من المُفارقات التي لا تعكس سوى إصرار رئيس الجمهورية جوزيف عون على المضي في مشروع التطبيع مع العدو، أنه قرّر، في إدارته للمفاوضات المباشرة، حصر هذا الملف بيده، مستنداً إلى غطاء أميركي – سعودي، وإلى المادة 52 من الدستور التي تمنح رئيس الجمهورية حق إدارة التفاوض بالاتفاق مع رئيس الحكومة، من دون الحاجة إلى العودة إلى مجلس الوزراء، إلا عند التوصّل إلى اتفاق يحتاج إلى توقيع، نظراً إلى مفاعيله التطبيقية التي تطاول وزارات ومؤسسات الدولة.
عون، الذي وصل إلى موقعه انطلاقاً من تفويض أميركي – سعودي يتمحور حول المهمة الأساسية التي تطوّع للقيام بها مقابل تنصيبه رئيساً للجمهورية، والمتمثّلة بالقضاء على المقاومة استناداً إلى نتائج الحرب الإسرائيلية على لبنان في نهاية عام 2024، ذهب أبعد من ذلك. فهو، مع علمه بأن لبنان يُدار من وصايات خارجية، توافق مع الأميركيين والسعوديين على صيغة للحكم قادته، أولاً، إلى انقلاب كامل على اتفاق الطائف، عبر تهميش موقع رئاسة الحكومة، مستفيداً من ضعف رئيس الحكومة نواف سلام، الذي تبيّن مع الوقت أنه التزم أيضاً بالعنوان نفسه، أي القضاء على المقاومة.
وعون، الذي يتذرّع بالدستور لتبرير إدارته الحصرية لملف التفاوض، كان يُفترض به، أو بمن يحيط به، أن يدرك أن هذا النص لا يعني أن رئيس الجمهورية هو من يرسم السياسات الخارجية للدولة. فالدستور منحه صلاحية إدارة التفاوض، لكنه لم يمنحه سلطة تقريرية تمسّ سيادة الدولة أو تفرض تعديلات جوهرية على القوانين. وفي جميع المحطات السابقة التي شهدت مفاوضات مع إسرائيل، سواء بعد حربي 1993 و1996، أو خلال ترسيم عام 2000، ومفاوضات القرار 1701 عام 2006، ثم مفاوضات ترسيم الحدود البحرية عام 2022، وصولاً إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية عام 2024، كانت رئاسة الجمهورية شريكاً أساسياً في إدارة التفاوض، حتى في ظل الوصاية السورية – السعودية السابقة، لكنّ رئيس الجمهورية كان يتعاون سياسياً مع القوى الفاعلة في البلاد، وينسّق مع المؤسسات الدستورية المختصّة، ولا سيما رئاسة الحكومة ووزارتي الخارجية والدفاع، في كل ما يتصل بالجوانب القانونية والتنفيذية.
غير أن الرئيس، الذي يتصرّف اليوم بوصفه «القائد المُنقِذ» الساعي إلى استعادة صلاحيات «الرئيس الماروني» التي تقلّصت بعد اتفاق الطائف، لا يهتم أساساً لكل ما هو دستوري وقانوني، منذ كان في قيادة الجيش، وهو ما انعكس علاقة سيئة بكل الوزراء الذين تعاقبوا على حقيبة الدفاع طوال وجوده في اليرزة. فكان يتعامل مع الوزير وكأنه «سرّابة خرج»، تقتصر مهمته على توقيع الملفات الإدارية والمالية التي تخصّ المؤسسة العسكرية، فيما بقيت الصفقات العسكرية التي عقدها بعيدة عن القنوات الرسمية، ناهيك عن الأموال الخاصة التي كانت ترد إلى قيادة الجيش من جهات ودول عربية وأجنبية.
وعند انتقاله إلى رئاسة الجمهورية، لم يتبدّل هذا النهج. وفاقم الأمر انكشاف حقيقة موقفه السياسي، ونزعته الطائفية، ما جعل عهده يخسر، في سرعة قياسية، دعم أو تعاطف غالبية جدّية بين اللبنانيين. وإذا كانت الجماعات السياسية تحسب النسب وفق آليات الدستور، فإن الواقع الفعلي على الأرض يكشف بوضوح أن الرجل، رغم كل الضجيج الإعلامي الذي يقوم به، لا يحظى إلّا بثقة قلّة قليلة، بدعم من مجموعة سياسية – إعلامية – أمنية – أميركية، تعمل انطلاقاً من أميركا والسعودية والإمارات ولبنان.
ولا يبدو عون كمن يريد تغيير مساره، بل رفع في الآونة الأخيرة سقف وصايته على البلاد، متوهّماً بأنّه «أبو اللبنانيين»، وكأنّ أحداً لا يصارحه بحقيقة موقعه، وحدود سلطته، ومحدودية معرفته. وإذا كان المستشارون في أغلب العهود هم من صنف «المطبّلين»، فإن فريق الرئيس الحالي يعطي إشارة إلى حالة من البؤس غير المسبوق في عالم المستشارين، علماً أن سؤالاً واحداً يمكن أن يشرح الكثير: من أين يتقاضى المستشارون رواتبهم؟
عون الذي حُدّد له موعد في البيت الأبيض للقاء «مجنون العالم» دونالد ترامب، يخضع اليوم لتدريب مُكثّف يشتمل على طريقة مخاطبة الرئيس الأميركي، ويحفظ وهو يسير بين المكاتب أو قبل النوم، عبارات من النوع الذي يحاكي نرجسية ترامب، مع إضافات من النوع الذي يقول إنه يحمل صرخة الشعب الذي يريد السلام. غير أنه، في الواقع، ليس في حوزته أي ورقة يمكن أن تكون محل مقايضة مع الرئيس الأميركي. وهو، وإن كرّر غداً الحديث عن سيادة لبنان على كل أراضيه، وطلب انسحاباً إسرائيلياً سريعاً وشاملاً من كل لبنان، وأكّد بـ«حزم» أنه يقود دولة جديدة قادرة على فرض سلطتها بالقوة، ودون مراضاة أحد، يعرف تماماً أنه ما كان ليحظى بموعد مع ترامب، لولا أنه وقّع وثيقة تعطي شرعية للاحتلال الإسرائيلي، لا بل تغطّي كل الجرائم التي يواصل العدو ارتكابها في المناطق المحتلة وخارجها.
وبالطبع، سترافق زيارة عون حفلات الزجل على الطريقة اللبنانية، إذ تتحضّر «المتخصّصة في العلاقات العامة»، المُسمّاة زوراً سفيرة للبنان في أميركا، ندى معوض، لتسويق صورة «الضيف الاستثنائي»، وتتعاون مع اللوبي اللبناني – الصهيوني في العاصمة الأميركية، لحشد أكبر عدد من الشخصيات الرسمية والسياسية والنيابية والإعلامية. لكنّ الأهم، أن عون يسعى منذ الآن، إلى استثمار أي كلمة يقولها ترامب عن لبنان، والتحدّي الفعلي أمامه، هو كيف سيتصرّف في حال قرّر ترامب إدخال الصحافيين خلال استقباله؟ وهل سنكون أمام مشهد مُشابِه لمشهد ملك الأردن أو رئيس أوكرانيا أو رئيس حكومة العراق؟
أمس، أقرّ مجلس النواب قانوناً جديداً لتنظيم الإعلام في لبنان. وستكون الصحافة أمام تحدّيات جديدة، لم يسبق أن واجهتها إلّا في زمن الأجهزة الأمنية ما قبل اتفاق الطائف. ولن يكون غريباً أن يباشر عون تنفيذ «قانون القمع» بتحقيق أهم أحلامه وطموحات مستشاريه بـ«إقفال جريدة الأخبار» بتهمة «خدش الحياء العام»، فشتم التعامل مع أميركا وإسرائيل بات يُصنَّف في خانة «خدش الحياء العام»، في زمن قوم لا صلة لهم بالحياء!
إبراهيم الأمين – صحيفة الأخبار
كتبت صحيفة “البناء”: يتسارع إيقاع الأحداث في المنطقة على نحو يضع الشرق الأوسط أمام مفترق طرق بين اتساع الحرب وعودة الدبلوماسية. فمن الخليج إلى البحر الأحمر، ومن العراق إلى لبنان، تتداخل الملفات العسكرية والسياسية في مشهد واحد عنوانه: هل تنجح واشنطن في فرض وقائع جديدة بالقوة، أم أن ضيق الوقت سيدفعها إلى العودة إلى التفاوض؟
على الجبهة الإيرانية، واصلت الولايات المتحدة خلال الساعات الأخيرة موجة جديدة من الضربات الجوية، استهدفت مواقع في جنوب إيران وعلى امتداد الساحل المطل على مضيق هرمز، إضافة إلى أهداف قرب بندر عباس وقشم، فيما ردت طهران بإطلاق صواريخ ومسيّرات على قواعد أميركية في المنطقة، مؤكدة أن مضيق هرمز «خط أحمر» وأن أي محاولة لفرض أمر واقع فيه ستواجه برد واسع. وفي موازاة التصعيد العسكري، بقيت نافذة الدبلوماسية مواربة، بعدما أشار الرئيس دونالد ترامب إلى أن إيران «ما زالت تريد التوصل إلى تسوية»، رغم تهديده بتوسيع الضربات إذا لم تستجب لشروط واشنطن.
في الأوساط العسكرية الغربية، برزت تقديرات تتحدث عن أن طبيعة الأهداف التي قصفتها الطائرات الأميركية توحي بمرحلة تمهيد قد تسبق محاولات تحرك بري غير مباشر عبر مجموعات المعارضة الإيرانية. وتستند هذه القراءة إلى تقارير عن نشاط مجموعات كردية وبلوشية وعربية، إضافة إلى عناصر من منظمة «مجاهدي خلق» ومؤيدين للنظام الملكي السابق، في مناطق حدودية مع العراق وباكستان. وحتى الآن، لا توجد تأكيدات رسمية على وجود خطة أميركية لعمل بري، لكن الحديث يتزايد عن تفضيل واشنطن استخدام قوى محلية بدلاً من المغامرة بإنزال مباشر قد يوقع خسائر كبيرة في صفوف القوات الأميركية ويبدل المزاج الداخلي الأميركي.
وفي هذا المناخ، تتجه الأنظار إلى خطاب الرئيس ترامب المرتقب، الذي يكتسب أهمية استثنائية لأنه سيحدد ما إذا كانت الإدارة الأميركية تتجه إلى مرحلة تصعيد جديدة أو إلى إعادة فتح الباب أمام التفاوض. وتشير التسريبات إلى أن الخطاب سيخصص أساساً للشأن الداخلي، لكن التطورات الميدانية تجعل الملف الإيراني مرشحاً لاحتلال جزء أساسي من الكلمة.
