباح الماضي لا يعرف أركانه وفصوله، والحقيقة أنّ برّاك وأمثاله يجهلون معنى التاريخ، وتحديداً تاريخ الحرب الأهلية في لبنان التي يلوّحون بها، وليس لديهم أدنى فكرة عن أسباب اندلاعها ومجرياتها وتداعياتها، ولا يدركون من تصدّى لها، ولا من أذكى نار الفتن الداخلية لاستمرارها!

أمام هذا الاستخفاف بالتاريخ وبالشعوب والتهديد بحرب أهلية جديدة في لبنان، من المفيد إلقاء نظرة تاريخية موجزة على رؤية السيد موسى الصدر، الذي يُعدّ أكبر محرّك للنهضة الشيعية اللبنانية في نهاية الستينيات والسبعينيات. فهو لم يكتفِ ببذل جهود من أجل إيقاف الحرب الأهلية التي اندلعت في العام 1975 بل ثبّت أنّ التجربة اللبنانية بذاتها رسالة حضارية تمثّل نموذجاً نقيضاً لـ”إسرائيل” العنصرية.

ومن اللافت للنظر أنّ الصدر الذي تميّز بوقوفه في وجه الصراع الداخلي، كان البذرة التي أنبتت “الثنائي الشيعي” الذي تسعى واشنطن و”إسرائيل” لقهره اليوم ولو بواسطة حرب أهلية دموية. فالهدف هو إخضاعه بالقوة خوفاً من تمدّد حركة المقاومة المتضامنة مع الشعب الفلسطيني والتي عرقلت إجرامها في إبادة غزة ولو بشكل محدود ومؤقت. إذاً، من المفيد التأمّل في ملامح معارضة الصدر للحرب الأهلية التي يلوّح بها برّاك، وعلى وجه الخصوص تجاه شعار “عزل الكتائب”. إذ صاغ الصدر تحالفاً استراتيجياً بين “المحرومين من أرضهم” و”المحرومين على أرضهم”، وتحديداً بين حركة أمل وحركة فتح وتيارها الطلابي، لماذا رفض شعار “عزل الكتائب” الذي رفعه اليسار والعمليات العسكرية المترتّبة عليه بعد 13 نيسان/أبريل 1975 والتي أدارتها القوات المشتركة؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من استيعاب رؤية الصدر في ما يتعلّق بلبنان والتي أوضحها باكراً، على سبيل المثال عام 1962 أي بعد سنوات قليلة من وصوله إلى البلاد، عندما شرح أركان التشيّع والمرجعية لجمهور “الندوة اللبنانية” التي أسّسها ميشال أسمر، أي أمام مفكّرين مسيحيين ومسلمين وعلمانيين: “قالوا بلسان محمد (اختلاف أمتي رحمة).. والحقيقة أنّ التفاوت في الرأي وفي الأديان من أهمّ أسباب الحركة الفكرية وعدم الجمود.. ونحن في لبنان، في هذه اللوحة النموذجية.. نتمكّن بكلّ سهولة أن نعبّر عن هذه الرسالة الإلهية السامية”.

هذا المعمّم الآتي من قمّ والنجف، والذي امتاز عن غيره بانفتاحه واستيعابه لتحدّيات عصره، رأى شيئاً فريداً من نوعه في لبنان. عدّ لبنان نموذجاً حضارياً واجتماعياً وسياسياً متناقضاً تناقضاً تاماً مع الكيان الإسرائيلي، لا بدّ من تقويته وتطويره على الرغم من عيوبه ومشكلاته المعروفة التي حاربها وسعى إلى إصلاحها.

كما ناشد الصدر ورفاقه ومؤيّدوه عبر الصحف والتظاهرات والاجتماعات من أجل دفع الدولة إلى تحمّل مسؤوليتها في ما يتعلّق بالدفاع عن الحدود الجنوبية وتنمية المناطق المهمّشة في الأرياف وضواحي بيروت، إضافة إلى إصلاح خلل نظامه الطائفي، بل في الوقت نفسه دافع عن لبنان بكلّ طاقته بما يمثّل من رسالة حضارية تساهم مساهمة كبيرة وملموسة في مقاومة “إسرائيل” بوجودها فقط، وذلك عبر تعايش جميع طوائفه وتفاعل مكوّناته المختلفة.

 بالنسبة إلى السيد موسى الصدر كان لبنان يمثّل النموذج المعاكس تماماً للنسق الإسرائيلي وللتسلّط العنصري القائم فيه، كما صرّح لجريدة النهار في 8 أيار/مايو 1975: “إنّ القضية الفلسطينية في أبعادها هي قضية لبنان، بل هي قضية لبنان في الدرجة الأولى، لأنّ الأخطار الناجمة عن وجود دولة عنصرية إلى جوار لبنان الوطن، تجعل من كيان إسرائيل خطراً مستمرّاً على لبنان.. ولأنّ هيكلية الحكم في لبنان وهيكلية الحكم في إسرائيل تتناقضان ولا يمكن تعايشهما..”.

كما تؤكّد “إسرائيل” نفسها منذ تأسيسها، فإنّ هذه “الدولة” قامت على هيمنة مكوّن طائفي واحد على حساب الطوائف والإثنيات الأخرى، التي لا يُسمح لها سوى بشغل مناصب رمزية وهامشية في الهيكل السياسي والعسكري، بينما تبقى السلطة الفعلية محصورة في يد فئة واحدة فقط.

 تحدّث الصدر كثيراً عن هذا الكيان وأسسه وخطورته، وشدّد على أهمية لبنان الحضارية في وجه هذا المشروع الاستيطاني الذي يفرض هيمنة فئة مستوردة على كلّ أبناء الأرض الأصليين.

أمام هذه التحدّيات دعا إلى التعاون بين المسيحيين والمسلمين، والتنسيق بين اللبنانيين والفلسطينيين، من أجل مقاومة هذا الاستعمار. على سبيل المثال في مقابلة لمجلة “الأسبوع العربي” البيروتية في 5 أيار/مايو 1975 قال: “الانفجار ليس في مصلحة أحد، إلا العدو الصهيوني.. هذا الصراع الطموح وعملقته في لبنان، ورسالته الحضارية تفرض عليه تبنّي القضية الفلسطينية أمام التحدّيات الصهيونية عالمياً.. إسرائيل، بكيانها الصهيوني، خطر على لبنان ومستقبله واستقراره السياسي وازدهاره الاقتصادي، وحتى على استقلاله وحدوده، فبقدر ما يشكّل الوجود الصهيوني خطراً على القضية الفلسطينية يشكّل خطراً على القضية اللبنانية”.

“ثم إننا في لبنان مسلمين ومسيحيين، ضدّ تهويد القدس وفلسطين فلنا فيها مقدّسات وحرمات. ونحن المؤمنين نرى في عمل إسرائيل، حين تقول إنها تنفّذ وعد الله بالنار والدمار والظلم والطغيان، خروجاً على كلّ تعاليم الله المقدّسة”.

اجتمع الصدر في رؤيته عن لبنان مع كمال جنبلاط، الزعيم التاريخي للحركة الوطنية، الذي رأى أيضاً في هذا البلد نموذجاً يتناقض مع الكيان الإسرائيلي كما كتب في كتابه “من أجل لبنان”.

وانطلاقاً من هذه القناعة، رفض الانخراط في الحرب الأهلية بعد الاعتداء على ركاب “البوسطة” في عين الرمانة في 13 نيسان/أبريل 1975 وناشد من أجل توجيه جميع البنادق إلى الجنوب. استنكر الجريمة وطالب بمحاكمة المسؤولين، ولكنه رفض شعار “عزل الكتائب” الذي رُفع في 16 نيسان من قبل اليسار والانخراط في المعارك من أجل الحسم العسكري الذي اعتمدته “الحركة الوطنية” كورقة عمل في بداية الحرب. اعتبر الصدر أنّه لا يمكن استبعاد أيّ مكوّن سياسي أو طائفي رئيسي من المشهد الوطني، وأنّ الحوار يبقى السبيل الوحيد لحلّ الخلافات بين اللبنانيين. في منطقه، لم يكن ممكناً أن تستقرّ البلاد وأن تُعالج مشكلاتها مع محاولة إقصاء مكوّن أساسي عن الساحة، وعن المشاركة في السلطة.

