مقالات
الكلمة في مرمى النار: الصحافة بين الشهادة والواجب

في عالمٍ تتزاحم فيه الروايات وتختلط فيه الوقائع بالتحليل والدعاية، تبقى حرية الصحافة خطًّا فاصلًا بين ما يُقال وما يجب أن يُعرف.
هذا الحق، الذي نصّت عليه المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لا يقتصر على حرية التعبير، بل يمتد ليشمل حق الوصول إلى المعلومة ونقلها بلا خوف أو قيود، لأن الحقيقة لا تُجزّأ، والصحافة ليست ترفًا بل ضرورة.
في الثالث من أيار من كل عام، يقف العالم أمام هذا المفهوم في اليوم العالمي لحرية الصحافة، وهو اليوم الذي أقرته الامم المتحدةعام 1991، للتأكيد أن الإعلام الحرّ والمستقل ليس خيارًا سياسيًا، بل شرط أساسي لأي مجتمع يريد أن يعرف نفسه بصدق.
لكن هذا اليوم، بدل أن يكون احتفالًا فقط، بات مرآة لواقع مضطرب يزداد فيه الخطر على الصحفيين عامًا بعد عام.
في جنوب لبنان، خلال التصعيد الأخير، خرجت الصورة من إطار التغطية إلى حدود الاستهداف المباشر. الصحفيون الذين حملوا الكاميرا والميكروفون إلى الميدان، وجدوا أنفسهم في قلب النار.
لم يعودوا مجرد ناقلين للحدث، بل شهودًا يدفعون ثمن اقترابهم من الحقيقة. في مشهدٍ يختصر قسوة المهنة في مناطق النزاع، استشهد عدد من الإعلاميين أثناء عملهم، من بينهم عصام عبد الله، وفرح عمر، وربيع المعماري، إضافة إلى فاطمة فتوني، وعلي شعيب وغادة الدايخ وآمال الخليل.
هؤلاء لم يكونوا أرقامًا في خبر عاجل، بل أسماء حملت مسؤولية نقل ما يجري من دون تزييف أو تأخير، حتى اللحظة الأخيرة.
هذا الواقع يطرح سؤالًا أكبر من الحدث نفسه: ما معنى أن تكون صحفيًا في زمن الحرب؟ الإجابة لا تبدو بسيطة.
فالمهنة التي تقوم على الاقتراب من الخطر لتوثيقه، أصبحت هي نفسها هدفًا. ومع كل استهداف، تتكرّس معادلة قاسية: كلما اقترب الصحفي من الحقيقة، اقترب أكثر من الخطر.
لكن الخطر لا يأتي فقط من القصف المباشر. هناك أيضًا حصار من نوع آخر، لا يُرى بسهولة. تضييق على التغطية، منع الوصول إلى بعض المناطق، تهديدات عبر الفضاء الرقمي، حملات تشويه منظمة، واختراقات تستهدف الحسابات والصور والسرديات.
في العالم الرقمي، لم يعد الصحفي فقط في مواجهة الميدان، بل في مواجهة جمهور ضخم من التفاعل السريع الذي قد يتحول أحيانًا إلى أداة ضغط أو تحريض.
إلى جانب ذلك، يبرز استخدام القضاء كوسيلة ضغط غير مباشرة، حيث تُفتح ملفات قانونية وتُستخدم القوانين أحيانًا لتقييد العمل الصحفي أو إرهابه.
هذا النوع من الضغط لا يوقف الصحفي جسديًا فقط، بل يضعه تحت عبء دائم من القلق القانوني، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى رقابة ذاتية، أخطر من المنع المباشر، لأنها تُنتج صمتًا غير معلن.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى الإفلات من العقاب أحد أبرز التحديات. فغياب المساءلة عن الاعتداءات التي تطال الصحفيين يعمّق الأزمة ويجعل الانتهاك احتمالًا متكررًا لا استثناءً. ومع كل حالة تمرّ من دون محاسبة، تتراجع الحماية خطوة إضافية إلى الوراء.
ورغم كل ذلك، تستمر الصحافة. تستمر لأنها ليست مجرد مهنة، بل فعل مقاومة يومي ضد التعتيم. تستمر لأن هناك من يصرّ على أن ما يحدث يجب أن يُروى، حتى لو كان الثمن باهظًا.
في الميدان، وفي الشاشات، وعلى الحدود، وفي الأماكن المنسية، يواصل الصحفيون عملهم، مدفوعين بإيمان بسيط لكنه ثقيل: أن الحقيقة، مهما تأخرت، تستحق أن تُقال.
فاطمة عيسى
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