اتجهت الأنظار إلى اليمن بصورة لافتة بعد خطاب قائد حركة أنصار الله السيد عبد الملك الحوثي، الذي دعا إلى حشد مليونيّ دعماً للمواجهة، ولوّح باتخاذ «قرار حازم» خلال الأسبوع المقبل إذا استمرت السعودية في تشديد الحصار. وأكد السيد الحوثي أن أي تصعيد جديد سيقابل بمعادلة تشمل المطارات والموانئ والمنشآت الحيوية، بينما تحدثت تقارير عن احتمال انتقال المواجهة إلى باب المندب بالتزامن مع توسع الحرب على إيران. ويكتسب هذا التهديد أهمية مضاعفة لأن باب المندب يشكل مع مضيق هرمز أهم شريانين للطاقة والتجارة البحرية في العالم، وأي اضطراب متزامن فيهما ستكون له انعكاسات مباشرة على أسعار النفط وحركة التجارة العالمية.
أما في العراق، فيقترب موعد الثلاثين من أيلول، المحدد لإنهاء الوجود العسكري الأميركي، بالتزامن مع المهلة التي وضعتها الحكومة لاستكمال ملف حصر السلاح بيد الدولة. غير أن النقاش العراقي يتجاوز اليوم مسألة الانسحاب العسكري إلى سؤال السيادة المالية. فبينما تؤكد بغداد أن الاحتلال العسكري يقترب من نهايته، يطالب سياسيون وخبراء بأن يترافق ذلك مع تحرير إدارة عائدات النفط والاحتياطيات العراقية من الآليات التي نشأت بعد عام 2003، والتي أبقت الجزء الأكبر من عائدات النفط ضمن منظومة مالية تخضع لرقابة وتأثير الولايات المتحدة. ويعتبر هؤلاء أن السيادة لا تكتمل بحصر السلاح إذا بقي القرار المالي الاستراتيجي خارج السيطرة العراقية الكاملة.
وفي لبنان، شهد مجلس النواب جلسة عاصفة حول مشروع قانون العفو العام انتهت بتطيير كتلة القوات اللبنانية النصاب، وسط انقسام حاد بين مؤيدين لاستثناء المتهمين بقتل العسكريين من العفو، ومطالبين بشمول جميع الموقوفين، ولا سيما الإسلاميين. وترى مصادر سياسية أن ما جرى يتجاوز الخلاف القانوني، لأنه يهدد بتوسيع الانقسام الطائفي ونقل التوتر إلى الشارع، في وقت تعيش فيه الحكومة قلق تصدع القاعدة السياسية الهشة التي تستند إليها، خصوصاً بعد اتفاق الإطار مع “إسرائيل” وغياب أي إنجازات في الملفات الأمنية والاقتصادية.
وفيما ارتفعت وتيرة التصعيد العسكري الأميركي – الإيراني في مضيق هرمز مع تجميد مذكرة إسلام أباد ومفاوضات سويسرا، تمضي الولايات المتحدة الأميركية في دفع السلطة اللبنانية إلى خيارات سياسية تضرب المصلحة الوطنية وتمنح الاحتلال «الإسرائيلي» هدايا مجانية وجوائز ترضية عن خسائره العسكرية والسياسية والاستراتيجية في الحرب مع إيران ولبنان، فيما لم تحصل السلطة على مكسب واحد في ظلّ مماطلة «إسرائيلية» ومراوغة أميركية في مسألة المناطق التجريبية التي وصفتها مصادر سياسية مطلعة بالتخريبية، واضعة الوعود الأميركية بدفع الجانب «الإسرائيلي» للانسحاب من منطقتين تجريبيتين في إطار ذر الرماد في العيون وشراء الوقت ومنح الاحتلال «الإسرائيلي» مزيداً من الوقت للاستمرار بأعماله العدوانية في الجنوب من قتل وتدمير وتجريف وتهجير وتوغل وتقدّم. وحذرت المصادر عبر «البناء» من مخطط «إسرائيلي» لتكريس وتشريع احتلاله للخط الأصفر وتحويله عبر الزمن إلى منطقة أمنية عازلة وخالية من السكان لإدخالها ضمن الأمن القومي الإسرائيلي، ولبناء مستوطنات ومشاريع اقتصادية تشكل محميات أمنية وبشرية واقتصادية لأمن الحدود من الشمال.
وفي سياق ذلك، كشفت صحيفة «معاريف»، أنّ «قوات الجيش الإسرائيلي بدأت بناء خط من المواقع الدائمة في جنوب لبنان، وقد تؤدي هذه الخطوة إلى تفجير خلاف بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو». وأبلغ وزير الحرب في حكومة الاحتلال يسرائيل كاتس نظيره الأميركي بيت هيغسيث بأن «إسرائيل» عازمة على إبقاء قواتها في «المناطق الأمنية» التي أنشأتها داخل لبنان وسورية وقطاع غزة، بحسب وكالة «فرانس برس».
وسأل مصدر نيابي بارز عما سيحقق رئيس الجمهورية جوزاف عون من زيارته إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي؟ وكيف يوافق على الزيارة قبل تحقيق إنجازات ملموسة على أرض الواقع بالحدّ الأدنى؛ كانسحاب إسرائيلي من قرية واحدة محتلة؟ وإذا كان سيطالب ترامب بالضغط على «إسرائيل» والانسحاب وإعادة الإعمار والنازحين والأسرى، فهذا يعني أنّ المفاوضات فشلت في تحقيق هذه المطالب حتى الآن؟ وإذا كان الأميركي لم يمنح هذه المكاسب للسلطة في لبنان منذ مشاركة السفير السابق سيمون كرم المفاوضات في الميكانيزم حتى الآن، وما بينهما إعلان النوايا ووثيقة الخارجية الأميركية واتفاق الإطار ومفاوضات روما وتطبيقاتها، ورغم كلّ التنازلات الكبرى التي قُدِمَت، فهل سيمنحها بزيارة واحدة وخلوة الدقائق في البيت الأبيض؟ ولفت المصدر لـ»البناء» إلى أنّ الاحتلال لن يقدّم ورقة واحدة قبل الانتخابات الإسرائيلية بالحدّ الأدنى لأنّ ذلك سيؤثر سلباً على شعبية نتنياهو وحكومته. وتوقع المصدر المزيد من التأزيم والتعقيد للمشهد العسكري والسياسي في لبنان.
وعشية اجتماع عسكري إسرائيلي ـ لبناني برعاية أميركية، يفترض أن يعقد افتراضياً (online)، اليوم للبحث في التفاصيل العسكرية وتحديد المنطقتين التجريبيتين بشكل نهائي وتاريخ بدء التنفيذ، سيّر الجيش اللبناني دوريات وأقام حواجز ونقاط مراقبة في بلدات: فرون والغندورية وقلاويه وبرج قلاويه وكفردونين ـ بنت جبيل، قعقعية الجسر ـ النبطية، صريفا ـ صور. في المقابل، أضرم جيش الاحتلال الإسرائيلي النيران في عدد من المنازل والأراضي عند أطراف بلدة بيت ياحون في قضاء بنت جبيل. وتعرّضت بلدة رشاف لقصف مدفعي من عيار 155 ملم، واستهدف الطيران الحربي الإسرائيلي النبطية الفوقا بغارتين، كما استهدف فجراً، أطراف بلدتي برعشيت وبيت ياحون في قضاء بنت جبيل. ونفذت مُسيّرة إسرائيلية غارة بصاروخ موجه مستهدفة حرج علي الطاهر عند أطراف بلدة النبطية الفوقا ما أدى إلى سقوط قتيلين.
في المواقف وعشية زيارة رئيس الجمهورية إلى واشنطن، وجه عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسن فضل الله رسالة إلى عون في تصريح من مجلس النواب، باسم الكتلة، ولفت إلى «أن محاولاتنا مع رئيس الجمهورية لم تتوقف عبر مستشاره وآخرين من أجل الحدِّ من الانزلاقة الخطيرة للعهد كي لا يفقد ما تبقَّى له من دور وطني جامع، وعند كلِّ محاولة للقاء هادف وجاد كان يجهضه بمواقف تصعيدية وتخوينيّة ضدّ شعبنا والإساءة إلى تضحياته الجسيمة، وكنَّا نتغاضى عن هذه الإساءات المتعمَّدة حرصاً منّا على بلدنا وعلى صورة هذا العهد، وكانت آخر المحاولات من قبلنا قبل أيام من الاتفاق المشؤوم، وأبدينا كلَّ حرصٍ على التعاون والإيجابيَّة على قاعدة حفظ السيادة وعدم التفريط بالحقوق، لاستنقاذ العهد والبلد من براثن شرور الرهانات الخاطئة على الخارج، وكي لا يدفع لبنان ثمن وصول هذه السلطة إلى الحكم مقابل الاستسلام الكامل أمام كيان العدو. ولكن كلُّ تلك اللقاءات والحوارات والرسائل الإيجابيّة كانت تلاقي تسويفاً متعمَّداً في إطار كسب الوقت بانتظار مسرحية الإخراج السيّئ لاتفاقٍ أصاب العدو بالذهول لما حصل عليه من مكاسب مجانيّة لم يتمكن من جنيها طوال حروبه ضدَّ لبنان والدول العربيَّة».
وأضاف: «إنَّ معارضة الاتفاق المشؤوم من غالبية اللبنانيين هي معارضة وطنيّة خارج الاصطفافات السياسيَّة والطائفيَّة المعروفة، ولن تنفع محاولات تلميع هذا الاتفاق فنصوصه واضحة، إذ ينهي وجود لبنان كدولة مستقلَّة ويشرِّع الاحتلال وممارساته الإجراميّة، ويستبدل الانسحاب بمناطق تجريبية، ويُخضع جيشنا الوطني لاختبارات يجريها جيش العدو، ويمنع عودة النازحين وإعادة الإعمار ويجعل هذه السلطة شريكة له في كلِّ نقطة دمٍ يسفكها أو بيت يهدمه. إنّه اتفاق غير قابل للحياة ولن يتمكّن الصهاينة من فرض تطبيقه، وسيسقط شعبنا مفاعيله على الأرض».
في غضون ذلك، شدّدت أوساط معنية لـ»البناء» على أنّ موقف الجيش لم يتغيّر أو يتبدّل؛ أولاً لا إسقاط للعداء للعدو الإسرائيلي الذي ارتكب مجازر بحق الجيش والمدنيين والبنى التحتية والإسعاف والطواقم الطبية والإغاثية والإعلامية وغيرها، كما لن يقبل الجيش أن يخضع لفحص واختبار من الاحتلال الإسرائيلي ولا أن ينسّق معه ضدّ مكوّن لبناني، ولن يقبل الجيش بالدخول إلى مناطق تجريبية غير محتلة، كما لن يصطدم بأيّ مواطن لبناني، بل سيقوم بواجبه بالانتشار في القرى التي يرى ذلك مناسباً انطلاقاً من القوانين اللبنانية التي تمنحه حق الانتشار وضبط الأمن وحماية السيادة، كما في أي منطقة لبنانية.
