عززت وحدات الجيش اللبناني دورياتها في شوارع طرابلس، وسط حالة من الغضب الشعبي بسبب الانهيارات المتكررة للمباني القديمة والجديدة على حد سواء، والتي أثارت مخاوف من وقوع ضحايا ومزيد من الأضرار.
وشملت التحركات العسكرية المداخل الرئيسية والنقاط الحيوية في المدينة، إضافة إلى الشوارع المكتظة بالسكان، في محاولة لضبط الأمن وتأمين سلامة المواطنين.
وتأتي هذه الخطوة بعد تسجيل عدة حوادث انهيار خلال الأيام الأخيرة، ما زاد من شعور الأهالي بالقلق والارتباك إزاء تدهور البنية التحتية وعدم اتخاذ إجراءات سريعة للمعالجة.
دعا النائب الدكتور عبد الرحمن البزري إلى تضامن وطني شامل مع أهالي مدينة طرابلس، معتبرًا أن تكرار المأساة اللبنانية من خلال انهيار المباني المُهددة، وحتى غير المُصنفة سابقًا على أنها خطرة، يعكس حجم الإهمال الكبير الذي عانته المدينة على مدى عقودٍ طويلة.
وأشار إلى أن “ما حصل يدلّ بوضوح على أن الكارثة الأولى التي وقعت منذ نحو أسبوعين لم تُحرّك المسؤولين بالقدر الكافي لاتخاذ إجراءاتٍ جدّية تقي من كوارثٍ جديدة وتحول دون سقوط المزيد من الضحايا، مؤكدًا أن هذا التقصير لا يزال مستمراً حتى اللحظة”.
وشدد على” التضامن الكامل مع أهالي طرابلس الفيحاء، مُطالبًا الحكومة اللبنانية باتخاذ خطواتٍ سريعة وفاعلة لحماية المواطنين ومنع تكرار مثل هذه الحوادث، التي قد تمتد إلى العديد من المُدن اللبنانية نتيجة سوء إدارة ملف السلامة العامة والبُنية التحتية على مدى سنواتٍ طويلة”.
وفي هذا الإطار، أجرى البزري سلسلة اتصالات بعددٍ من نواب مدينة طرابلس، اطمأن خلالها إلى أوضاع المدينة ووقف على حجم المأساة التي يعيشها أهلها.
المصدر: الوكالة الوطنية للاعلام
اعتبرت الهيئة اللبنانية للعقارات، في ضوء حادثة انهيار المبنى الأخيرة وما خلّفته من تداعيات إنسانية وعمرانية خطيرة، أنّ ما حصل «ليس حادثًا معزولًا»، بل يأتي في سياق تحذيرات متكرّرة كانت قد أطلقتها رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات، المحامية أنديرا الزهيري، بشأن واقع السلامة الإنشائية المتدهور لآلاف المباني في مختلف المناطق اللبنانية.
وأكدت الهيئة، استنادًا إلى دراسات ميدانية وأرقام موثّقة، أنّ عددًا كبيرًا من الأبنية بات خارج معايير السلامة العامة، ولا سيّما في المناطق المكتظة سكانيًا وإداريًا وتربويًا، حيث يشكّل أي انهيار خطرًا مباشرًا على الأرواح والممتلكات.
وفي هذا الإطار، حذّرت الهيئة من الوضع الإنشائي الحرج ومن تكرار مشهد وقوع الضحايا، مسمّية عددًا من أحياء الشمال ومدينة طرابلس، ولا سيّما: باب التبانة، ضهر المغر، أحياء السوق القديم والزاهرية، القبة، السرايا العتيقة – شارع الراهبات، وجبل محسن.
وأشارت إلى أنّ التقديرات تُظهر وجود نحو 4,000 مبنى مهدّد بالسقوط في طرابلس وحدها، معظمها يعود إلى عقود طويلة ويعاني من الإهمال وغياب الصيانة والرقابة، فيما كشف تصريح حديث لأحد أعضاء بلدية طرابلس عن وجود نحو 1,000 مبنى واجب الإخلاء.
ولفتت الهيئة إلى أنّ الخطر لا يقتصر على الشمال، بل يمتد إلى مختلف المناطق اللبنانية، وفق الأرقام المتوافرة، ولا سيّما في ظلّ تداعيات العدوان التي ما زالت تظهر، خصوصًا في الأبنية المتضرّرة جزئيًا أو كليًا.
وشدّدت الهيئة على جملة إجراءات عاجلة، أبرزها: إجراء مسح هندسي شامل وفوري للأبنية القديمة والمتضرّرة والمجاورة للأبنية المنهارة، إلزام البلديات والجهات المعنية باتخاذ قرارات سريعة بالإخلاء عند ثبوت الخطر، وهي صلاحية يقرّها القانون ولو تطلّب الأمر إخلاءً قسريًا بمؤازرة القوى الأمنية، إضافة إلى وضع خطة وطنية طارئة لترميم الأبنية القابلة للمعالجة أو هدم تلك الآيلة للسقوط، وتأمين التمويل والدعم التقني، لا سيّما في المناطق الفقيرة والمكتظة سكانيًا، فضلًا عن تفعيل الرقابة ومنع أي إشغال أو استثمار في مبانٍ غير صالحة للسكن أو الاستعمال.
