منذ سنوات، يُصر فريق لبناني على المطالبة بـ”سحب سلاح المقاومة”. من يرصد خطابات ومقابلات هذا الفريق، يُلاحظ حضور سلاح حزب الله كفقرة ثابتة في أي تصريح. وفي سياق الهجوم عليه، يصفونه بمختلف أنواع العبارات: غير شرعي، سلاح ميليشياوي، قنبلة موقوتة، يجر لبنان إلى الويلات، إضافة الى ما هبّ ودبّ من المصطلحات والمفردات التي تسعى لتشويه حقبة هذا السلاح، وتصويره على أنّه خطر داهم، يجب التخلص منه اليوم قبل الغد.
ولأنّ الكلام ليس عليه جمرك، يذهب أصحاب حملة “سحب سلاح المقاومة” بعيدًا في نسج الأكاذيب والافتراءات للقول بعدم جدوى هذا السلاح وشيطنته، في نسف واضح للوقائع والحقائق، وتزوير للتاريخ الذي يعرفونه جيدًا لكنهم يحرفونه، ويعملون على حجب الشمس بالغربال. وفي هذا السياق، تكفي جردة وإطلالة سريعة، بالمحطات والسنوات، على تاريخ هذا السلاح وانعكاساته على اللبنانيين، ليتبين ما إذا كان فعلًا سلاحًا بلا جدوى جرّ لبنان إلى الويلات، أم جنّبه إياها.
ولعلّ أكثر ما يُثير “الصدمة” إن لم نقل “السخرية”، أنّ من يُطالب بنزع السلاح اليوم وسحبه بالقوة، له تاريخ حافل في القتل على “الهوية”، واستخدام السلاح الميليشياوي، لصنع أسوأ حقبة في تاريخ لبنان، هي حقبة “الحرب الأهلية”. وهنا، يكفي إجراء مقارنة سريعة بين سلاح المقاومة وسلاح المطالبين بسحبه وهم رعاة تلك الحرب، عبر استرجاع الأرشيف وعرض الوقائع ــ بلغة المنطق ــ كما هي دون زيادة أو نقصان. فماذا فعل سلاح المقاومة للبنان؟ وماذا فعل سلاح الميليشيات التي قادت الحرب الأهلية بلبنان؟.
تعود بنا الذاكرة إلى ما قبل 50 عامًا، حيث عاث سلاح حزب الكتائب وحزب القوات الذي تفرّع عنه قتلًا وتدميرًا وتهجيرًا بشركائهما في الوطن. تعاملا مع العدو “الإسرائيلي” ولم يتركا طريقًا لخيانة الوطن وشعبه إلا وسلكاه. وقد شجّع الانقسام الاحتلال “الإسرائيلي” الذي وجد حاضنة له من أحزاب ميليشياوية، شجّعه على اجتياحه لبنان. ولأنّ الأرقام تُكذّب المدّعي، فإنّ الحرب الأهلية التي استمرت 15 عامًا، بلغت خسائرها البشرية 150 ألف قتيل، 300 ألف جريح ومعوق، و17 ألف مفقود. وأنتجت الحرب هجرة جماعية للمسلمين والمسيحيين، فأجبر زهاء مليون شخص على النزوح داخل لبنان أو الهجرة إلى خارجه، وذلك في بلد بلغ عدد سكانه في حينها نحو 3 مليون فقط، حيث نزح نحو 600 ألف شخص من 189 بلدة وقرية مسيحية وإسلامية، أي ما يعادل 21.8% من مجموع السكان. كما هاجر إلى الخارج المتعلمون والطبقة المتوسطة والعليا، بحثًا عن الأمان، فخسر لبنان الأدمغة والكفاءات من أطباء، مهندسين، أساتذة.
ولعلّ أخطر النتائج التي ترتبت على الحرب الأهلية، كان الفرز الديني والمناطقي. انقسمت بيروت إلى منطقتين عُرفتا بـ”المنطقة الشرقية” و”المنطقة الغربية”، فتمزّق النسيج الاجتماعي بين الطوائف، وترسخت الطائفية في الحكم والسياسة أكثر من ذي قبل، وضعفت مؤسسات الدولة. وعلى الصعيد الاقتصادي، قُدّرت خسائر الحرب المباشرة التي أصابت رأس المال الإنشائي والتجهيزي في القطاعين العام والخاص بنحو 25 مليار دولار أميركي. تدهور الاقتصاد بشكل كبير، خاصة في الثمانينيات، حيث شهدت تلك الحقبة هروب رؤوس الأموال وانهيار البنية التحتية، وتضرر أكثر من 150,000 وحدة سكنية بشكل جزئي أو كلي. وفي عام 1986، أي بعد أكثر من عقد على الحرب، دخل لبنان مرحلة من الكساد الاقتصادي والفقر الشديد، يُرافقه تسارع حاد في حدة التضخم، انتشار البطالة، وقد انخفضت الليرة اللبنانية أمام جميع العملات الأجنبية، وظهر عجز كبير في ميزانية القطاع العام ونما العجز بشكل متزايد ما أدى إلى انفجار واضح في الدين العام برزت معالمه جلية بعد عدة سنوات، وما زلنا نعيش تداعياته، حتى يومنا الحاضر.