وفي سياق ذلك، خطفَ الأضواء حضور قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل على رأس وفدٍ عسكري كبير ضمّ رئيس الأركان في قصر الصنوبر، وذلك في ذكرى إحياء عيد الاستقلال الوطني الفرنسي في بيروت، علماً أنّ العماد هيكل قلّما يحضر مناسبات كهذه ويكتفي بإيفاد ممثلين عنه، مما أعطى وجوده بعداً سياسياً في خضمّ الضجّة الداخلية والخارجية حول دوره في ملفات حساسة وكبيرة وعلاقته برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وحملت رسالة سياسية تؤكد على وحدة المؤسسة العسكرية وخياراتها الوطنية.
في غضون ذلك، وبموازاة العدوان الإسرائيلي والخطر من الحدود الجنوبية، ترتفع نسبة الخطر من الحدود الشرقية والشمالية مع معلومات عن حشود عسكرية على الحدود تتحضّر للدخول إلى لبنان وفق التهديدات المتكررة التي يطلقها ترامب، واللافت أنّ شخصيات سياسية وماكينات إعلامية أطلقت حملة للترويج والتسويق سراً وعلانية لسردية أنّ تعقيد الملف اللبناني وتعنُّت لبنان في تنفيذ الالتزامات المطلوبة دولياً، لا سيما بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها وتمسُّك الحزب بسلاحه وارتباطه الإقليمي وصعوبة تولي القوى الأمنية الشرعية اللبنانية المهمة، قد يستجلب تدخلاً سورياً عسكرياً بطلب لبناني لتطبيق قرار دولي!
وادّعت وزارة الداخلية السورية، أمس، أنّ «الوحدات المختصة في الوزارة أحبطت محاولة تهريب شحنة ضخمة من الأسلحة النّوعيّة على الحدود السّوريّة ـ العراقيّة، وضبطتها قبل إدخالها إلى داخل الأراضي السّوريّة».
في المقابل، نفت العلاقات الإعلامية في حزب الله «هذه المزاعم الواهية، وأكدت أنّ هذه الادّعاءات والاتهامات لا تعدو كونها روايات مختلقة لا أساس لها من الصحة، وتهدف إلى الإساءة لحزب الله، وتخدم المشروع الصهيوني ـ الأميركي في المنطقة».
على صعيد آخر، استأنفت الجلسة التشريعية العامة أعمالها أمس، لليوم الثاني على التوالي لمتابعة درس وإقرار مشاريع واقتراحات القوانين المدرجة على جدول الأعمال.
وإذ أقرّت سلسلة بنود كان أبرزها التمديد لفترة 6 أشهر لرئيس الجامعة اللبنانية د. بسام بدران إلى حين تشكيل مجلس الجامعة على أن يسمح له بالترشّح لولاية ثانية لمرة واحدة وفق الأصول، شهدت الجلسة سجالات بالجملة وكلاماً نابياً عكس حجم الاحتقان السياسي والطائفي في البلد حول عناوين عدة. فخلال مناقشة تعديل قانون نظام المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية للسماح لرئيس الجامعة بالترشح لولاية ثانية، قال النائب أنطوان حبشي إنّ القانون «على قياس شخص واحد»، فيما اعتبر النائب جورج عقيص أن «لا أحد في القاعة يجهل أن هدفه التمديد لرئيس الجامعة الحالي»، ليردّ رئيس المجلس نبيه بري: «شو هالجريمة يعني»؟ أيضاً، خلال مناقشة البند المتعلق بتعديل في قانون الدفاع الوطني يجيز للعسكريين ممارسة مهنة التعليم، بدأ الإشكال عندما علّق النائب سامي الجميّل على النقاش، بالقول: «طلع مارق هيدا باللجنة»، في إشارة إلى المشروع الذي كان اعتبر رئيس لجنة الدفاع النائب جهاد الصمد أنّه لم يمرّ في اللجنة، فردّ عليه الصمد بغضب: «بدك تحترم حالك وقت بتحكي معي، أنت عضو لجنة الدفاع وما حضرت ولا مرة». وتصاعدت حدة التلاسن، فقال الجميّل: «أنا ما بوطي مستوايي لهالمستوى»، ليردّ الصمد: «مستواك أوطى بكتير… أنت يا واطي». كما تدخل النائب إلياس حنكش قائلاً للصمد: «اربط زندك». وعندها تدخّل رئيس المجلس نبيه بري طالباً وقف المقاطعات، فقال: «ما بقى تقاطعوا». وفي ختام النقاش، أُقرّ مشروع القانون برفع الأيدي، ورفع الرئيس بري الجلسة إلى السادسة مساءً.
وفي الجلسة المسائية، أقرّ مجلس النواب اقتراح القانون الرامي إلى إفادة الأطباء والصيادلة المتعاقدين بالتفرّغ في تعاونية موظفي الدولة من نظام التقاعد والتقديمات في التعاونية. وعند الوصول إلى ملف قوانين العفو، انسحب نواب تكتل «الجمهورية القوية» من الجلسة النيابية ورُفعت الجلسة مع فقدان النصاب.
المصدر: الوكالة الوطنية للاعلام
كتبت صحيفة “الديار”: كان لافتا غياب الملفات السياسية وفي مقدمها ملف التفاوض المباشر مع «اسرائيل» عن جلسات التشريع في مجلس النواب… في هذا الوقت بات من المسلم به ان كل الاطراف تلعب في «الوقت الضائع» بانتظار تبلور الصورة النهائية للحرب الاميركية- الاسرائيلية على ايران، والمرتبطة عضويا باستحقاق الانتخابات النصفية الاميركية في الخريف المقبل، والانتخابات التشريعية الاسرائيلية في ايلول، وقبل اتمام هذين الاستحقاقين لا يبدو ان ايا من الملفات الساخنة ستجد طريقها الى الحسم، ومنها الساحة اللبنانية التي تشهد المزيد من الانقسامات حول خيارات مصيرية ستكون لها تداعيات قصيرة وبعيدة المدى.
«اسرائيل» تفرض الوقائع؟!
وفي الانتظار، وبعد اقل من 24 ساعة على جولة التفاوض اللبنانية- الاسرائيلية في روما عملت «اسرائيل» على تفريغ المحادثات من مضمونها، وفيما وصفت مصادر بعبدا النتائج بانها لم تكن مثالية لكنها افضل الممكن في الوقت الراهن، اعلن وزير الحرب الاسرائيلي يسرائيل كاتس انه ابلغ نظيره الاميركي بيت هيغست ان الجيش الاسرائيلي لن ينسحب من المنطقة الامنية في الجنوب اللبناني بحجة حماية امن الاسرائيليين..في المقابل نقلت صحيفة «معاريف» الاسرائيلية عن مصادر امنية تاكيدها البدء بانشاء مواقع دائمة وثابتة في «المنطقة الصفراء». وهو اعلان صدر بعد سماح الرقابة العسكرية بنشره، وهو «رسالة» واضحة وفق مصادر دبلوماسية للاميركيين قبل اللبنانيين، بان ثمة وقائع على الاراض لا يمكن تجاوزها، وتعمل «اسرائيل» على فرضها لتجنب اي ضغوط مستقبلية تجبرها على الانسحاب.
ماذا عن الاجتماع العسكري الثلاثي؟
وفي هذا السياق، تتجه الانظار اليوم الى الاتصال العسكري الثلاثي الافتراضي، بين ضباط من الجيش اللبناني والاميركي والاسرائيلي، ووفق مصادر مطلعة على الاجواء في «اليرزة» سيمثل الجانب اللبناني رئيس الوفد الى مفاوضات واشنطن العميد جورج رزق الله ، وعدد من الضباط، وسيكون الاجتماع المؤشر الاكثر جدية لكيفية انعكاس المفاوضات السياسية على ارض الواقع، لان المباحثات ستتطرق الى البحث في آليات التنفيذ في المناطق «التجريبية»، وهي المرحلة الأكثر تعقيداً، حيث ستم البحث في الجدول الزمني للانسحاب الإسرائيلي، ولا ضمانات حتى الان حول ذلك، كما سيتم التطرق الى آليات انتشار الجيش اللبناني، وآليات المراقبة والتحقق، إضافة إلى إنشاء قنوات اتصال بإشراف أميركي لمعالجة أي خروقات محتملة أثناء التنفيذ.
«رسالة» ميدانية من الجيش
وفيما يتمسك حزب الله برفض اي ترتيبات امنية شمال الليطاني تتعلق بسلاحه، تشير مصادر مطلعة انه لا يوجد اي خلل في التنسيق بين الجيش والمقاومة في تلك المناطق، فالجيش موجود اصلا في كل الاراضي المحررة، والتعزيزات والدوريات خلال الساعات الماضية في القرى والبلدات المدرجة تحت عنوان «المناطق التجريبية» رسالة مباشرة من قيادة الجيش الى الاسرائيليين والاميركيين، بان ما يتم اقتراحه من انسحابات على «الورق» هو على ارض الواقع مغاير وقد تجاوزته الوقائع حيث ينتشر الجيش عمليا في كل تلك المناطق دون اي عوائق سياسية او ميدانية، ولا يمكن تسويقها كتنازلات اسرائيلية، وما يريده الجيش هو محادثات جدية حول مناطق محتلة فعليا لا «فقاعات اعلامية» دعائية يحاول الاسرائيليون تقديمها كخطوات ميدانية ويطالبون خطوات مقابلها غير منطقية وتتناقض مع تصميم قيادة الجيش على عدم وضع المؤسسة تحت اي اختبار مهما كان شكله.
اين المناطق الحساسة؟
تجدر الاشارة الى ان ما بات يعرف بـ»المنطقة التجريبية»، تضم أجزاءً محتلة وأخرى تقع ضمن نطاق السيطرة النارية الإسرائيلية أو على تخومها، ووفق مصادر مطلعة، قد تكون المناطق غير المحتلة الاكثر حساسية لانها ستكون منطقة اختبار أولى للعلاقة بين الجيش اللبناني وحزب الله غير المعني بتقديم اي تنازلات للاسرائيليين في تلك المناطق شمال الليطاني، وهو امر تدركه جيدا قيادة الجيش وتتعامل معه بحكمة ومسؤولية..اما في قرى ومدن جنوب الليطاني فان تفاهمات 2024 لا تزال سارية وتطبق على ارض الواقع، ودوريات الجيش وحواجزه الثابتة والمتنقلة في بلدات صريفا، وبرج قلاوية، والغندورية وفرون، تشكل تجسيدا لهذا التعاون الذي لم يختل الا بعد بدء العدوان الاسرائيلي.
آلية المراقبة مبهمة
وتسعى قيادة الجيش الى الحصول على اجوبة حول آلية المراقبة الأميركية، وهو الاختبار الأكثر حساسية في الاتفاق، حيث لا يزال الدور الاسرائيلي مبهما في هذا السياق، ووفق مصادر مطلعة، يفترض ان تشمل تلك المنطقة بلدة زوطر الغربية الواقعة شمال نهر الليطاني التي ينتشر الجيش الاسرائيلي في محيطها، ومنطقة اخرى جنوب الليطاني تشمل بلدتي فرون والغندورية حيث سيتولى الجيش اللبناني مهمة الانتشار وتحقيق السيطرة عليها. لكن يبقى السؤال كيف يمكن اعتبار السيطرة النارية احتلالا؟ بينما تسيطر «اسرائيل» على كل لبنان ناريا؟
لقاء عون – ترامب!