بين عامي 1969 و1975، ولا سيما خلال المهرجانات والتجمّعات التي نُظّمت عام 1974 في إطار انطلاقة حركة المحرومين، مارس الصدر ورفاقه ضغوطاً متواصلة على الدولة لدفعها إلى تحمّل مسؤولياتها، ولم يتردّد بالدخول في مواجهات سياسية وكلامية حادّة مع السلطة. غير أنه، في كلّ مرة شعر فيها بأنّ خطر المواجهة الداخلية بات وشيكاً كما حصل أثناء التحضير لمهرجان بيروت الذي كان من المزمع تنظيمه في العاصمة في 19 تشرين الأول/أكتوبر 1974، آثر التراجع وألغى المهرجان، وسلك طريق الوساطات والحوار سعياً إلى إعادة التهدئة وتفادي انفجار العنف. المجال الوحيد الذي رفض التراجع والتسوية فيه كان الدفاع عن الجنوب وسكانه.

وعلاوةً على ذلك، بعد تفاقم الأوضاع واستمرار المعارك الداخلية، ترّأس الصدر اعتصاماً كبيراً في مسجد الصفا في الكلية العاملية في بيروت في نهاية حزيران/يونيو وبداية تمّوز/يوليو 1975 من أجل وقف الحرب وإعادة الحوار وحصل في مبادرته تلك على دعم رجال دين وسياسيين ومفكّرين عديدين من كلّ الطوائف والميول السياسية، ناهيك عن أطراف كثيرة من المجتمع المدني مثل “تجمّع سكان كفر شوبا” وغيره. حينها نُشر كلام الصدر في مجلة “روز اليوسف” المصرية في 2 تمّوز/يوليو) 1975: “لو اتجهنا نحو الجنوب لما حدث ما حدث اليوم في بيروت.. عندما ننصرف عن القضايا المرتبطة بكرامة الوطن تتضاعف مشكلات الداخل”.

 دعا السيد موسى الصدر إلى تحسين أوضاع النظام اللبناني لا إسقاطه، على الرغم من عيوبه. أولويته بعد اندلاع الحرب كانت إيقافها: إطفاء الحريق ونزف الدم.

 وإذا كان لبنان قد شهد عواصف منذ تأسيسه، تمحورت حول إعادة توزيع النفوذ والثروات بين مكوّناته السياسية والطائفية والاجتماعية والطبقية المتعدّدة، فإنّه لا يمكن الوصول إلى صيغة سياسية مستقرّة ومستدامة فيه من دون حوار وتوافق وتفاعل بين جميع الأطراف. أما في “إسرائيل”، فيُفرض الواقع السياسي فيه من قِبل المكوّن الاستيطاني، الذي يحتكر الحقوق السياسية والمدنية والسلطة الحقيقية.

“ع س” أحد مؤيّدي الصدر الذي أُصيب في انفجار معسكر عين البنية في تمّوز/يوليو 1975 يتذكّر مجيء الصدر إلى البقاع من أجل وقف الاعتداءات على القرى المسيحية التي هوجمت من قبل بعض المسلحين والفصائل، ويحدّد رؤية قائده تجاه السلاح والصراع الداخلي: “إنّ الإمام كان معارضاً للصراع الداخلي وللطائفية وللحرب الأهلية. لم يقبل أن يُوجّه السلاح إلى الداخل.. كان الإمام يقول: السلاح، متى، أين ولماذا؟ إنّ هذه المقولة تختصر كلّ شيء”.

 إنّ هذا التوجّه لحركة أمل في انطلاقتها، حدّده أيضاً أحد مساعدي الصدر الكبار، الشيخ محمد يعقوب، عند ما قال في خطاب يوم شهيد أمل في أيار/مايو 1976: “إننا نقاتل من أجل الإنسان، الوطن، وهو الإنسان الجماعة، نقاتل لحمايته من الاعتداء. الوطن وهو الجنوب الحقّ الذي يتعرّض لتجاوزات إسرائيل، وهي الباطل بعينه. من أجل الوطن ودفاعاً عنه وعن إنسانه، نقاتل. من أجل وحدة لبنان، من أجل منع قيام إسرائيل أخرى، أو إسرائيليات تدعم إسرائيل الأم، نقاتل. لكي نمنع تصنيف الإنسان وتحقيره وتشويهه تحت كابوس الفكر الإسرائيلي العنصري، الذي يتكوّن هنا وهناك في حالة التقسيم، نقاتل”.

رفض الحرب الأهلية وتوجيه الطاقات إلى الجنوب وبناء مسار تفاهم وتشارك في الداخل، رغم الشكوك، والجراح، والصور النمطية المتجذّرة لدى كلّ الأطراف. تلك كانت أبجدية الإمام الصدر في لبنان التي حافظ عليها حتى إخفائه. من المفيد أن تُذكر أحرفها، وإن كان تغييبه قد منعه من كتابة بعضها، ولا سيّما عندما تحاول القوة العظمى إلغاءها من خلال التحريض على الحرب الأهلية.

تحرير الأرض من المحتلّ وتحرير الإنسان من قيوده الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ومنع أيّ صراع لبناني – لبناني، لبناني – فلسطيني من خلال الحوار والتفاهم، هذه بعض الكلمات التي كان يلفظها “السيد موسى” والتي ما زال يُسمعنا أصداءها في وجه ضجيج الوفود الأميركية وتهديداتها.

تريستان هليون لوني-الميادين

في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، يدخل الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض مسجلاً نقطة تحول جيوسياسية غير مسبوقة. وتندرج هذه الزيارة في تسلسل دبلوماسي حرج، إذ تمثل خطوة تمهيدية في مسيرة التوقيع على اتفاق أمني حدودي مع الكيان الإسرائيلي، وهذا هدف تسعى واشنطن لتحقيقه قبل نهاية العام الجاري.   

 

أولوية دمشق اليوم تأمين الدعم لإلغاء “قانون قيصر”، ما يفتح آفاق الاستثمار وإعادة الإعمار في سوريا. ولكن، ثمة سؤال مطروح اليوم: هل يدخل الشرع البيت الأبيض لتدخل سوريا “نادي اتفاقيات إبراهام”؟

 

الانضمام إلى اتفاقيات إبراهام لا يشترط انسحاباً إسرائيلياً من الأراضي السورية المحتلة يفرض على دمشق ثمناً جيوسياسياً قد لا تستطيع تحمله: التخلي الفعلي عن المطالبة بعودة مرتفعات الجولان إلى السيادة السورية، إلى جانب الصدام الحتمي مع بقايا المحور الإيراني على جانبي الحدود (لبنان والعراق). هذا الأمر يتطلب من دمشق موازنة دقيقة بين المتطلبات الأمنية الإسرائيلية – الأميركية والسيادة الوطنية.

 

أهداف معلنة وأهداف ضمنية

تتركز أجندة زيارة 10 نوفمبر على ملفين رئيسيين: الملف الأمني، حيث يتوقع أن يوقع الشرع اتفاقية رسمية تضفي الطابع الرسمي على عضوية سوريا في التحالف الدولي لمكافحة “داعش”، بقيادة الولايات المتحدة؛ والملف الاقتصادي إذ تسعى دمشق لمناقشة إعادة الإعمار وطلب الدعم الأميركي لرفع العقوبات المتبقية.

في لائحة الأهداف الضمنية، يحلّ مسار التطبيع مع “إسرائيل” في الصدارة. ففي اجتماعهما الأول في الرياض، حثّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشرع على الانضمام إلى “اتفاقيات إبراهام”. اليوم، تكمن أولوية واشنطن في توقيع اتفاق أمني سوري – إسرائيلي حدودي بحلول نهاية العام الجاري. ومتوقع عقد الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة بين سوريا و”إسرائيل” بعد الزيارة، وهذا يرسم تسلسلاً ديبلوماسياً للمرحلة المقبلة، يشير إلى أن الزيارة ليست محطة النهاية، اي أنها لن تشهد توقيعاً على التطبيع الكامل، إنما هي محطة انطلاق للمفاوضات المباشرة. 