وتربويًا، عُلّقت الدراسة في المدارس والجامعات لفترات طويلة، وسط القصف والخوف من التنقل بين المناطق، ما أدى إلى بروز الأمية، وجيل محروم بشقه الأكبر من التعليم الذي إن وجد فبجودة منخفضة جراء تضرر البنية التحتية التعليمية، وضعف ميزانيات المدارس الرسمية. كما باتت المدارس مُقسّمة طائفيًا ومناطقيًا (مدارس مسيحية، شيعية، سنية، درزية…)، وسط غياب المدارس الوطنية التي تجمع مختلف الفئات والطوائف.
وإذا كان سلاح الحرب الأهلية الميليشياوي قد صنع أسوأ حقبة في تاريخ لبنان، لا نزال نعيش تداعياتها المؤلمة والقاسية حتى اليوم، فإنّ سلاح المقاومة صنع أنصع حقبة في تاريخ لبنان بشهادة الوقائع والسنوات بدءًا من تأسيسه عام 1982. وقد واجه هذا السلاح العدو “الإسرائيلي” في وقت سادت فيه مقولة “العين لا تقاوم المخرز”، حيث اضطرت “إسرائيل” عام 1985، وتحت ضربات المقاومة إلى الانسحاب من معظم المناطق التي احتلتها في لبنان. وقد تلقى العدو على مدار سنوات الثمانينيات والتسعينيات ضربات موجعة ومؤلمة، بلغت خلالها العمليات النوعية ذروتها. وفي عام 1993، واجهت المقاومة حرب “الأيام السبعة” والتي أسماها العدو بـ”تصفية الحساب” في تموز 1993، والتي انتهت بالتفاف شعبي كبير حول المقاومة، وفشل للأهداف الصهيونية، حيث خلص إلى ما سُمي بـ”تفاهم تموز”، ونصّ على عدم استهداف المدنيين، ما اعتُبر إنجازًا سياسيًا للمقاومة التي استطاعت أن تفرض معادلة جديدة في المواجهة.
وفي عام 1996، صمدت المقاومة في وجه عدوان نيسان “الإسرائيلي” وواصلت عملياتها، وانتهى العدوان بما سُمي بـ “تفاهم نيسان” الذي كرّس مجددًا شرعية المقاومة في الدفاع عن المدنيين والرد على أي اعتداء “إسرائيلي”.
وفي سنة 2000، تمكّنت المقاومة من تحقيق حلم كان يراه الناس مستحيلًا، حيث أجبرت العدو على الانسحاب من جنوب لبنان. وفي هذا الإطار، تحقّق أول انسحاب “إسرائيلي” من أرضٍ عربية محتلة دون قيد أو شرط، وذلك نتيجة عمليات المقاومة النوعية والمتصاعدة، ما ساهم في إعادة الحياة إلى القرى الأمامية لتساهم في اقتصاد لبنان من جديد، وليعود أهالي تلك القرى إلى ديارهم بعد سنوات طويلة من القهر والمعاناة، على المعابر “الإسرائيلية”، فضلًا عن تحرير الأسرى الذين عانوا ما عانوه على يد السجان “الإسرائيلي”.
عام 2006، وبالتحديد في 12 تموز، شنّت “إسرائيل” عدوانًا واسعًا على لبنان، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها، واستطاعت المقاومة بسلاحها النوعي أن تمنع “إسرائيل” من أن تدخل إلى لبنان أو أن تجدّد احتلالها. لا، بل تمكنت من فرض معادلة الردع لسنوات طويلة، حيث تلقت “إسرائيل” هزيمة نكراء، وصنعت المقاومة الانتصار الإلهي.
وما بين أعوام 2013، و2017، ومع تصاعد خطر الجماعات الإرهابية أمثال “داعش” و”النصرة”، واجهت المقاومة بسلاحها هذه الجماعات التي سعت بكل ما أوتيت من قوة ودعم غربي وعربي على إقامة إمارة لها في لبنان. وباتت التفجيرات الإرهابية السلاح المتنقّل لهذه الجماعات التكفيرية، لكنّ المقاومة تمكنت من إحباط مخططاتها. وفي عام 2017 خاضت جنبًا إلى جنب مع الجيش اللبناني معركة “فجر الجرود” التي انتهت بتحرير كامل الحدود الشرقية من الإرهاب، وتثبيت الأمن الوطني.
وفي عام 2023، دخلت المقاومة في معركة “إسناد غزة”، نصرة للقضية الفلسطينية، وتمكنت بسلاحها الشريف من تشتيت قدرات الاحتلال. وعام 2024، وفي معركة “أُولي البأس”، وقفت “إسرائيل” عند الحدود اللبنانية على مسافات قصيرة جدًا، حيث لم تتمكن لا من الوصول إلى الليطاني، ولا من الوصول إلى بيروت، ولا من أن تحقق الأهداف التي تريدها.