وامام هذه المعطيات، برزت بالامس اجواء سياسية من بعبدا بأن ما تحقق في روما غير مثالي ولكن افضل الممكن في المرحلة الحالية. اما الجهد السياسي والدبلوماسي، فهو منصب الان على ترتيبات زيارة الرئيس جوزاف عون الى واشنطن حيث يجري الاعداد للاجتماع مع الرئيس دونالد ترامب بهدف الحصول على افضل النتائج المتاحة عبر استغلال اهتمام الرئيس الاميركي بالملف اللبناني الذي بات حاضرا للمرة الاولى بهذا الوزن على «الطاولة» في البيت الابيض، والرهان يبقى على حجم الضغط الاميركي على «اسرائيل» لتنفيذ التزاماتها وخصوصا الانسحاب من القرى والمدن المحتلة وهو امر تحدث عنه ترامب علنا قبل يومين، وان كان قد استخدم عبارة انسحابات جزئية، لكن هذا الموقف متقدم ويمكن البناء عليه.
ما هي رهانات «الثنائي»؟
وفي توقيت لافت، رفع حزب الله من حدة انتقاداته للرئيس عون، واستعرض عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله، في بيان مكتوب، سياق تدهور العلاقة مع الرئاسة الاولى التي افضت الى القطيعة الراهنة معتبرا ان بعبدا تراجعت عن تعهداتها… وفي هذا الاطار، تلفت اوساط «الثنائي» الى ان الرهان على الضغوط الاميركية لاجبار «اسرائيل» على الانسحاب غير واقعي، بل العكس هو الصحيح، وثمة خشية من استغلال الرئيس الاميركي زيارة الرئيس عون لرفع سقف الضغوط على الدولة اللبنانية، ما قد يعقد اكثر المشهد الداخلي. وكشفت تلك الاوساط ان الاتصالات مع طهران لم تنقطع، وشددت على ان لبنان لا يزال جزءا من المادة التفاوضية مع واشنطن على الرغم من تبادل الرسائل النارية الحالية التي ستنتهي حتما بالعودة الى طاولة الحوار لان ما يحصل الان محاولات اميركية، لن تنجح، لتعديل شروط الاتفاق النهائي.
قناعات «السراي»!
من جهتها، تشير مصادر مطلعة على اجواء السراي الحكومي، بان عودة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، يعزز القناعة لدى الدولة اللبنانية، بصوابية عدم ربط مستقبل لبنان بالتفاهمات الإقليمية لما يحمله ذلك من مخاطر تتجاوز محاولة الوصول الى تفاهمات مباشرة مع «إسرائيل»، على الرغم من التكلفة السياسية المفترضة على الصعيد الداخلي في ظل رفض حزب الله لأي صيغة تنبثق عن المفاوضات المباشرة مع «تل ابيب».. وتقر تلك المصادر بوجود معادلة داخلية معقدة، في ظل هشاشة الوضع على الحدود الجنوبية، وما يهم الان ابعاد لبنان عن التصعيد الامني والعسكري بانتظار تبلور التفاهمات في المنطقة.
تطيير نصاب الجلسة التشريعية
في غضون ذلك، وبعد نهار طويل من التشريع والسجالات، رفع رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة التشريعية المسائية بعد انسحاب كتلة «الجمهورية القوية»و بعض النواب من القاعة، ما أدى إلى فقدان النصاب القانوني، وذلك بالتزامن مع بدء مناقشة البند الـ40 من جدول الأعمال المتعلق باقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام، الذي قاطعه عدد من النواب السنة، ووفق مصادر نيابية، الأمر مرتبط بقانون العفو العام الذي يحتاج الى المزيد من الدرس، وسبق للرئيس بري ان اكد انه لن يقره اذا لم يحصل اجماع عليه من الكتل النيابية.
المصدر: الوكالة الوطنية للاعلام
كان لبنان، قبل «اتفاق الإطار» يملك ما هو أوضح وأقوى: اتفاقية الهدنة لعام 1949، القرار 1701، واتفاق الطائف بما حمله من تصور لإعادة بناء الدولة وتحرير الأرض. هذه المرجعيات، على اختلاف طبيعتها، كانت تنطلق من قاعدة بديهية: أن الاعتداء اعتداء، وأن الاحتلال خرق، وأن الحدود ليست موضوع اختبار داخلي، وأن الدولة لا تُسأل عن أهلية سيادتها قبل أن يُطلب من المعتدي الخروج.
بهذا المعنى، يصبح «اتفاق الإطار» أخطر من اتفاق أمني عابر. إنه يستبدل مرجعية قانونية دولية بترتيب سياسي ـ أمني مفتوح، ترعاه الولايات المتحدة، وتملك “إسرائيل” هامشاً واسعاً في تفسيره، بينما يتحمل لبنان عبء الإثبات والتنفيذ. لم يعد الانسحاب “الإسرائيلي” واجباً قائماً بذاته، بل نتيجة مشروطة بمسار داخلي لبناني: نزع سلاح، تفكيك بنى، مناطق تجريبية، تحقق، رقابة، مساعدات مشروطة، وإعادة إعمار مربوطة بالسلوك الأمني. أي أن الأرض اللبنانية لا تُستعاد لأنها لبنانية، بل بعد أن يجتاز لبنان امتحاناً يضع شروطه الطرف الذي يحتل.
بدل أن يبقى الاحتلال خرقاً واضحاً للقانون الدولي، يتحول إلى ورقة تفاوض. يصبح بقاؤه مبرراً ما دام لبنان لم ينجز بعد ما يُطلب منه داخلياً. وتصبح “إسرائيل” قادرة على القول إن انسحابها ليس واجباً فورياً، بل خطوة مرتبطة بتقديرها وتقدير الراعي الأميركي لما إذا كانت الدولة اللبنانية قد نجحت في ضبط الداخل.
في اتفاقية الهدنة لعام 1949، كان المنطق أبسط وأكثر صلابة. وقف للأعمال العسكرية، احترام لخط الهدنة، منع للعبور والاعتداء، ولجنة بإشراف الأمم المتحدة. صحيح أن الهدنة لم تكن سلاماً، ولم تكن حلاً نهائياً، لكنها كانت تحمي موقع لبنان القانوني لأنها لا تفرض عليه إعادة تعريف عدوه، ولا تطلب منه تقديم تنازلات داخلية، ولا تربط حقوقه السيادية بملف داخلي. كانت الهدنة تقول إن هناك حدوداً وخروقات ورقابة أممية. أما الإطار فيفتح الباب أمام لغة مختلفة: مناطق نموذجية، إعادة انتشار، تحقق أمني، نوايا إيجابية، ومساعدات مشروطة.
الفرق بين اللغتين ليس تفصيلاً. لغة الهدنة تحافظ على المسافة بين لبنان و”إسرائيل”: دولتان في حال عداء منضبط بآلية أممية. أما لغة الإطار فتدفع نحو شراكة أمنية غير معلنة، لأن الطرفين يصبحان، وفق منطق النص، معنيين بترتيب الداخل اللبناني لا بإنهاء الاحتلال فقط. هنا لا تعود “إسرائيل” مجرد طرف مطالب بالخروج، بل تصبح طرفاً يراقب ما إذا كان لبنان يستحق هذا الخروج. وهذه ليست تسوية، بل وصاية مقنّعة.
الخطر الحقيقي يكمن في أن الاتفاقات القديمة كان ينظر إليها في ضوء صدامها المباشر مع السيادة. أما هذا الإطار فيحاول أن يرتدي لغة السيادة نفسها. يتحدث باسم الدولة، وباسم الجيش، وباسم احتكار القوة، وباسم الاستقرار، وباسم إعادة الإعمار. لكنه، في النتيجة، ينقل وظيفة الدولة من مواجهة الاحتلال إلى إدارة الداخل وفق شروط الاحتلال. أي أنه لا يطلب من لبنان فقط أن يضبط حدوده، بل أن يعيد تشكيل توازنه الداخلي ليصبح مقبولاً أمنياً لدى “إسرائيل”.
وهذا ما يجعل الحديث عن «المناطق التجريبية» بالغ الخطورة. فالدولة لا تستعيد سيادتها بالتجارب. الأرض لا تُقسّم إلى مختبرات أمنية. عودة السكان ليست مرحلة اختبار. والجيش لا ينبغي أن يُزج في مسار تبدأ فيه “إسرائيل” من موقع المراقب، بينما يُطلب من لبنان إثبات حسن السلوك. عندما تصبح القرى والحدود والناس جزءاً من تجربة ميدانية، فهذا يعني أن السيادة نفسها باتت مؤجلة إلى حين صدور شهادة نجاح.
خطورة «اتفاق الإطار» كونه حوّل الاحتلال إلى نتيجة لفعل ما، وليس إلى مشكلة يجب أن تُحلّ قبل أي ترتيبات أخرى
كذلك، فإن ربط إعادة الإعمار والمساعدات بالمسار الأمني يحول حاجة لبنان الاقتصادية إلى أداة ضغط. بلد مدمّر، منهك، محتاج إلى إعادة بناء قراه وبناه ومنازله، يُدفع إلى قبول شروط سياسية وأمنية تحت عنوان الدعم. هكذا لا تعود المساعدة مساعدة، بل تصبح ثمناً. ولا تعود إعادة الإعمار حقاً بعد العدوان، بل مكافأة مشروطة بسلوك الدولة. وهذا من أخطر أشكال المساس بالسيادة: أن تُستعمل الحاجة الاجتماعية والاقتصادية لفرض هندسة أمنية على بلد ضعيف.
أما البند المتعلق بالمحافل السياسية والقانونية الدولية، فهو جزء من الفلسفة نفسها. لبنان لا يُطلب منه فقط أن يضبط الداخل، بل أن يضبط خطابه الخارجي أيضاً. أن يخفف شكواه، أن يراعي «روح الاتفاق»، أن لا يتحرك دولياً بما يُفسَّر عملاً معادياً أو ضاراً. وهنا يكتمل القيد: في الداخل التزامات أمنية، وفي الخارج كبح سياسي وقانوني، وفي الأرض احتلال ينتظر. أي أن لبنان، بدل أن يستعمل كل أدواته لمواجهة الاعتداء، يُدعى إلى تعليق بعضها كي يثبت أنه شريك صالح في مسار الاستقرار.