 

يستخدم رفع العقوبات الأممية رافعة سياسية مبكرة لضمان استمرار المفاوضات وتلبية المطالب الأمنية الأميركية – الإسرائيلية كشرط للمضي قدماً في إلغاء “قانون قيصر”.

وبالتالي، فإن تسلسل الحوادث المتوقع هو رفع العقوبات (الرافعة) – توقيع اتفاق مكافحة “داعش” (بناء الثقة) – مفاوضات مباشرة تُفضي إلى اتفاق أمني حدودي – احتمال الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية (هدف نهائي).

  

وهكذا، لا ما يشير إلى أن الشرع سيعلن الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية في البيت الأبيض، إنما تُشير المصادر إلى أن الزيارة مخصصة لتثبيت التزام سوريا بالجهود الأمنية الدولية وعقد الجولة التالية من المفاوضات المباشرة بعد الانتهاء من الزيارة.   

 

تحدي الجولان

يواجه الشرع تحدياً مهماً، يكمن في التناقض بين الأساس التاريخي للسياسة الخارجية السورية والمبدأ الذي تقوم عليه الاتفاقيات الإبراهيمية. تمسكت دمشق دائماً، منذ عهد الأسدين إلى اليوم، بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من مرتفعات الجولان المحتلة منذ 1967، وفقاً لمبدأ “الأرض مقابل السلام” والقرار الأممي 242. وأكد الرئيس السوري السابق بشار الأسد في 2009 أن الانسحاب الكامل من الجولان ليس “شرطاً جديداً للمفاوضات بل حقاً مشروعاً”. في المقابل، “اتفاقيات إبراهام” تركز على التعاون الاقتصادي والأمني والديبلوماسي مع إسرائيل من دون أن تفرض عليها انسحاباً من أي أراض.   

 

هذا تباين يضع القيادة السورية الانتقالية في موقف حرج: تخليها عن الجولان يغير مكانة دمشق في المشهد الإقليمي، ويُفقدها ورقة قومية كبرى، وهذا يعني إعادة كتابة العقد الاجتماعي للقيادة الجديدة مع الشعب مقابل فتح أبواب التمويل الغربي، أي دفع ثمن سياسي – سيادي مقابل الكسب الاقتصادي.

 

تبقى مرتفعات الجولان عقبة عسكرية ومائية حرجة أمام أي اتفاق سلام شامل، إذ ترى فيها “إسرائيل” هضبة حيوية لأمنها القومي. فأمنياً، تشكل المنحدرات التي تعلو قمة جبل الشيخ حاجزاً طبيعياً ضد أي تحرك عسكري يأتي إسرائيل من الشرق. وقبل اتفاقية تالهدنة في 1974، كانت المناطق الإسرائيلية المحاذية لبحيرة طبريا معرضة للقصف من المدفعية السورية المتمركزة في أعلى الهضبة. مائياً، تخشى إسرائيل من أن يمنح انسحابها من الجولان سوريا القدرة على تفريغ حوض الماء الحيوي لوادي الأردن، أو تلويثه مثلاً. 

 

سورياً، رغم الانتقاص الغربي من أهمية هضبة الجولان الجيوستراتيجية، فإنها تبقى موقعاً حاسماً في قضايا الحرب والسلام بالشرق الأوسط. والانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم يعني القبول بتجميد المطالبة بهذه الأصول الاستراتيجية مقابل مكاسب أخرى.   

 

قد يواجه التطبيع من دون الجولان رفضاً واسعاً في الشارع السوري، كما يمكن فصائل جهادية سورية أن تستغل القضية لإعادة التعبئة العسكرية ضد القيادة الانتقالية، واتهامها بالتفريط بالحقوق العربية والإسلامية.

 

رفع العقوبات والتمويل الدولي

إن الحاجة السورية إلى التعافي الاقتصادي هو الدافع الأول لانخراط دمشق في مسار التطبيع مع إسرائيل بقيادة واشنطن، بعدما أدت الحرب التي استمرت أكثر من 14 عاماً والعقوبات المشددة إلى انهيار الاقتصاد السوري. فرفع العقوبات يسهل استقطاب التمويل والاستثمار الأجنبي وعودة رجال الأعمال، وخصوصاً “قانون قيصر”. وتتطلع سوريا إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء دولة حديثة، مع إمكانات استراتيجية واعدة في قطاعات الطاقة، ولا سيما النفط والغاز. 

 

يُعد هذا التدفق المالي المنتظر السلاح الأقوى في يد واشنطن وحلفائها الإقليميين. فالتمويل الدولي المرتبط بعملية السلام يستدعي “شفافية مطلقة”، وهذا يوجه ضغطاً كبيراً على حكومة دمشق لمكافحة الفساد الذي نخر هيكل الدولة في العهد السابق، ويستمر في التفشي اليوم. وربط رفع العقوبات والمساعدات بتقديم ضمانات للشفافية وتطبيق إجراءات مكافحة الفساد يضمن أن التمويل سيستخدم بكفاءة في إعادة الإعمار، وهذا قد يعد مبرراً – لو ضعيفاً – للتضحية السياسية المتمثلة في تخلٍّ مؤقت عن المطالبة بالجولان.   

 

فبسبب حاجة سوريا الماسة لإعادة الإعمار والاستثمار، ليس التطبيع مع إسرائيل غاية سياسية، بل شرط أول لفتح مزاريب التمويل. وبالتالي، الانهيار الاقتصادي السوري يدفع نحو الحاجة لرفع قانون قيصر الذي يرتبط مباشرة بالالتزامات الأمنية والجيو-سياسية (مثل التطبيع)، وهذا يدفع القيادة الجديدة لتقديم ضمانات تتعلق بالشفافية ومكافحة الفساد.

غاندي المهتار – النهار

شهد مختلف أنحاء البلاد السورية في الأيام والأسابيع القليلة الفائتة، المزيد من الحوادث والتوتراتٍ الأمنية المنتقلة، بالإضافة إلى المزيد من التوغل الصهيوني في العمق السوري، هذا إلى جانب الأزمات المعيشية المتفاقمة.

فقد تم توثيق بعض التوترات التي تعكس هشاشة الترتيبات الأمنية في مختلف المناطق واستمرار حالة عدم الاستقرار، وهي كالآتي:

دير الزور: هجوم على قسد

هجوم بقذيفة آر بي جي على نقطة لـ”قسد” في قرية أبو حمّام بريف دير الزور الشرقي. شنت عناصر مسلحة مجهولة الهوية الهجوم من الضفة الغربية لنهر الفرات، ولم يسفر الهجوم عن إصابات، وردّت قوات “قسد” على مصادر النيران.

درعا: مقتل عنصر “أمن”

مقتل عنصر من “قوى الأمن الداخلي” في بلدة قرفا بريف درعا، إثر اشتباك مع مطلوب “للقضاء”. ما زال الجنوب السوري يشهد انفلاتاً أمنياً متكرراً وسط تصاعد الاغتيالات والاستهدافات المتبادلة.

القنيطرة : توغل “إسرائيلي”

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي بعدد من الدبابات والآليات، قرب حاجز الصقري القديم على أوتوستراد السلام، واعتقلت شاباً في قرية بريقة. التحرك يهدف إلى تثبيت “منطقة عازلة غير معلنة” من الجولان إلى جبل الدروز.

حلب: مقتل عنصرين من “الجيش”

قُتل عنصران من “قوات الجيش السوري” قرب مدينة الباب شرق حلب بعد استهدافهما برصاص مجهولين. يُعتقد أن الهجوم يحمل بصمات خلايا معارضة أو مجموعات محلية مناهضة للوجود العسكري الرسمي.