كما طالبت الهيئة بدعم الهيئات الإغاثية، ولا سيّما الدفاع المدني وفرق الإطفاء والقوى الأمنية، داعية المواطنين إلى إفساح الطريق أمام آليات الدفاع المدني لتمكينها من استكمال أعمال الإغاثة والمهام الإنسانية.
وأكدت الهيئة أنّ “التقاعس عن المعالجة سيؤدي حتمًا إلى عواقب جسيمة، لا سيّما في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية والتي تضم مؤسسات تربوية وإدارية، حيث تصبح الكارثة مسألة وقت لا أكثر”.
وختمت بالتشديد على أنّ “الحفاظ على السلامة العامة ليس خيارًا، بل واجب وطني وأخلاقي، والمسؤولية مشتركة بين الدولة والبلديات والمالكين، قبل أن تتحوّل التحذيرات المتكرّرة إلى مآسٍ جديدة تُضاف إلى سجل الأزمات اللبنانية”.
ليبانون ديبايت
مشهد انهيار المباني المتضررة سواء من الحرب أو الكوارث أو بسبب الإهمال يمثل الخطر المحدق الذي لا ينتبه له المعنيون إلا ساعة وقوع المصيبة.
تشير الإحصاءات إلى أن في لبنان أكثر من 17000 مبنى بحاجة إلى ترميم معظمها في بيروت وضواحيها، والتحذيرات من خطر انهيار تلك المباني ترفعها نقابة المهندسين وكذلك جمعيات أخرى ومنها الهيئة الوطنية للعقارات.
تُمثّل المباني الآيلة للسقوط خطراً حقيقياً على السلامة العامة في ظلّ عدم وضع خطة متكاملة لتنفيذ المسح الدقيق للأضرار سواء الناتجة عن العدوان الإسرائيلي الأخير أو من سنوات الحرب وأيضاً المباني المؤجرة ولا يقوم أصحابها بترميمها لأسباب متصلة بقيمة الإيجار وأيضاً بمخالفة قانون البناء.
17 ألف مبنى مهدّد بالسقوط
يمكن تقسيم المباني المهددة بالسقوط الى قسمين، الأول يضم تلك المباني القديمة التي لم يُصَر إلى إعادة ترميمها وصيانتها، والثاني مبانٍ تضرّرت لأسباب منها الحرب أو التفجيرات أو الكوارث كالحرائق والفيضانات والهزات الأرضية.
لكن عدد المباني المهددة بالسقوط ارتفع من 16 ألفاً في صيف عام 2024 إلى 17 ألفاً بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان وتحديداً في الفترة الممتدة من أواخر أيلول/ سبتمبر 2024 حتى تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه إضافة إلى تضرّر عدد من الأبنية من جراء الاعتداءات الإسرائيلية وخصوصاً على الضاحية الجنوبية بعد وقف إطلاق النار.
وهناك خطة تعمل عليها نقابة المهندسين للكشف على جميع المباني القديمة في كل المناطق اللبنانية لتحديد مدى مطابقتها للمواصفات الهندسية ولشروط السلامة العامة.
إلا أن أكثر من إحصاء أجري لتلك المباني من دون صدور إحصاء رسمي يحدد عدد المباني وتوزعها، وتشير بعض الإحصاءات إلى تجاوز عدد المباني المهدّدة بالسقوط 17 ألفاً معظمها ضمن بيروت الكبرى حيث تصل النسبة إلى نحو 65 في المئة، فيما تحل مدن طرابلس وصيدا وزحلة في المرتبة الثانية حيث إن ثمة نحو 4000 مبنى مهدد بالسقوط فيما ينخفض العدد إلى 800 في الجنوب والبقاع والشمال باستثناء طرابلس.
ويشير المهندس راشد سركيس إلى ضرورة وضع خطة وطنية علمية لتنفيذ المسح الشامل للأضرار الناجمة عن الحرب الإسرائيلية الاخيرة على لبنان عام 2024.
وهناك أمثلة عن طريقة المسح للمباني وخصوصاً بعد عدوان تموز/ يوليو عام 2006 حيث تضرّرت آلاف المباني في لبنان، وارتفع عدد الوحدات السكنية المتضررة إلى 145 ألفاً بعد العدوان.
أما بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس عام 2020 فإن أكثر من 4000 مبنى تضرّر ومنها مبانٍ قديمة العهد وكانت بحاجة إلى ترميم وتدعيم.
