ومن هنا يتضح أن الإطار لا يحل معضلة الدولة، بل يعمّقها. فلبنان لا يحتاج إلى دولة تواجه مجتمعها كي تُرضي “إسرائيل”، بل إلى دولة تحمي مجتمعها كي تواجه الاحتلال. لا يحتاج إلى جيش يُطلب منه أن يدخل في مناطق تجريبية قبل الانسحاب، بل إلى جيش ينتشر على أرض محررة وبقرار وطني واضح. لا يحتاج إلى إعادة إعمار مشروطة، بل إلى حق في التعويض والبناء. ولا يحتاج إلى علاقات مستقرة مع عدو يحتل أرضه، بل إلى انسحاب واضح يفتح الطريق أمام استقرار حقيقي.
إن إعادة الاعتبار إلى اتفاقية الهدنة لا تعني العودة إلى الماضي، بل التمسك بمرجعية قانونية تحفظ للبنان موقعه. الهدنة، رغم قدمها، كانت تقول إن هناك عدواناً يجب منعه وخطاً يجب احترامه ولجنة دولية تراقب الخروقات. أما الإطار فيقول إن هناك مشكلة لبنانية داخلية يجب حلها كي يتغير السلوك “الإسرائيلي”. وهذا هو جوهر الانقلاب: من تحميل المعتدي مسؤولية العدوان، إلى تحميل لبنان مسؤولية استمرار الاحتلال.
لذلك لا تكمن خطورة «اتفاق الإطار» في أنه ناقص فقط، بل في أنه يعيد ترتيب الأولويات. الاحتلال لم يعد البداية، بل صار النتيجة. “إسرائيل” لم تعد الطرف الملزم، بل الطرف المنتظر. لبنان لم يعد صاحب الحق، بل صاحب الواجب. والجيش لم يعد رمزاً لاستعادة الأرض بعد الانسحاب، بل وسيلة لإثبات الجدارة قبل الانسحاب. هذه المعادلة وحدها تكفي لرفض الإطار أو على الأقل لإعادة فتحه من أساسه.
هكذا يصبح لبنان أمام معادلة خطيرة: إن دخل في المواجهة الداخلية المطلوبة منه، خسر سلمه الأهلي.
وإن لم يدخلها، قيل إن “إسرائيل” غير ملزمة بالانسحاب. وفي الحالين تربح “إسرائيل”: إما بلبنان منقسم، وإما باحتلال مستمر، وإما بالاثنين معاً. هذه هي العبقرية الخطرة في الإطار: أنه لا يحتاج إلى أن تعلن “إسرائيل” انتصارها. يكفي أن يُقبل مبدؤه كي يصبح الاحتلال موضوع تفاوض داخلي لا خرقاً دولياً.
والرد الحقيقي يكون بإعادة التفاوض إلى مرجعيته الصحيحة. الاحتلال لا يُكافأ بالانتظار. الانسحاب لا يُجزّأ إلى تجارب. السيادة لا تُمنح بشهادة حسن سلوك. والحقوق لا تُعلّق باسم الاستقرار. إذا كان لا بد من إطار، فليكن إطاراً يبدأ من انسحاب “إسرائيلي” واضح وغير مشروط، ومن رقابة أممية لا وصاية أميركية، ومن حفظ حق لبنان القانوني والسياسي كاملاً، ومن إعادة إعمار غير مشروطة، ومن نقاش داخلي لبناني لا يُدار تحت ضغط العدو.
لأن اتفاق الإطار كما هو، تحول إلى ما هو أكثر خطورة: أن نوقّع على وثيقة تجعل خروج المحتل شأناً لبنانياً داخلياً، لا واجباً عليه هو.
كريم حداد – صحيفة الأخبار
صحيفة الأخبار
– ترامب يبحث توسيع العدوان.. والإيرانيون مستعدّون | طهران لواشنطن: لا تعويض لـ”هزيمتكم”
– تفخيخ اقتراح قانون الإعلام: عقوبات سجنية على النشر
– التراجع “عقيدة” المفاوض اللبناني: مِن “لن نشارك” إلى “نحن في روما”
– المصريون على خطّ أزمة التمديد لدريان: تمديدٌ جديدٌ بطريقة قانونية؟
– “القوات” تخسر معركتها التشريعية
صحيفة البناء
– المناطق التجريبية وعود هزيلة والصحافة “الإسرائيلية” تتحدث عن غموض المسار
– شراء الوقت من هرمز إلى روما بين التصعيد والتفاوض والمسار اللبناني الإيراني
– العمليات الأميركية في هرمز لم تنجح في شراء ثقة السوق وتأمين عبور الناقلات
صحيفة الديار
– “الانسحاب التدريجي” بين الضغوط والتصلّب
– عون: واشنطن باتت تُصغي إلينا والملف عند ترامب
صحيفة اللواء
– الجيش على الأرض في “المناطق التجريبية”.. وساعة الصفر تتحدد غدًا
– ترامب غير متحمس لاستقبال نتنياهو قبل القمة مع عون.. والجلسة تقرّ زيادة 6 أضعاف للقطاع العام
– الأرجنتين تفترس أسود إنكلترا بهدفين قاتلين
صحيفة الجمهورية
– مفاوضات روما “تسرّع” الانسحاب “التجريبي”
-جلسة نيابية حامية: إفادات ومستحقات
صحيفة النهار
– الخط الأصفر المحتل: 650 كلم² بلا سكان
– “النهار” في الصين.. رحلة بين ذاكرة “المسيرة الطويلة” وصناعة المستقبل
صحيفة الشرق
– اتفاق في روما على بدء الانسحاب “الإسرائيلي” وترامب يرحّب
المصدر : الصحف اللبنانية
كتبت صحيفة “الديار”: تعثرت الوساطة التي قادتها قطر نهاية الأسبوع الماضي لإنهاء التوتر الأميركي- الايراني، وإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض، بعدما وسّعا في الساعات الماضية هجماتهم العسكرية في المنطقة، ما يمهد للمزيد منها بإطار محاولاتهما تحسين شروطهما قبل العودة للمفاوضات.
الا أنه وبحسب مصادر واسعة الاطلاع فإن «الخشية الحقيقية هي من أن تنزلق الأمور الى جولة حرب جديدة واسعة»، معتبرة في حديث لـ «الديار» أن «التطورات العسكرية لا تزال محسوبة جيدا ومضبوطة من قبل الطرفين، اللذين يبدو واضحا أن لا مصلحة لهما بجولة قتال جديدة موسعة، لكن أيا منهما لا يبدو مستعجلا للعودة للتفاوض، وفق الظروف والمعطيات الراهنة».
وتخشى المصادر «دخول «اسرائيل» على الخط للاستفادة من الأوضاع المتوترة، لتفجيرها كليا من جديد ، وهي التي اعتبرت أن «مذكرة التفاهم» التي وقعها الاميركيون والايرانيون كانت بمثابة كارثة عليها، لذلك لن تتردد بالاطاحة بها، خاصة مع إعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب قبل نحو أسبوع أنها انتهت».
وحتى الساعة، يبدو واضحا بحسب المصادر، أن «ضغوط واشنطن على «تل أبيب» نجحت بتحييد الساحة اللبنانية، عن جولة المناوشات المتواصلة في المنطقة»، لافتة الى أن «الطرفين الأميركي و«الاسرائيلي» متفقان على وجوب فصل المسارات، بعكس ارادة ايران وحزب الله، لذلك الخشية من اقدام حزب الله على الرد على الانتهاكات الاسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف النار في أي لحظة، ما يعيد لبنان الى عين العاصفة».
ولا تستبعد المصادر أن «يحصل ذلك في حال قررت الدولة اللبنانية تطبيق «المناطق التجريبية» بالقوة، خاصة وأن كل المعطيات تؤكد أن الرئاستين الاولى في لبنان وواشنطن، تمارسان الضغوط اللازمة لإقناع «اسرائيل» بالانسحاب من المناطق التجريبية التي تم الاتفاق عليها، قبل موعد الجولة الجديدة من التفاوض في واشنطن، والتي تعقد في روما هذا الأسبوع».
وتؤكد مواقف نواب حزب الله التي تكثفت في الساعات الماضية، أن الحزب لن يتجاوب مع انطلاق عملية تطبيق المناطق التجريبية، خاصة وأنه يعتبر أن المناطق التي تم اختيارها غير محتلة، وأن هكذا طرح يفترض أن يبدأ تطبيقه داخل المنطقة الأمنية التي أعلنتها «اسرائيل».
لا قرار بالصدام
وبحسب المعلومات، فإنه ورغم المواقف التصعيدية الأخيرة لرئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، الا أنه حسم موقفه برفض وضع الجيش بمواجهة مباشرة مع عناصر حزب الله، بتطبيق «إتفاق الاطار» بالقوة.
موقف حزب الله
من جهته، يصر الحزب على مهاجمة مسار التفاوض المباشر اللبناني- «الاسرائيلي»، وكل ما نتج وسينتج عنه، ويعتبر أن مصلحة لبنان حصرا بمسار التفاوض الذي تقوده طهران مع واشنطن. ويوم أمس، أكد عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب أبراهيم الموسوي، أن «لبنان هو البند الأول في مذكرة التفاهم، التي وقعت في إسلام آباد بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأميركية»، لافتا الى أن «بعض الأدوات والعبيد عند الأميركيين يحاولون التشويش عليها، لأنها تعود بالنفع على اللبنانيين».
بدورها، أعلنت وزارة الخارجيّة الإيرانيّة امس الأحد أن وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي شدّد خلال لقائه الممثل الأممي لشؤون لبنان على «استمرار دعم لبنان ووحدة أراضيه ومواصلة الجهود لإنهاء احتلال أراضيه».
توتر كبير في المنطقة
يأتي ذلك في ظل اشتداد التوتر في المنطقة، على خلفية اعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، وقيام واشنطن بقصف عشرات الأهداف داخل ايران، التي ردت بإطلاق صواريخها ومسيراتها في اتجاه الكويت والبحرين وقطر والإمارات والأردن وسلطنة عمان.
وأعلنت إيران يوم السبت استهداف سفينتين في مضيق هرمز، معتبرة أنهما تجاهلتا التعليمات باستخدام الممرّ الوحيد، الذي تسمح به أو أنهما «انتهكتا» القواعد التي حددتها.
وقال «الحرس الثوري» الإيراني في أعقاب هذا الحادث (…) «سيُغلَق مضيق هرمز حتى إشعار آخر وحتى انتهاء التدخلات الأميركية في المنطقة، ولن يُسمح لأيّ سفن بالمرور عبره». في المقابل، أكدت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أنّ «مضيق هرمز مفتوح أمام جميع السفن، التي تسعى لعبور هذا الممر المائي الدولي بشكل قانوني».
الوضع الميداني في الجنوب
وبالعودة الى الوضع الميداني جنوب لبنان، واصلت «اسرائيل» انتهاكاتها وخروقاتها لاتفاق وقف النار، فقامت بتفجير عدد من المنازل في بلدة مجدل زون، وأطلقت رشقات نارية على المنازل في بلدة المنصوري. كما نسفت منازل في مدينة بنت جبيل، وقصفت بلدة كفرتبنيت في قضاء النبطية.