فما الخلفية الحقيقية لهذه الحوداث وما سبب تفاقمها؟

هنا لا بد من الإضاءة بإيجاز على التطورات التي شهدتها الساحة السورية في الأشهر الأخيرة الفائتة.

منذ نحو عقدٍ ونصف العقد، حشدت الدول الشريكة في الحرب الكونية على سورية مجاميع الإرهابيين من مختلف أصقاع الأرض، وجاءت بهم إلى البلاد السورية، وبعض الدول المحيطة، لإجراء مهمةٍ محددةٍ، وهي إسقاط الدولة فيها أي (سورية)، ثم تفكيك وحدتها الجغرافية، وتمزيق نسيجها الاجتماعي.

ومع الأسف، نجحت هذه الدول وحققت وتحقِّق الأهداف المذكورة أعلاه. فها هو الجنوب السوري يرزح تحت نفوذ العدو الصهيوني الذي يلامس؛ أي (الاحتلال) العاصمة دمشق.

كذلك دفعت المجازر التي ارتكبتها “جبهة النصرة لبلاد الشام في تنظيم القاعدة” في حق الأقليات الدرزية والعلوية، إلى مطالبتهم بإقامة حكمٍ ذاتيٍ، خوفًا على مصير أبنائهم من القتل والتنكيل وسبي النساء، هذا هو واقع الحال في سورية راهنًا.

في بداية “الحرب الكونية” المذكورة نجحت الدول المسهِمة فيها بتجميع الإرهابيين التكفيريين وتحريضهم على الدولة السورية، وزجهم في الحرب الكونية على الأولى، تحت شعار “إسقاط حكم البعث وإقامة دولة الخلافة الإسلامية”.

لذا ظن هؤلاء الإرهابيون أنهم ماضون نحو إقامة هذه “الدولة”. لكنْ، ما بعد إزاحة حكم الرئيس بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024 ليس كما قبله،  فبعدما سيطرت “النصرة” على قصر الشعب في دمشق، وجلس أبو محمد الجولاني على كرسي هذا القصر، خلع “بزته الجهادية”، وشذَّب لحيته و”هذبها”، ولبس لبوسًا إفرنجيًّا مع ربطة عنق، ليطل على الرأي العام، بوصفه “رجل دولة” لا “أميرًا داعشيًّا” كما هي حقيقته.

و”أنه في صدد بناء دولةٍ مدنيةٍ”؛ أي أنه تخلى عن “مشروع إقامة دولة الخلافة في الشام”. وفي شكلٍ أوضح، فقد خدع الجولاني مختلف المجموعات التكفيرية المسلحة التي ناصرته في حربه الإرهابية على سورية وشعبها، في سبيل إقامة “إمارتهم الوهابية”، غير أن زعيم “النصرة” خذلهم، لا بل أكثر من ذلك تبنى شخصيًّا مهمة القضاء عليهم، لتلميع صورته أمام الأوروبيين والمجتمع الغربي عمومًا، وبدا ذلك جليًّا بعد الهجوم الذي شنّه ما يسمى بـ “الأمن العام” التابع للجولاني، على مقر ما يعرف بـ “كتيبة الغرباء” أو “الكتيبة الفرنسية” في منطقة حارم الواقعة في شمال- غرب محافظة إدلب.

وقد تكون هذه بداية حرب الجولاني على أنصاره، في ضوء فتور العلاقات بين الدول الأوروبية و”سلطة دمشق” الراهنة، في انتظار إلتزام الجولاني “بتعهده”، بعدما ترددت معلومات عن تقديمه تعهدًا أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالتخلص من الإرهاربيين الأوروبيين وبخاصة الفرنسيين، بالتالي منعهم من الذهاب إلى أوروبا عبر البحر، كذلك محاسبة المسؤولين عن مجازر السويداء في الصيف الفائت. وهذا ما أجج الحوادث الأمنية المتنقلة على امتداد الأراضي السورية.

“ولا ريب أنها مرشحة إلى مزيدٍ من التأجيج والتوسع، بعد رفض الصين في مجلس الأمن شطب اسم الجولاني من قائمة التنظيمات الإرهابية، قبل إيجاد حل للإرهابيين الإيغور-التركستان الموجودين في سورية، والذين عاثوا بدورهم إرهابًا في شمال- غرب الصين، وقد يعودون إليها ولو أن هذا الاحتمال ضئيل، إلا إذا لقَوا مصير الكتيبة الفرنسية عينه، ما قد يدفع إلى مزيدٍ التوتيرات الأمنية، والاشتباكات بين “ثوار الأمس”، بالتالي تمديد مرحلة اللا استقرار في هذا البلد “، بحسب رأي مرجع سياسي سوري.

بالانتقال إلى الوضع الاقتصادي، خاصة حول تصريحات الجولاني عن جلب الاستثمارات إلى سورية، تؤكد مصادر سورية عليمة أنْ “لا بيانات مصرفية، ولا تدفقات مؤكدة، ولا زيادة في الاحتياطي، والحديث عن “الاستثمارات في سورية” لَأقرب إلى “تقدير دعائي” ضمن خطاب سياسي يهدف إلى ترسيخ صورة بلد يتعافى، أكثر من كونه يعكس حقيقة مالية”.

وتلفت المصادر إلى أن “الجولاني أعلن في الرياض، وأمام جمهور من المستثمرين والمسؤولين الدوليين أن بلاده “استقطبت نحو 28 مليار دولار من الاستثمارات خلال الأشهر العشرة الماضية، لكنَّ تتبُّع أصل الـ28 مليار دولار يقودنا إلى خلاصة بسيطة مفادها، أن الرقم ورد في الخطاب، لكنه غاب عن البيانات، وهو انعكاس لطموح سياسي أكثر منه إنجاز اقتصادي”.

حسان الحسن-العهد

في أعقاب حرب 5 يونيو/ حزيران 1967، ودخول القوات الصهيونية إلى الجولان، لاحظ بعض الفاعلين والقيادات الدرزية في مجدل شمس أن القوات الصهيونية تسعى لإفراغ الجولان من السنة والمسيحيين والإبقاء على الدروز فقط، الأمر الذي دفعهم إلى التشكيك في نوايا الكيان الصهيوني من هذا التدليل للدروز خصوصاً، وعلى رأسهم القيادي الدرزي كمال كنج.

يقول الكاتب محمد خالد قطمة في كتابة ” قصة الدولتين المارونية والدرزية مع الوثائق والمستندات “، أن الصهاينة في أعقاب حرب 1967، حاولوا التواصل مع زعماء دروز في مجدل شمس، ولا سيما الزعيم كمال كنج، عضو البرلمان السوري السابق، ورغم رفض الأخير أكثر من مرة فإنهم نجحوا في التواصل معه في النهاية تحت ضغط التهديد في حال لم يحصلوا على التعاون اللازم، ومع نصائح من الشيخ طريف شيخ عقل دروز فلسطين المحتلة بعدم الصدام خوفاً من الترحيل.

قام وزير الدفاع موشي دايان ووزير العمل إيغال ألون بعرض مشروع تأسيس إمارة درزية تحت رعايتهم على كمال كنج أبو صالح. ويذكر الكاتب أن كمال كنج قرر مجاراة الصهاينة والاستعانة بأحد المثقفين الدروز في لبنان وهو كمال أبو لطيف (ضابط سابق في الجيش السوري) كممثل عن دروز لبنان، حتى يتمكن من الحصول على الوثائق اللازمة لفضح المشروع وإفشاله.

 يشير الكاتب إلى أن كلاً من كمال كنج وكمال أبو لطيف، عقب حصولهما على كل المعلومات الضرورية حول المخطط الصهيوني، توجها إلى لبنان وتم إبلاغ كمال جنبلاط بتفاصيل المشروع الصهيوني لتفتيت كل من لبنان وسوريا إلى دويلات طائفية وعرقية، عبر التأسيس لدولة درزية في الجولان وجنوب لبنان، دولة علوية في الساحل السوري، دولة مسيحية في لبنان، دولة سنية في الداخل السوري وطرابلس ودولة كردية في الشمال السوري. بدوره، قام كمال جنبلاط بإبلاغ الزعيم جمال عبد الناصر بما توفر لديه من معلومات، كما قام كمال أبو لطيف بالتوجه إلى دمشق لإبلاغ عبد الكريم الجندي، رئيس شعبة المخابرات آنذاك بالمشروع.

 ومع تسريب المعلومات لوسائل الإعلام العربية، وإعلان كل من سوريا والعراق والأردن تشكيل الجبهة الشرقية تحت قيادة أحد الضباط المصريين، ومحاولة سد المحاور التي وردت في المشروع الصهيوني، أدرك الكيان أن خطته تم فضحها، فقام بإلقاء القبض على كمال كنج ومحاكمته في محكمة عسكرية التي عاقبته بالسجن 208 سنوات في سنة 1970، واغتيال كمال أبو لطيف لاحقاً في بلدته عيحا.

 الملاحظ أنه في الفترة نفسها التي شهدت مشروع التأسيس لدولة درزية، برز مشروع أميركي لتأسيس منطقة اقتصادية في الجولان وجنوب لبنان، وتم طرح المشروع على الرئيس اللبناني شارل حلو الذي قام برفضه، بالرغم من الأزمات الاقتصادية التي تعرض لها لبنان في هذه الفترة بعد أزمة بنك انترا 1966 وتزايد حزام البؤس حول العاصمة اللبنانية.

 الآن، وعقب سيطرة الكيان الصهيوني على مناطق واسعة من الجنوب السوري ومن بينها الجولان، يظهر مشروع المنطقة الاقتصادية بواسطة الأميركيين مرة أخرى، والذي يستهدف الجولان والجنوب اللبناني.

 ترجع قصة هذا المشروع الحديث إلى كانون الثاني/يناير من عام 2020 الذي طرح فيه ترامب ما يطلق عليه “صفقة القرن”، والتي تضمنت:

1-  الاعتراف الأميركي بسيادة الكيان الصهيوني على الجولان المحتل (تم في 2019).

2- اقتراح إقامة منطقة اقتصادية تنموية مشتركة في الجولان وجنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة، تدار بالشراكة بين الكيان الصهيوني ورأس المال الخليجي (الإمارات والسعودية خصوصاً).

3-  ربط هذه المنطقة بممرات تجارية ومشاريع طاقة ومياه تمتد حتى الأردن والخليج.

4- طرحت “صفقة القرن” ممرات تجارية من حيفا نحو البقاع الغربي تمر بمناطق درزية ومسيحية متجنبة الجنوب ذا الغالبية الشيعية، في محاولة للالتفاف الاقتصادي حول المقاومة الإسلامية والعاصمة السورية دمشق (في فترة نظام البعث العربي).

 والملاحظ أن المناطق التي حددتها إدارة ترامب للمنطقة الاقتصادية تتطابق مع الامتداد الجغرافي الذي طرحته خطة الدولة الدرزية السابق ذكرها، بمعنى أن هذا المشروع الاقتصادي لم يكن منفصلاً عن مشروع الدولة الدرزية، بل مجرد إعادة تسويق ناعم لهذا المشروع الطائفي بصيغ اقتصادية ومدنية.

 لكن، يبدو أن بعض تفاصيل هذا المشروع تغيّرت مع أحداث “طوفان الأقصى”، إذ توقّع كل من الأميركيين والصهاينة أن قوى المقاومة صارت في وضع أضعف عقب استشهاد قائد المقاومة السيد حسن نصر الله (قده)، وسقوط نظام حزب البعث العربي في سوريا، بما يمكنهم من عمل بعض التعديلات التي تفيد الكيان الصهيوني وتمكّنه من خلق مناطق عازلة في مواجهة كل من سوريا ولبنان.

 في زيارة للوفد الأميركي إلى بيروت والذي ضمّ توماس براك ونائبته مورغان أورتاغوس والسيناتور الأميركي ليندسي غراهام، تم طرح مشروع تأسيس منطقة اقتصادية عازلة في جنوب لبنان لجذب الاستثمارات وخلق فرص عمل، بحسب العرض الأميركي، وسوف يقترن المشروع بترحيل السكان ذوي الغالبية الشيعية، وخاصة قرى: الخيام، كفر كلا، مركبا، العديسة، عيتا الشعب، حولا، طير حرفا، ميس الجبل، بليدا، عيترون، يارون، الضهيرة، الناقورة، يارين، مروحين.

ومع العرض الأميركي، أعلنت كل من السعودية وقطر عن إطلاق مشروع منطقة اقتصادية مشتركة في جنوب لبنان، يهدف إلى جذب الاستثمارات وخلق آلاف فرص العمل في قطاعات الصناعة والخدمات والزراعة، بما يعني أن الدولتين شريكتان في المشروع الأميركي، وقد اعتبرت الدولتان أن المشروع يأتي ضمن حزمة حوافز تهدف إلى تشجيع عناصر حزب الله على التخلي عن العمل العسكري، توازياً مع الخطة التي يعمل عليها الجيش اللبناني لنزع السلاح.

 لكن القصة هكذا غير مكتملة، فالمنطقة الاقتصادية لن تقتصر على الجنوب اللبناني، وإنما ستبدأ من الجولان الغني بمصادر الطاقة والمياه ليمتد إلى جنوب لبنان كي يصل إلى البحر المتوسط، وكان الوصول إلى البحر المتوسط وإقامة ميناء من شروط المساهمين في المشروع ومن بينهم قطر والسعودية. وفكرة حصول الأميركيين على حق استخراج الطاقة من الجولان ليست حديثة، وإنما بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي ورفضها إسحق رابين، الذي أراد منح السوريين إشارات بحسن نواياه في السلام.

 وبديهي أن المشروع إذا كان سيخضع للأميركيين، فإن حمايته أمنياً ستكون على عاتق الأميركيين كذلك، بما يعني دخول قوات أميركية إلى منطقة الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، وهنا يجب أن يطرح التساؤل حول طبيعة السكان والعمال الذين سيوجدون في المنطقة من الجولان إلى جنوب لبنان والبحر المتوسط؟! وهل سيشمل السكان الصهاينة؟ لم يتم توضيح هذه التفاصيل من المشروع، لكن اقتران المشروع بطرح مسألة تأسيس كيان درزي في الجنوب السوري يشير إلى احتمالات امتداد هذا الكيان إلى جنوب لبنان والشوف عبر المنطقة الاقتصادية كأمر واقع.

 لكن، هل مشروع الدولة الدرزية الجديد هو المشروع القديم نفسه؟

 الواقع أن المشروع القديم كان يستهدف منح الكيان الصهيوني هوية وشرعية للبقاء عبر تفتيت المنطقة إلى دويلات طائفية وعرقية مشابهة لطبيعة الكيان ذاته، لكن المشروع الجديد لا يحتاج الآن إلى هذه الكيانات من أجل الشرعية وإنما من أجل الوصاية عليها، فمثل هذه الكيانات سوف تكون تابعة وتحت إشراف الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ذاته، وهذا لن يمنع من أن يتم بناء مستوطنات صهيونية في أماكن هذه الدويلات، وهو ما يطالب به اليمين الصهيوني حالياً، كما تبرز تصريحات بعض الوزراء الصهاينة بضرورة الوصول إلى نهر الليطاني في صيدا، وهو طلب كانت الحركة الصهيونية تلحّ عليه منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.