هذا ، وجراء القصف المدفعي المعادي المتواصل، إشتعلت النيران في محيط منطقة مزرعة الحمرا في بلدة زوطر الشرقية، لجهة ارنون ويحمر الشقيف.
المصدر: الوكالة الوطنية للاعلام
كتبت صحيفة “البناء” :
أربك الرئيس الأميركي دونالد ترامب المشهد الإقليمي بإعلانه أنّ وقف إطلاق النار مع إيران «انتهى»، ثم تأكيده في الوقت نفسه موافقة واشنطن على مواصلة المحادثات مع طهران. ولم يعلن ترامب عودة الحرب الشاملة، كما لم يوقف المسار التفاوضي، بل جمع بين رفع سقف الخطاب العسكري والإبقاء على الباب السياسي مفتوحاً، في معادلة تبدو موجهة إلى دعاة التصعيد في واشنطن وتل أبيب بقدر ما تستهدف إيران.
الأرجح أنّ ترامب أراد القول إنّ الولايات المتحدة لن تسكت بعد الآن عن استهداف ناقلات النفط أو القوات والمصالح الأميركية بداعي المحافظة على وقف إطلاق النار، لكنها ستواصل التفاوض على الملفات العالقة. وبهذا يرضي معسكر التصعيد بإعلان انتهاء الهدنة، من دون أن يعود عملياً إلى إطلاق النار بصورة واسعة، ويحافظ على المسار الذي تحتاج إليه واشنطن لإعادة تنظيم الملاحة في مضيق هرمز ومنع انفجار أسعار الطاقة. وقد قال ترامب إنّ إيران طلبت استمرار المحادثات وإنّ الولايات المتحدة وافقت، رغم تشديده على أنّ وقف النار لم يعد قائماً، بينما إيران تجدد التمسك بثوابتها؛ من رفض أيّ تنظيم لعبور الناقلات في مضيق هرمز دون التنسيق معها، إلى التأكيد على أولوية وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان وصولاً إلى تحقيق انسحاب قوات الاحتلال كترجمة للبند الأول من مذكرة التفاهم.
وسط هذا الغموض، تحرك الوسطاء سريعاً؛ قطر دفعت بمسؤولين إلى طهران، بينما كثفت باكستان اتصالاتها مع الطرفين، وليلاً أُعلِن عن تواصل بين قيادتي قطر وباكستان لبلورة تصورات موحدة، على قاعدة أنّ تجدد الحرب «ليس في مصلحة أحد» والدعوة إلى احترام مذكرة التفاهم. وانضمت تركيا ومصر والسعودية إلى اتصالات منع الانزلاق، بعدما أظهرت المواجهة الأخيرة أنّ استهداف ناقلة واحدة أو رداً أميركياً محدوداً قادر على إعادة المنطقة إلى حافة الحرب وتعطيل الحركة في هرمز.
وفي الملف اللبناني، تواصل واشنطن الإعداد لجولة روما، بعدما انتقلت المفاوضات من العاصمة الأميركية إلى إطار تقني أوسع يفترض أن يعالج ملفات الانسحاب والترتيبات الأمنية والمناطق التي سماها اتفاق 26 حزيران «مناطق تجريبية». وأعلن السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر أنّ اجتماعات روما مقررة في 14 و15 تموز، بينما ربط لبنان مشاركته ببدء انسحاب إسرائيلي من منطقتين تجريبيتين في الجنوب.
وترافقت التحضيرات مع وصول وفد عسكري أميركي إلى بيروت لمتابعة تنفيذ الاتفاق، ووعود بأن يبدأ قريباً انتقال الجيش اللبناني إلى بعض المناطق، تمهيداً لانسحاب إسرائيلي مرحلي. لكن الغموض لا يزال يحيط بالجدول الزمني والجهة التي تقرّر أنّ التجربة نجحت، خصوصاً أنّ الاتفاق يربط كلّ انتقال بتقييم أمني قد يستغرق أشهراً، مما يهدد بتحويل «المناطق التجريبية» إلى آلية لتأجيل الانسحاب لا لتنفيذه.
وفي موازاة روما، يجري التحضير لزيارة رئيس الجمهورية جوزف عون إلى واشنطن في 21 تموز ولقائه ترامب، حيث يُنتظَر أن يطلب موقفاً أميركياً واضحاً يلزم “إسرائيل” بالانسحاب ويضع سقفاً زمنياً لتنفيذ الاتفاق، بدلاً من ترك لبنان أمام مراحل مفتوحة لا نهاية محددة لها.
أما زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى إسطنبول ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان، فتأتي في قلب هذه الحسابات؛ فتركيا خرجت من قمة أنقرة بمكانة أميركية متقدمة، وبقدرة متزايدة على موازنة التأثير الإسرائيلي في الملفات الإقليمية. ويحتاج لبنان إلى دعم أردوغان لدى ترامب لتثبيت مطلب الانسحاب، كما يحتاج إلى ضمانة تركية بأنّ الحديث الأميركي عن «دور سوري» في لبنان لن يتحول إلى تورط أمني أو عسكري سوري، كما قالت مصادر سياسية مطلعة على موقف رئيس الحكومة.
تواصل السلطة في لبنان اتّباع سياسة الإنكار والهروب إلى الأمام بالمضيّ بتطبيق اتفاق الإطار اللبناني ـ «الإسرائيلي» على أرض الواقع، رغم رفض أغلب اللبنانيين لهذا الاتفاق الذي ولد ميتاً و»شبع موتاً»، وفق ما يعبّر رئيس مجلس النواب نبيه بري في مجالسه الخاصة عندما يُسأل عنه وفق معلومات «البناء»، مشيراً إلى أنّ أيّ اتفاق لا ينال توافق اللبنانيين حوله ويضمن مصالح البلد وسيادته واستقراره ولا يؤمّن وقف إطلاق النار والانسحاب «الإسرائيلي» وعودة النازحين، فلن يُكتب له النجاح.
ولفتت معلومات لـ»البناء» إلى أنّ السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى نقل رسالة إلى السلطة في لبنان تتضمّن الإسراع بتطبيق اتفاق واشنطن وتكليف الجيش اللبناني الدخول إلى المناطق التجريبية بمعاونة قوة أميركية عسكرية ونزع السلاح، وطلب عيسى أن تخطو السلطة اللبنانية خطوات عملية على أرض الواقع مهما كان الثمن قبل زيارة رئيس الجمهورية إلى واشنطن، إلا أنّ الجيش اللبناني أبدى التعاون لكنه حتى الآن رفض التنفيذ بالقوة ومن دون توافق داخلي ووفق المناطق التجريبية التي حددها الجيش «الإسرائيلي»، كما رفض العمل وفق الإشراف والتحقق «الإسرائيلي».
وأفادت صحيفة فايننشال تايمز، نقلاً عن مصادر، بأنّ فريقاً عسكرياً أميركياً سيصل إلى بيروت، للمساعدة في تنفيذ الاتفاق بين لبنان وإسرائيل».
ووفق مصادر سياسية فإنّ السلطة وبتوجيهات أميركية تسعى جاهدة للبدء بتطبيق اتفاق الإطار وفرض أمر واقع على حزب الله وفريق المقاومة في لبنان وفصل الملف اللبناني عن المسار الإقليمي الأميركي ـ الإيراني، مستفيدة من الزخم الأميركي في الوقت الراهن قبل دخول الولايات المتحدة في «كوما الانتخابات» وتنشغل بالعملية الانتخابية ويرحّل الملف اللبناني أو يجمّد بعد تبدّل جدول الأولويات الأميركية»، كما تخشى السلطة في لبنان واللوبي اللبناني في واشنطن أن تنجح المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية في التوصل إلى اتفاق ومن ضمنه الملف اللبناني. لذلك ترجح المصادر لـ»البناء» أن يكون الشهر الحالي حاسماً في رسم معالم المرحلة العسكرية والأمنية والسياسية في لبنان، إذ هناك عدة محطات داخلية وخارجية أساسية أهمها: زيارة الرئيس الأميركي إلى تركيا ولقائه الرئيس التركي والرئيس السوري، زيارة نتنياهو إلى واشنطن، وزيارة رئيس الجمهورية إلى الولايات المتحدة، إلى جانب زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى تركيا على عجل للقاء الرئيس التركي والمسؤولين الأتراك.
وأشار عون أمام وفد إعلامي إلى أنه سيطرح خلال زيارته الرسمية إلى واشنطن مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستقبل القوات الدولية العاملة في الجنوب، على أن يطلب تمديد بقائها لفترة إضافية أو إيجاد بديل عنها. وطالب الجميع بـ «إعطاء فرصة لاتفاق الإطار»، محذراً من أنّ «رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو دائماً يريد أن يخربط الأمور، وكذلك تفعل إيران».
ووجّه عون رسالة مباشرة حول مستقبل السلاح، قائلاً: «طالما أنّ خيار الحزب هو إيراني فلن يكون هناك جدوى، فالأمور تحلّ عندما يصبح خيار الحزب لبنانياً وليس إيرانياً». وأكد أنه «لا يمكن مقاربة موضوع الحزب بالقوة»، وشرح أنّ «الحزب ليس فقط سلاحاً، بل هو بيئة أيضاً»، لذلك «لا يمكن حلّ الأمور بهذه السهولة كما يتصوّر البعض». ورداً على سؤال، أكد عون أنه إذا لم يتجاوب حزب الله مع الجهد المبذول لإنهاء الحرب في الجنوب فسيتحمّل مسؤولية قراره ويثبت أنّ خياره إيراني وليس لبنانياً»، مشيراً في هذا الإطار إلى انه سوف يبلغ ترامب أنّ معالجة سلاح حزب الله تتمّ في الداخل اللبناني وليس من الخارج وضمن استراتيجية شاملة اجتماعية واقتصادية وأمنية، والمهم معالجة سبب وجود السلاح بين أيدي الحزب.
في المقابل، علمت «البناء» أنّ حزب الله أبلغ المسؤولين المعنيين عبر وسطاء، رفضه الكامل والمطلق لاتفاق الإطار وعدم التجاوب والتعامل مع أيّ خطوة تنفيذيّة على الأرض، وسيواجه أيّ سيناريو لفرض وقائع عسكرية وأمنية وجغرافية في الجنوب لا سيما ما سُمّيت المناطق التجريبية، وسيعتبر أيّ قوة تدخل إلى مناطق تجريبية هي قوة احتلال ستواجه بالنار، علماً أنّ المقاومة حريصة كلّ الحرص على علاقتها الاستراتيجية والأخوية والوطنية مع الجيش اللبناني والتنسيق الميداني لأيّ انتشار للجيش اللبناني في المناطق التي ينسحب منها الاحتلال، مذكرة بفترة الـ15 شهراً من التنسيق في جنوب الليطاني.