 لماذا البدء بالدروز؟ يدرك الكيان الصهيوني أن الشام عموماً تحمل تنوّعات طائفية وعرقية كثيرة، لكن الميزة الأساسية للدروز كطائفة أنهم لا امتداد لهم خارج الشام، على العكس من باقي الطوائف الإسلامية والمسيحية، فالموارنة والروم الأرثوذكس لهم امتدادهم في أوروبا، بينما يمتلك السنة امتداداً كبيراً في العالم الإسلامي، وهناك امتداد للشيعة في العراق وإيران، ويمتلك العلويون (فرع من الشيعة الإثني عشرية) امتداداً في تركيا ذاتها وإيران وأذربيجان ومناطق في أوروبا كمقدونيا وألبانيا. لكن الدروز كطائفة غير تبشيرية لا يوجد امتداد لها خارج الشام، وبالتالي يشعر الدروز، نتيجة بعض الدعايات السلفية، أنهم كطائفة مرفوضة من الناحية العقائدية من المحيط الإسلامي ومهددة في وجودها. وبالتالي، فإن الاعتماد على الدروز، بحسب وجهة النظر الصهيونية، يمثل الوجهة الأبرز كحائط صد في مواجهة الرفض الإسلامي السني والشيعي للوجود الصهيوني في فلسطين، بالرغم من التراث النضالي والعروبي الكبير للدروز.

 وبالرغم من أن المشروع الصهيوني القديم والحديث يتضمن إقامة دويلة مسيحية في لبنان، إلا أن التجربة السابقة (الفرنسية والصهيونية) أثبتت أن هذا المشروع من الناحية الجغرافية يعاني من نقاط ضعف كبيرة للغاية، فهو سيكون محاصراً من قبل المسلمين (سنةً وشيعةً ودروزاً وعلويين) من الجهات كافة باستثناء البحر، كما أنه سيكون فقيراً من الناحية الاقتصادية وغير مدعوم من قبل المحيط المسيحي الأكبر في المنطقة (الروم الأرثوذكس). لكن الامتداد الماروني المعتمد على العالم الكاثوليكي الأوروبي الغربي يمكن أن يمنحهم قوة في مواجهة الكيان الصهيوني لاحقاً، بينما الامتداد الوحيد للدروز لا يتجاوز الامتداد العربي العام، وهو ما يسعى الكيان الصهيوني لإسقاطه عبر استغلال أحداث السويداء.

 ما موقف الدول الخليجية؟

 بالنسبة إلى الإمارات، فقد أظهرت الوقائع مساهمتها الفاعلة في دعم مشروع تقسيم سوريا، وإشعال الأوضاع في السويداء والساحل العلوي، بالإضافة إلى دعمها الكرد في الشمال الشرقي. إذ يتهم العديد من المراقبين دولة الإمارات أنها كانت ضالعة في التحركات التي شهدتها منطقة الساحل ذات الغالبية العلوية، والتي أدّت إلى اشتباكات مع النظام الجديد في سوريا نتج عنها مذابح للمدنيين العلويين، في مسعى واضح لإيجاد حالة انفصالية علوية. كما يشير هؤلاء المراقبون إلى العلاقات بين الإمارات ودروز الكيان الصهيوني، والقيادات الدرزية في السويداء المتفاعلة مع الكيان الصهيوني مثل حكمت الهجري، ناهيك بالدعم الإماراتي لقوات “قسد” ضمن الدعم الأميركي.

 هناك مصالح بالنسبة إلى الإمارات العربية في محاولة إسقاط الحكم الجديد في سوريا، فهذا الحكم يتسم بتوجهات جهادية متطرفة تثير قلق العديد من الحكومات في المنطقة، وعلى رأسها النظم الملكية التي تعاني من مشاكل كبيرة مع الإسلاميين. كما أن النفوذ التركي في سوريا وامتداده إلى لبنان، سوف يدعم النفوذ التركي في كل من ليبيا والسودان، المعتمد على الحركات الإسلامية في الدولتين، ما يهدد الوجود الإماراتي في شرق المتوسط والبحر الأحمر. وبالتالي، تسعى الإمارات لتحجيم الوجود التركي في سوريا كمقدمة لضرب نفوذها في ليبيا والسودان كذلك، وضمن مساعيها لضرب الاتجاهات الإسلامية عموماً.

 على الجانب السعودي، فإن المشروع سوف يساهم في إسقاط فكرة المقاومة في لبنان المقترنة، من وجهة نظر السعودية، بالشيعة. لكن، في المقابل، فإن السعوديين يرغبون في استخدام هذه المنطقة الاقتصادية باعتبارها وسيلة لإيقاف الصراع وتبرير إعلان التطبيع مع الكيان الصهيوني، والأهم استعادة النفوذ في لبنان وسوريا في مواجهة النفوذ التركي والمسعى الإماراتي لصناعة نفوذ خاص في سوريا ولبنان، ويتميز بأنه غير مرتبط بطائفة وأكثر مرونة مقابل النفوذ السعودي المرتكز على الطائفة السنية.

 لكن، هل تستمر السعودية وقطر في هذا المشروع بعد الاعتداء الصهيوني على الدوحة؟

 إن الضغوط التي تمارسها المملكة السعودية وقطر على حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، للقبول بخطة الرئيس الأميركي ترامب للسلام في غزة، والضغوط التي تمارسها المملكة على الحكومة اللبنانية لتجريد حزب الله من سلاحه، تشير إلى أن المملكة وقطر لن تتراجعا عن هذا المشروع، خاصة أنه سيمنح المملكة الفرصة لمنافسة الصعود السريع للإمارات في الشراكة الاستراتيجية مع الأميركيين.

 ما العلاقة بين مشروع الدويلة الدرزية ومشروع ممر داوود والممر الأوسط القادم من آسيا الوسطى؟

 ثمة امتداد جغرافي واضح بين المشروعات الثلاثة، وخاصة المشروعين الأول والثاني. فكلاهما يرتكز على الجولان كنقطة التقاء، كما أن كليهما يستهدف تفكيك البيئة العربية المقاومة للكيان الصهيوني، وإنهاء كل من سوريا ولبنان. وبالتالي، لا يمكن الفصل بينهما، فإذا تم تشكيل الدويلة الدرزية بأي صيغة، وتمرير المنطقة الاقتصادية الترامبية، فسوف تتواصل مع مشروع ممر داوود، وهو بدوره سوف يسعى للتأسيس للكيان الكردي في شمال شرق سوريا والتواصل بينه وبين الكيان الكردي العراقي، ما يعني ربط ممر داوود بالممر الأوسط القادم من وسط آسيا، حيث يصبح الكيان الصهيوني والمنطقة الاقتصادية الترامبية موضع التقاء سلاسل توريد الطاقة والمعادن الحيوية إلى أوروبا والعالم عبر البحر، كما سيربط آسيا الوسطى بالبحر المتوسط بعيداً عن روسيا والصين وإيران ومصر، وحتى تركيا جزئياً.

 وهنا، من الضروري التعرف على الموقف التركي من هذه المشروعات، فالأتراك يرغبون في الحصول على الكعكة السورية كاملة، إذ يدركون تماماً خطورة التقسيم الطائفي والعرقي لسوريا والذي سيمتد إليهم، كما يدركون أهمية السيطرة على لبنان لدعم سيطرتهم على سوريا.

 ومن الناحية الاقتصادية، فإن نجاح هذه المشروعات الأمريكوصهيونية يمثل منافسة لمساعيهم الدؤوبة لأن تكون تركيا هي فقط موضع التقاء الممرات التجارية التي تنقل الطاقة والبضائع من الشرق إلى الغرب، وفي حال تم تنفيذ هذه المشروعات، فإن تركيا ستعاني من منافسة الكيان الصهيوني لها، خاصة مع بروز مشروع طريق التوابل الهندي والذي سيربط بين الهند والكيان الصهيوني عبر الإمارات والسعودية، كما سيؤثر على أهمية ممر الرفاهية الذي يربطها بالخليج العربي عبر العراق وسيعزلها جغرافيا عن العالم العربي.

 على الجانب المصري، تعد مصر من أكبر المتضررين في حالة إتمام هذه المشروعات، والتي ستقلل كثيراً من أهمية قناة السويس كممر مائي يربط بين الشرق والغرب، خاصة لو قام العدو الصهيوني بإتمام مشروع قناة بن غوريون التي تربط البحرين الأحمر والمتوسط، وقد أعلن عن هذا المشروع بالفعل في 2021، وهي قناة مؤلفة من ممرَين بعمق 50 مترًا وعرض 200 مترٍ على الأقل لكل منهما، أي بزيادة 10 أمتار بالعمق عن قناة السويس، لتستطيع السفن التي يصل طولها إلى 300 متر وعرضها إلى 110 أمتار، من عبور القناة.

وبحسب ادعاءات الكيان الصهيوني، فإن طبيعة الأرض التي ستنشأ عليها القناة صخرية، ما يعني أنها نادرًا ما تحتاج إلى صيانة وتتحمل ضغوطًا قوية، على عكس قناة السويس ذات الطبيعة الرملية وتحتاج دائمًا إلى متابعة ومراقبة. ويرى الكيان الصهيوني أن الوادي المحاذي لقطاع غزة، والذي يمتد من جبل شجرة البقر بالقرب من مستوطنة “سديه بوكر” إلى منطقة الزهراء شمال قطاع غزة يقسم قطاع غزة جغرافيًا إلى قسمَين: شمالي وجنوبي. ولهذا السبب في العدوان الصهيوني الأخير على غزة، تمّ تهجير أكثر من ثلثَي سكان شمال غزة البالغ عددهم نحو 1.1 مليون فلسطيني إلى جنوبها، لأن المنطقة المطلوب إخلاؤها هي منطقة الشمال، وسوف يتم جرف الوادي وتوسيعه ليصبح قناة ملاحية تستوعب حركة الملاحة البحرية وتسمح بمرور السفن الكبيرة.

 من المؤكد أن القادة المصريين يدركون خطورة تنفيذ هذا المشروع على الأمن القومي المصري والعربي كذلك، فوجود هذه القناة يعني تهميش كل من مصر وموانئ الخليج العربي في الإمارات والسعودية، وحتى بالنسبة إلى كل من قطر والبحرين، وربما لهذا السبب وجّهت مصر تهديداتها إلى الكيان الصهيوني وعبّرت عن رفضها لمشروع هذه القناة، ومؤخراً أعلنت عن الاتفاق مع السعودية على أن تبقى جزيرتا تيران وصنافير تحت الإدارة المصرية، وكلتاهما قادرتان على إغلاق خليج العقبة، بالإضافة إلى السعي لتنمية إقليم قناة السويس والذي يتضمن 42 مشروعاً. وكانت مصر قد أنجزت بالفعل مشروع حفر قناة السويس الجديدة والذي تم افتتاحه في آب/ أغسطس 2015.

 لكن، هل يتمكن الأميركيون والكيان الصهيوني بالفعل من تحقيق هذه المشروعات؟

من المؤكد أن هناك صعوبات كبيرة تواجه هذه المشروعات، لعل أهمها المعارضة الإيرانية والصينية وحتى الروسية لإتمامه، بالإضافة إلى المعارضة التركية التي أعلنها الرئيس التركي إردوغان مؤخراً، إذ أكد أن تركيا ستقاتل لإبقاء الأراضي السورية موحدة. وهذا هو الموقف المصري كذلك الرافض لأي تقسيم للدول العربية.

 أما الصين فترى أن الولايات المتحدة الأميركية تستهدف من دعم مشروعات كهذه محاصرة دول مجموعة “بريكس”، ومواجهة مبادرة الحزام والطريق (طريق الحرير الجديد) الذي تقوده، كما سيمكنها من التأسيس لمحور منافس يؤدي إلى تقييد مجالات الحركة الصينية في آسيا الوسطى والمنطقة العربية. ومن هذا المنطلق، فإن الرفض الصيني لمثل هذه المشروعات يبدو بديهياً.

 بالنسبة إلى الروس، فإن مشروعهم الأساسي هو إحياء الممر الشمالي المار بأراضيهم من الصين، ويرون أن الممر الأوسط يشكل منافساً لهم، كما أنه يجعلهم معزولين عن التأثير السياسي في آسيا الوسطى، التي تمثل مناطق نفوذ تاريخية لروسيا منذ القرن التاسع عشر. لكن المشكلة الأكبر هي في أنه سيفشل مشروعهم القومي في السيطرة على أسواق الطاقة في العالم.

في المقابل، يقوم المشروع الأمريكوصهيوني على سقوط المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن وتسليم سلاحها، وهو ما لم يتمكن من تحقيقه حتى الآن، بالرغم من ضغوطه على كل من العراق ولبنان، والضربات التي وجهها إلى اليمن وما سبقها من حرب سعودية/إماراتية عليه، والحرب التي يشنها الكيان الصهيوني على غزة منذ عامين.

وبالتالي، يدرك الأميركيون والصهاينة وحلفاؤهم في المنطقة، أنه لا توجد أي إمكانية لتحقيق كل هذه المشروعات إلا بالقضاء على إيران الداعم الأساسي لكل قوى المقاومة في المناطق الثلاث. وهو ما أشار إليه توماس براك علناً عندما أكد أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني سيقضيان على إيران التي تمثل رأس الأفعى، على حد تعبيره.

احمد صبري السيد علي-الميادين

البناء
– خفايا:
استبعد دبلوماسي عربي أن يتمّ توقيع الاتفاق السوري “الإسرائيليّ” خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما يرغب الأميركيون، لأن المفاوضات التي تُجريها حكومة بنيامين نتنياهو تجري عمليًا مع السعودية وتركيا، وما تطلبه “إسرائيل” عمليًا هو أن تكون السيادة لها في سورية، وأن تنال تركيا تركيبة الحكم وتنال السعودية إدارة الاقتصاد، وهذا يعني عمليًا سقوط المشروع التركيّ في المنطقة من جهة وفتح الطريق واسعًا لتكرار المشهد السوريّ في الأردن، والأردن خط تماس مباشر مع السعوديّة. وتوقع الدبلوماسي أن تستمر لغة التفاؤل السورية لدفع تهمة التعطيل عن الحكومة، لكن مع استمرار التمسك بالمطالب التي ترتبط بالسيادة السورية على الأجواء وتقليص منطقة النفوذ “الإسرائيلي” إلى المنطقة العازلة قرب حدود الجولان.

وهذا ما لا يمكن لحكومة نتنياهو القبول به، ما يعني أن التسخين الإقليمي قادم في سورية.
– كواليس: توقع مرجع سياسي بارز في لبنان أن تكون كلمة رئيس الجمهورية اللبنانية عالية النبرة في تحميل “إسرائيل” مسؤوليّة إفشال اتفاق وقف إطلاق النار والانتهاك المتمادي للقرار 1701 مقابل التزام لبنان دولة ومقاومة ببنود القرار والاتفاق، وقال المرجع إن ما تفعله “إسرائيل” بنيّة تأزيم العلاقة بين الدولة والمقاومة على خلفية تحميل المقاومة مسؤولية استمرار وتصعيد الاعتداءات تحت شعار أن عدم تسليم سلاح المقاومة هو السبب بالاعتداءات، قد أدّى إلى نتائج عكسيّة، حيث ثبت صحة ما تقوله المقاومة عن لا جدوى الرهان على التزام “إسرائيل” بالاتفاقيات ووهم الضغط الأميركي على “إسرائيل” وحتميّة امتلاك عناصر القوّة كي تستعاد الأرض ويقف العدوان والحاجة لوضع إستراتيجيّة وطنيّة للدفاع.

الأخبار
علم وخبر

– جنبلاط ينتظر المال السعودي: قالت مصادر إن النائب السابق وليد جنبلاط أبلغ السعوديين، عبر رسائل، بأن المعركة النيابية التي سيخوضها نجله تيمور ولائحته ستكون صعبة من دون تمويل سعودي، في وقت يغدق شيخ عقل الدروز في فلسطين المحتلة موفق طريف المال على عدد من مشايخ الدروز في لبنان، وبعد وصول تمويل إلى الوزير السابق وئام وهاب الذي سيرشح ابنه هادي في الشوف.
– العسكريون المتقاعدون ممتعضون من سلام:اللقاء الذي جمع أعضاء رابطة قدماء القوى المسلحة اللبنانية برئاسة العميد المتقاعد شامل روكز مع رئيس الحكومة نواف سلام، الأسبوع الماضي، خلّف استياء بين أعضاء الرابطة من تعامل سلام معهم. ووفقًا لمطلعين، ضيَّع رئيس الحكومة أكثر من نصف ساعة في بداية اللقاء بتوجيه أسئلة إلى أعضاء الرابطة لا علاقة لها بالقضية التي أتوا من أجلها.