وأعلن رئيس تكتل نواب بعلبك الهرمل النائب حسين الحاج حسن خلال احتفال تكريميّ أنّ «المسؤولين في السلطة أقسموا اليمين على وحدة اللبنانيين، ولكنهم مزقوا وحدة اللبنانيين، من خلال ربطهم في اتفاقهم العار وقف إطلاق النار وانسحاب العدو وعودة النازحين وعودة الأسرى وإعادة الإعمار، بالرضا «الإسرائيلي»، بحيث إنه كلما أرادوا أن يخرجوا من حيّ من أيّ بلدة، فإنّ للجيش «الإسرائيلي» الحق بحسب اتفاق العار أن يقول إنّ الجيش اللبناني لم يقم بدوره كما يجب، ليضعوا حينها الشروط، وبذلك لا يمكن للناس أن تعود إلى قراها وفق هذا المفهوم الذي وضعوه في الاتفاق، والأسوأ أنّ هذه السلطة ربطت عودة الأسرى بـ ـرون آراد، والأسوأ من ذلك، هو أنهم يهددون المقاومة وشعبها باستقدام قوات أجنبية ليساعدهم بنزع السلاح، ولكن لن يستطيعوا ومعهم القوات الأجنبية أن ينزعوا سلاح المقاومة».
بدوره، شدّد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب إبراهيم الموسوي، «أننا نرفض اتفاق الإطار لأننا نعتبره باطلاً وغير دستوري وبُني على باطل، ونرفض التفاوض المباشر مع إسرائيل». ولفت إلى أنّ «لبنان أصبح تحت الوصاية الأميركية بالكامل، وهناك إملاءات ولا كلمة عن مصلحة لبنان في اتفاق الإطار». وقال: «معنيون أن يكون لدينا ردّ فعل إزاء ما تقوم به السلطة اللبنانية»، موضحاً أنّ «من يريد مصلحة لبنان عليه أن يستفيد من مفاوضات إسلام آباد».
في غضون ذلك، عاد نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب والوفد المرافق إلى بيروت، بعد مشاركته في مراسم تشييع الإمام الشهيد السيد علي الحسيني الخامنئي وإجراء اتصالات ولقاءات بالمراجع الدينية والسياسية في كلّ من إيران والنجف في العراق.
وشدّد على أنّه «ليس من باب الأخلاق ولا من باب السياسة أن تقوم دولة كإيران على هذا القدر من الأهمية التي تقف الولايات المتحدة الأميركية و»إسرائيل» عاجزتين عن مواجهتها، هذه الدولة بهذه الأهمية وبما لديها من مصالح، اللبنانيون بحاجة لها وللعلاقة العريقة بين الشعب اللبناني وبين الشعب الإيراني، إنه ليس من باب الأخلاق ولا من باب السياسة ولا من باب المصلحة أن تقوم الجمهورية الإسلامية الإيرانية بهذه المبادرات ثم يكون التعاطي معها بهذه الطريقة، نتمنّى على السلطة أن تعمل من أجل مصلحة لبنان ومن أجل مصالح الشعب اللبناني». وأكد «التزام إيران بتحرير لبنان وبإخراج العدو «الإسرائيلي» من جنوب لبنان، وأنه لا يمكن أن توقع إيران اتفاقاً مع الولايات المتحدة الأميركية إلا بعد تطبيق هذا البند الذي هو إلزام للعدو «الإسرائيلي» بوقف الحرب على لبنان إلى جانب وقف الحرب على إيران».
من جانبه، استغرب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة الشيخ ماهر حمود غياب الاهتمام الإعلامي والسياسي بالموقف الذي أعلنه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط من «اتفاق الإطار»، مؤكداً أنّ هذا الموقف يحمل دلالات سياسية مهمة على الساحة اللبنانية. وقال الشيخ حمود، في موقفه السياسي الأسبوعي، إنّ موقف جنبلاط الواضح من شأنه أن يؤكد أنّ أكثرية الشعب اللبناني ترفض «اتفاق الإطار»، مشيراً إلى أنه كان من المفترض أن يشكل هذا الموقف نقطة تحوّل في مسار الحياة السياسية الداخلية.
ورأى أنّ الأمة تقف اليوم أمام خيارين: إما الاستسلام للهيمنة والقبول بالتبعية السياسية والثقافية والاقتصادية، بما يؤدي إلى مزيد من الضعف والانقسام، وإما استعادة الثقة والتمسك بالقيم والأخذ بأسباب القوة وتوحيد الصف.
ورأى المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان أنّ «بلدنا لبنان يعاني من أسوأ أزماته السياسية وخياراته الحكومية، وأنّ صميم المشكلة في هذا البلد يكمن بالفريق الذي يخدم مصالح «تل أبيب» على حساب مصالح بيروت، وأخطر منه السلطة التي تقود حملة تضليل سياسي لتفريغ لبنان من قدراته السيادية، بخلفية التزامات جانبية قدّمتها لواشنطن مقابل وصولها للسلطة».
ووجه قبلان في خطبة الجمعة خطابه للسلطة الحالية بالقول: «لا وطن بلا سيادة وتضامن وتوافق وطني، ومن يفقد الوحدة الوطنية يفقد قدرته على تحديد مصير وطنه. وبكلّ صراحة لا وجود لسلطة لبنانية بمفاوضات واشنطن الصهيونية، لأنه للأسف الفريق اللبناني بهذه المفاوضات فريق ضعيف ومذعن ويستدرج العروض الأمنية من الخارج. والذي نؤكّده أنّ سيادة لبنان فوق أيّ صفقة جانبية، والسلطة الحالية تغلق الدائرة الوطنية وتخنق الصيغة التوافقية وتضع لبنان في قلب أسوأ فتنة داخلية. ولذلك، الشعب اللبناني والقوى السياسية مطالبة بموقف وطني كبير يضع حداً للسلطة الحالية التي تتعامل مع بلدها وكأنها محمية أجنبية».
ميدانياً، ذكرت «الوكالة الوطنيّة للإعلام»، أنّ «القوّات الإسرائيليّة نفّذت عمليّة تفجير لعدد من المنازل والبنى التحتيّة في بلدة كونين في قضاء بنت جبيل جنوبي لبنان».
كما استهدفت غارة من مُسيّرة إسرائيلية، المنطقة الواقعة بين النبطية الفوقا وكفرتبنيت. وذكرت «الوكالة الوطنيّة للإعلام»، أنّ «مُسيّرات إسرائيليّة قامت برمي مواد حارقة فوق محميّة شهداء كفررمان في منطقة الطهرة، الّتي تضمّ 8500 شجرة صنوبر، ما أدّى إلى اشتعال النّيران فيها واحتراق مساحة واسعة من الأشجار، في ظلّ تعذّر وصول سيّارات الإطفاء إلى المنطقة، نظراً لخطورة الوضع الأمني».
على صعيد آخر، أعلنت رئاسة مجلس الوزراء، أنّ «في مرحلة إقليميّة دقيقة تستدعي أعلى درجات التشاور والتنسيق بين الدّول الصديقة، لبّى رئيس مجلس الوزراء نواف سلام دعوة الرّئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى عشاء عمل في إسطنبول، في إطار زيارته الرّسميّة إلى تركيا».
وأشارت في بيان، إلى أنّ «اللّقاء شكّل مناسبةً لتأكيد أهميّة الحوار وتعزيز التعاون الثّنائي، والعمل على الارتقاء بالعلاقات اللّبنانيّة ـ التركيّة إلى مستوى الشّراكة الاستراتيجيّة، بما يخدم مصالح البلدين ويسهم في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة».
وأوضحت رئاسة المجلس أنّ «اللّقاء، الّذي شارك فيه وزير الخارجيّة هاكان فيدان، تناول أيضاً سبل تطوير العلاقات الثّنائيّة بين لبنان وتركيا في مختلف المجالات، لا سيّما الاقتصاديّة والتجاريّة والاستثماريّة والطاقة والبنى التحتيّة»، لافتةً إلى أنّ «سلام ثمّن الدّعم الّذي تقدّمه تركيا للبنان، خصوصاً على مستوى المساعدات الإنسانيّة».
المصدر: الوكالة الوطنية للاعلام
كتبت صحيفة “الأخبار”: تشهد طهران، اليوم، مراسم تشييع شعبية حاشدة لجثمان المرشد الإيراني الراحل، الشهيد علي خامنئي، الذي ترك بصمات عميقة في تاريخ إيران والمنطقة على مدار أكثر من 36 عاماً من قيادته. ويُسجّل في السيرة السياسية للقائد الشهید أنه من القلائل في التاريخ المعاصر الذين تمّ اغتيالهم في هجوم خارجي، وهم في ذروة سلطتهم، ممّا يضيف بُعداً رمزياً إلى أبعاد شخصيته التي باتت رمزاً للصمود، ورفض الاستسلام أمام الخصوم حتى وإن كان الثمن هو الحياة.
ويتجاوز الإرث الذي يتركه خامنئي، اللحظة الراهنة لمراسم التشييع؛ فهو إرث سياسي واستراتيجي ومؤسّساتي أعاد رسم ملامح إيران والمنطقة. هنا، لا بدّ من العودة إلى نقطة التحوّل في عام 1989، حين تسلّم الرجل مقاليد الحكم بعد عقد من الثورة، في ظروف بالغة التعقيد؛ إذ كانت إيران تَخرج لتوّها من حرب استنزاف دامت ثماني سنوات مع العراق، وتواجه تحدّيات جسيمة في إعادة بناء بنيتها التحتية العسكرية والاقتصادية. وفي ظلّ هذه التحدّيات، قاد خامنئي مرحلة الانتقال من «الروح الثورية» إلى مرحلة مأسسة الدولة وتثبيت أركان الحكم، مؤسّساً لمنظومة مؤسّساتية قوية شكّلت وجه إيران الحديث.
وعليه، لم تكن قيادته مجرّد استمرار لنهج الإمام الخميني، بل مثّلت هندسة سياسية شاملة، هدفت إلى تحويل أيديولوجيا الثورة إلى نظام دولة مستدام. فقد نجح في نقل مفهوم «ولاية الفقيه» من حيّزه النظري والروحي إلى إطار مؤسساتي وقانوني وإداري متكامل؛ مما أتاح قيام دولة – أمّة ذات هياكل صلبة وبنى تحتية سياسية عصيّة على التحلّل. والانتقال الجذري هذا نحو المأسسة، هو ما يفسّر فشل كلّ التوقّعات الغربية التي تنبّأت بانهيار النظام الإيراني. فاليوم، ورغم الاغتيالات التي طاولت قيادات عليا وقادة عسكريين خلال الحرب الأخيرة، لم يشهد هيكل الحكم أيّ انهيار؛ وذلك لأن الجمهورية الإسلامية، بفضل رؤية خامنئي، لم تعُد نظاماً يرتكز على كاريزما الفرد، بل أصبحت نظاماً قادراً على العمل والاستمرار في الحياة السياسية حتى في غياب قمّة الهرم.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، كان الرهان على «الاستقلال العسكري» هو الركيزة الثانية في مشروع خامنئي. وانطلاقاً من قناعة بأن الضعف العسكري والتبعية للخارج هما الثغرة التي تتيح مهاجمة الأنظمة، وجّه القائد الراحل استثمارات ضخمة نحو التصنيع الدفاعي الذاتي، لا سيما في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي القدرات التي أثبتت فاعليتها في الحروب الأخيرة. وفي هذا الإطار، تحوّل «الحرس الثوري» تحت قيادته من قوة شبه عسكرية ذات طابع أيديولوجي، إلى منظمة استراتيجية شاملة، تمتلك أبعاداً عسكرية واستخباراتية واقتصادية، بل وتمثّل الذراع التنفيذية الأقوى للسياسات الكبرى في المعادلات المحلّية والإقليمية.
ولم تكن حدود الجغرافيا الإيرانية يوماً هي المدى النهائي لرؤية خامنئي؛ بل إن الجانب الأهمّ من إرثه يتجلّى في إعادة هندسة المعادلات الإقليمية عبر صياغة ما بات يُعرف اليوم بـ«محور المقاومة». فقبل حقبته، كانت حركات المقاومة في لبنان وفلسطين وغيرها، تعمل في جزر منعزلة تفتقر إلى التنسيق الاستراتيجي، لكن تحت توجيهه الفكري ودعمه الشامل، تحوّلت هذه الحركات إلى شبكة جيوسياسية وعسكرية وأيديولوجية متكاملة، تمتدّ من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر، ومن العراق إلى اليمن. كما نجحت هذه الشبكة، في تعزيز قدراتها الردعية وتغيير قواعد الأمن الإقليمي، وهو ما أجبر الخصوم الإقليميين والدوليين على إعادة حساب تكلفة مغامراتهم. كذلك، كانت فلسفة خامنئي تقوم على عقيدة «الاستقلال الاستراتيجي»؛ حيث اعتبر أن أيّ اعتماد على القوى الخارجية لتأمين الأمن والتنمية ليس حلاً، بل هو «فخّ استراتيجي» يؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان السيادة والكرامة الوطنية.
في قلب هذه الرؤية، ظلّ الدفاع عن القضية الفلسطينية «خطاً أحمر» وأولوية قصوى. وقد أكد خامنئي مراراً أن أيّ تسوية مع الكيان الإسرائیلي لن تنهي الأزمات، بل ستعمّق حال عدم الاستقرار وتفتح الباب أمام تغلغل القوى الأجنبية في قلب العالم الإسلامي. ورغم التكاليف الباهظة التي فرضتها حرب غزة والنزاعات في لبنان خلال عامَي 2024 و2025، إلا أن مواقف المرشد الراحل بقيت ثابتة؛ إذ وصف في أواخر حياته قوى المقاومة بأنها رموز الصمود، مؤكداً أن قدرتها على الوقوف في وجه الضربات المباشرة وعدم الركوع هي المفتاح الحقيقي للنصر النهائي.
إلى جانب ما تَقدّم، تمحورت رؤية خامنئي حول ضرورة قيام مشروع حضاري شامل؛ سمّاه مشروع «الحضارة الإسلامية الجديدة». فعبر خطاباته وبياناته، سعى إلى صياغة نموذج عالمي يستعيد فيه العالم الإسلامي هويته الثقافية، ويستثمر طاقاته البشرية والاقتصادية ليخرج من عباءة الهيمنة الغربية، ويقدّم نموذجاً مستقلاً في التنمية والحكم. وإذ تبلور هذا الطموح في برامج استراتيجية ذات أبعاد تنفيذية، من مثل «الاقتصاد المقاوم»، و«النهضة البرمجية»، و«جهاد التبيين»، فقد سعت إيران عبر ذلك لتكون النواة المركزية لهذه الحضارة، سواء عبر تحقيق الاكتفاء العلمي، أو الاستقلال الاقتصادي، أو الردع العسكري.
مع استمرار مراسم التشييع في طهران، يتساءل المحلّلون عن مصير المسار الذي خطّه خامنئي. والجواب هنا، ربما يكمن في طبيعة النظام الإيراني الذي نجح، بفضل العملية التي قادها الراحل، في التحوّل من نظام الفرد إلى نظام المؤسسات. لذا، فإن غياب القائد لن يعني انهيار هذا المسار، بل إن الأخير سيستمرّ تحت إدارة منظومة أصبحت هي الضابط للقرار. كما إن إرث خامنئي لن يوارى، والحال هذه، مع جسده الثرى، بل سيظلّ بمنزلة مدرسة سياسية حيّة، يمثّل الاستقلال والكرامة الوطنية ركيزتَيها الأبرز اللتين لا تقبلان التفاوض.
المصدر: الوكالة الوطنية للاعلام
أكد وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي “أن المسار التفاوضي الذي أطلقته الدولة اللبنانية هو السبيل الوحيد والحصري لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، والتوصل إلى اتفاق دائم يُكرّس الاستقرار ويصون حقوق لبنان وسيادته ومصالحه الوطنية”.
وفي بيان صادر عنه، أعرب رجي عن تقدير لبنان لما تبذله الدول الصديقة والشقيقة من جهود ومبادرات، وشدّد بوضوح لا لبس فيه على أن المرحلة الراهنة تستوجب توحيد الجهود كافة، محلية وإقليمية ودولية، خلف مسار واحد تقوده الدولة اللبنانية وحدها.
ودعا جميع الشركاء الدوليين إلى تركيز دعمهم على هذا المسار بوصفه الإطار الشرعي الوحيد المؤهَّل للإفضاء إلى تسوية حقيقية ودائمة، محذراً من أن أي مسارات موازية أو أطر بديلة تسعى إلى شمول الملف اللبناني بعيداً عن الدولة اللبنانية لن تُنتج سوى التشتت وإضعاف الموقف التفاوضي اللبناني في لحظة بالغة الحساسية.
المصدر: الوكالة الوطنية للإعلام
كتبت صحيفة “الأخبار”: ليس من الصعب تلمّس حجم الاستياء الذي يخيّم على عين التينة بعد اتفاق الإطار الذي وقّعته سلطة الوصاية في لبنان مع العدو الإسرائيلي في واشنطن برعاية أميركية.
وليس أدلّ على هذا الاستياء من القطيعة القائمة مع بعبدا، وقول رئيس مجلس النواب نبيه بري حول العلاقة مع رئيس الجمهورية جوزيف عون: «لا يتصل بي ولا أتصل به».
وبعيداً من البيانات الرسمية والعبارات الدبلوماسية، تكمن الخطيئة التي ارتكبتها سلطة الوصاية في تجاوز الثوابت التي لطالما أكّد عليها بري، والقائمة على أن أي تفاوض مع العدو الإسرائيلي يجب أن يبقى محكوماً بضوابط وطنية صارمة، وألّا يتحول إلى منصة تمنح الاحتلال مكاسب سياسية عجز عن انتزاعها في الميدان.
فبالنسبة إلى رئيس المجلس، لا يمكن لأي مسار تفاوضي أن يتجاوز الأولوية المطلقة المتمثلة في إلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف اعتداءاتها، وإطلاق الأسرى، وعودة أهالي الجنوب إلى قراهم، قبل الانتقال إلى أي نقاش آخر. فيما الصيغة التي خرجت بها مفاوضات واشنطن قلبت سلّم الأولويات، وفتحت الباب أمام ربط الانسحاب بسلسلة من الشروط السياسية والأمنية التي قد يستغرق تنفيذها سنوات، من دون أي ضمانات تلزم العدو بتنفيذ ما يترتب عليه.
وفي حديث إلى «الأخبار»، وصف بري اتفاق واشنطن بأنه «إملاءات»، وهو أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار 1983، الذي كان رئيس حركة أمل أحد أبرز قادة المواجهة السياسية والشعبية لإسقاطه. وأضاف: «عشر مرات 17 أيار ولا هيدا الاتفاق». وشدّد على عدم الانجرار إلى أي تحركات في الشارع أو ردود فعل قد تُستغل لإدخال البلاد في دوامة من الفوضى والاقتتال الداخلي.
وأكد أن أخطر ما يرافق الاتفاق ليس مضمونه السياسي فحسب، بل ما يمكن أن يترتب عليه من محاولات لإثارة الانقسامات الداخلية واستدراج اللبنانيين إلى مواجهة في ما بينهم، وهو ما يخدم الاحتلال الإسرائيلي قبل أي طرف آخر. واعتبر أن مواجهة هذا المسار يجب أن تبقى ضمن الأطر الدستورية والسياسية والوطنية، مشيراً إلى أن وزراء حركة أمل «لن يقاطعوا أي جلسة لمجلس الوزراء يُطرح فيها الاتفاق، وهناك نواجه ويكون لنا موقفنا»، مؤكداً أن «هذا الاتفاق لن يمشي، ولن يُنفَّذ… هيك منّو لحالو لن ينفّذ».
ورأى بري أن الفرصة الواقعية الوحيدة المتاحة أمام لبنان اليوم لانتزاع حقوقه وإلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل «تكمن في المسار التفاوضي الأميركي – الإيراني»، باعتباره الإطار الوحيد القادر على إنتاج توازنات تفرض على الاحتلال تنفيذ التزاماته. واعتبر أن أي محاولة لفصل الملف اللبناني عن هذا المسار، أو الذهاب إلى تفاوض منفرد مع إسرائيل وفق الشروط الأميركية والإسرائيلية، لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الاحتلال ومنح العدو الوقت لفرض وقائع جديدة على الأرض من دون أي ضمانات فعلية للبنان.
وحول ما يُتداول بشأن وجود توجه لإقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، أبدى بري موقفاً حاسماً، قائلاً: «لا يمزحنّ أحد هذه المزحة، ولا يلعبنّ أحد بالجيش»، مشدداً على أن المؤسسة العسكرية «خط أحمر وتشكل أحد أعمدة الاستقرار الوطني والضمانة الأساسية لحماية السلم الأهلي».
وكان بري أصدر، عقب توقيع الاتفاق، بياناً مقتضباً حذّر فيه اللبنانيين من مخاطر الفتنة، قائلاً: «يا أهلي في لبنان، كل لبنان، إنها الفتنة!»، مستشهداً بقول الإمام علي: «كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهراً فيُركب ولا ضرعاً فيُحلب». وفيما قرأت بعض الأوساط البيان على أنه أقل حدة مما كان متوقعاً قياساً إلى خطورة الاتفاق، رفض رئيس مجلس النواب هذا التوصيف، وقال رداً على سؤال لـ«الأخبار» حول سبب اكتفائه بذلك البيان: «عندما أصف الاتفاق بأنه فتنة، فماذا أقول أكثر من ذلك؟ هل المطلوب أن أشتم؟»، مشيراً إلى أن وصف الاتفاق بأنه «فتنة» هو أقصى درجات التحذير السياسي، لأنها ليست مجرد خلاف سياسي، بل خطر يهدد وحدة لبنان واللبنانيين.