وحين استفسروا عن التوجّه لعدم إدراجهم في سلسلة الرتب والرواتب التي تناقشها الحكومة، فوجئوا بغضب رئيس الحكومة الذي سألهم عن مصدر المعلومة، مهدّدًا بأنه سيفتح تحقيقًا في التسريبات لأن النقاشات الجارية سرية.

كما أبدى سلام استخفافًا بمطالب الرابطة معتبرًا أن تصحيح الأجور الذي يطالبون به “مش مِحرز!”.
 – تهرّب جمركي من رسوم السيارات الفارهة:اكتشفت وزارة المال عملية احتيال تُستخدم فيها “بطاقة معوّق” التي تعطيها وزارة الشؤون الاجتماعية لذوي الاحتياجات الخاصة، وتمكّن حاملها من استيراد سيارة من دون دفع رسوم جمركية، في استيراد سيارات لأغراض تجارية.

وأظهرت البيانات الجمركية أنّ سيارات فخمة من طرازات باهظة الثمن، مثل “فيراري”، استوردت على مثل هذه البطاقات. ولمكافحة هذه الظاهرة المعروفة بين مستوردي السيارات منذ عشرات السنوات، أدرجت الوزارة تعديلًا ضريبيًا في مشروع قانون موازنة 2026، يحدّد سقف الإعفاءات الجمركية المخصّصة لسيارات المعوّقين، وأبرزها ألّا يزيد ثمن السيارة على 20 ألف دولار.

العراق يحلّ مشكلة للمصدّرين اللبنانيين:أسفرت زيارة وزير الاقتصاد عامر البساط للعراق عن نتائج إيجابية في العلاقات التجارية بين البلدين، من بينها السماح بدخول الشاحنات اللبنانية المحمّلة بالبضائع إلى العراق، بعدما كان يُفرض على الشاحنات التي تنقل بضائع إلى العراق أو تمرّ عبره إلى بلد آخر، أن تُفرغ بضائعها وتُعيد نقلها في شاحنات أخرى، ما كان يُرتّب أعباء كبيرة على المُصدّرين اللبنانيين.

– تمييز في التغذية الكهربائية: بعدما باتت وزارة الطاقة والمياه تشرف مباشرة على برامج توزيع الكهرباء، بواسطة مستشار وزير الطاقة بطرس الحدشيتي، لوحظ ارتفاع ساعات التغذية في بعض المناطق إلى نحو 6 ساعات يوميًا موزعة على فترتين، في ما أبقيت في مناطق أخرى على فترة واحدة لا تتجاوز ساعتين إلى ثلاث ساعات.
– القصر يُمسك بمجلس الخدمة؟: أصدرت الحكومة قرارًا بتولي المدير العام لرئاسة الجمهورية انطوان شقير رئاسة إدارة الموظفين في مجلس الخدمة المدنية بالوكالة لمدة سنة.

وإضافة إلى أن القرار شكّل خرقًا للتوزيع الطائفي إذ حلّ موظف ماروني في موقع مخصص لطائفة الروم الأرثوذكس، فقد اعتُبر أيضًا تمكينًا لرئاسة الجمهورية من لعب دورٍ مُباشر في أحد المفاصل الأساسية في القطاع العام، بما يتيح لها التأثير في الترفيعات والتعيينات والمباريات وسائر شؤون الموظفين.

اللواء
– همس:
طلب رئيس الحكومة من الوزراء تخصيص ساعات بعد الظهر لمتابعة دراسة بنود الموازنة حتّى يتم إنجازها وإحالتها إلى المجلس النيابي في موعدها القانوني لأول مرة منذ أكثر من عشرين سنة!
– غمز: من المتوقع تغيير عدد من مجالس إدارة بعض المصالح المستقلة استنادًا إلى تقارير إدارية تشير إلى عمليات فساد في أدائها!
– لغز: تبين أن ٨٦ بالمئة من المودعين في المصارف لا تصل ودائعهم إلى ١٠٠ ألف دولار، ويبلغ مجموعها حوالي ١٢ مليار دولار، من المحتمل أن يتم تسديدها كاملة على مدى ٤ سنوات كحد أقصى!

الجمهورية
– جزم مسؤول حزبي أنّ مشروع قانون يتعلق بالرأي العام وهو قيد التداول والنقاش على مستويات عدة حاليًا، لن يرى النور.
– لوحظ أنّ الحكومة التي تحاول إعطاء انطباع بأنّها تخطو خطوات إصلاحية لم تتصدَّ في المقابل حتّى الآن للاحتكارات والامتيازات والكارتيلات.
– يعتزم أحد الوزراء إقفال إحدى ملفات وزارته خلال هذين الأسبوعين، مع تسديد كامل الحقوق للمواطنين خلافًا لما حاول فعله مدير عام ونائب سابق شمالي.

النهار
– يحرص حزب في لبنان، عاد يتلمس عودته إلى الضوء بعد انكفاء ومرحلة مخاض عسيرة، على تنظيم لقاءات صغيرة تضم نواة من الأصدقاء الشخصيين على أمل إحداث خروق في بعض المجتمعات غير المعادية.
– تشتدّ المحنة على أبواب فتح المدارس مع تناقص المساعدات التي تًقدّمها الاحزاب والشخصيات السياسية التي لم تتلمس بعد مصير الاستحقاق النيابي المقبل وتفضّل أن تتمهّل في صرف المال السياسي.
– اشتد الخلاف بين المجلس الوطني للإعلام وبين نقابة الصحافة حول صلاحية استيعاب المواقع الإلكترونية بما هي صحف إلكترونية أو وسائل مرئية مقروءة عبر الشاشة، وبدا أنّ كلّ واحد يفتّش عن دور له لتبرير بقائه حيًا.
– بدأ بعض إعلام “الممانعة” تهديد “القوى السيادية” بأنّ انفتاح حزب الله على السعودية بما هو انعكاس لانفتاح إيراني سعودي، سينعكس سلبًا عليها.
– التغييرات التي طالت التعبئة الإعلامية في حزب الله تنمّ عن توجه جديد أكثر انفتاحًا على بعض الإعلام المحلي الذي كان يشكو من إبطاء متعمّد في تقديم التسهيلات له.
– يترقّب المجتمع السياسي اللبناني حفل الاستقبال لمناسبة اليوم الوطني السعودي، وما إذا كانت وجوه سياسية جديدة ستحضر المناسبة، وعمّا إذا كان حزب الله يمكن أن يُقدّم التهنئة بالمناسبة.

نداء الوطن
– بعدما “استثمر” رئيس التيار الوطني الحر بالمغتربين ونظَّم أكثر من مؤتمر تحت عنوان “الطاقة الاغترابية”، لفت أن أحد الكتّاب القريبين منه كتب مقالًا تحت عنوان “عيب الأحزاب الاستثمار بالمغتربين”، وجاء هذا التحول بعد ابتعاد مجموعات كبيرة من الاغتراب عن التيار.
– لاحظ مراقبون أن حزب الله لم يعلِّق على كلام الرئيس السوري أحمد الشرع إلى شبكة “سي بي إس” الأميركية والذي قال فيه: “طردنا الميليشيات الإيرانية وحزب الله من المنطقة”.
– الإقالات داخل الوحدة الإعلامية في حزب الله عكست صراعًا سياسيًا بين القيادات الحزبية، تُرجِم صراع نفوذ إعلامي. وتوقعت مصادر رفيعة ألا يقف الصراع عند الإقالات التي تمت.

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24