إذًا، عمل سلاح حزب الله على مدى أكثر من 40 عامًا لمصلحة لبنان وشعبه. بوصلته على الدوام كانت العدو “الإسرائيلي” ليشكّل الضمانة الحقيقية لشعب ذاق الأمرين من احتلال غاشم عاث فسادًا في الأرض. أما بوصلة المطالبين بنزع هذا السلاح الشريف فلطالما كانت الداخل اللبناني، وأبناء الوطن الواحد لتصفية الحسابات والأحقاد الدفينة. والمفارقة أنّ هؤلاء يُطالبون بنزع سلاح المقاومة وسط استمرار آلاف الخروقات اليومية والانتهاكات، وارتقاء المزيد من الشهداء. يريدون سحب السلاح من مقاومة حمت وحررت الأرض، وهم يشاهدون ما حلّ بالنموذج العربي، عندما تنازل عن أوراق قوته. ولعل مصر، الأردن، والجارة سورية خير مثال، حيث باتت ساحة للعدو “الإسرائيلي”. يُريدون ببساطة تجريد لبنان من قوته وتسليم رقاب اللبنانيين والوطن للعدو على “طبق من ذهب”، لكن هيهات.
فاطمة سلامة _ العهد
في مثل هذا اليوم من عام 1975، اندلعت شرارة الحرب الأهلية اللبنانية، حرب استمرت خمسة عشر عاماً وخلّفت وراءها آلاف الضحايا والمفقودين، ودمرت ما تبقى من نسيج اجتماعي كان هشاً أساساً. ومع حلول 13 نيسان من كل عام، يُطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يُمكن أن تتكرر الحرب خاصة في ظل الانقسامات السياسية والطائفية؟ وهل السلاح المتفلت الصغير يشكل وقوداً جديداً لنار قد تشتعل في أي لحظة؟رغم مرور نصف قرن تقريباً على حادثة “باص عين الرمانة”، ليس هناك من رواية وطنية موحدة بل تعيش كل طائفة متمسكة بروايتها، وتربي أبناءها على نسختها. ومع ذلك فإن الرواية التي تداولتها الجهات الرسمية اللبنانية في ذلك الوقت، وجرى تكرارها لاحقاً في العديد من المصادر، تقول إن: الخلاف بدأ عند الساعة 11 صباحاً تقريباً حيث كان مقرراً يومذاك أن يبدأ احتفال تدشين كنيسة سيدة الخلاص للروم الكاثوليك في شارع مار مارون المتفرع من شارع بيارالجميل بحضور الشيخ بيار الجميل، حين نشب شجار بين أحد عناصر منظمة فدائية فلسطينية وبعض سكان عين الرمانة، ما أدى إلى إصابته ونقله إلى المستشفى. وبعد وقت قصير، مرت سيارة من نوع فيات، فجرى تبادل إطلاق نار بين ركابها وبين شبان في المنطقة، مما أدى إلى مقتل جوزف أبو عاصي، وهو من سكان المنطقة، وعضو في حزب الكتائب. فتصاعد التوتر بسرعة ثم مرت حافلة تقلّ فدائيين فلسطينيين عائدين من احتفال بذكرى “شهداء الخالصة”، فتعرضت لإطلاق نار، مما أدى إلى مجزرة راح ضحيتها 22 شخصاً، معظمهم من ركاب الباص وبعض المدنيين في الشارع.
والرواية هنا تشير إلى أن حزب الكتائب تصرف كرد فعل لا كمبادر.أما الرواية التي رواها مصدر مسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية ونشرتها جريدة السفير في 14 نيسان 1975، فتشير إلى أنه عند الساعة 11:30 صباحاً، تعرضت سيارة تابعة للثورة الفلسطينية للاحتجاز من قبل عناصر مسلحة من حزب الكتائب في منطقة عين الرمانة، ثم أُطلق النار على سائقها. وعند حوالي الساعة 1 ظهراً، مرت حافلة تقلّ فلسطينيين عائدين من احتفال بذكرى “شهداء الخالصة”، وفي طريقها إلى مخيم تل الزعتر، تعرضت الحافلة لإطلاق نار كثيف من كمائن كانت معدّة مسبقاً من قبل حزب الكتائب، بحسب هذه الرواية، فإن ما حدث كان كميناً مخططاً وموجهاً ضد الفلسطينيين، وليس نتيجة رد فعل عفوي.
المهم أن الحرب انتهت شكلاً باتفاق الطائف، لكنها لم تنته فعليا في الوجدان اللبناني. فبعد اتفاق الطائف، انتقل الصراع من الشارع إلى المؤسسات.
الطوائف التي كانت تتقاتل بالسلاح أصبحت تتقاسم السلطة بالاتفاق والترضية، لا بالكفاءة والمعايير. المحاصصة الطائفية أصبحت سلاحاً بديلاً، تقسم البلاد من الداخل، وتُضعف مؤسسات الدولة بدل أن تقوّيها.لا مصالحة وطنية حقيقية، ولا محاسبة، ولا حتى رواية موحدة لما جرى.
الأجيال الجديدة لا تعرف إلا القليل عن تلك المرحلة، لكن ما يعيشه اللبنانيون اليوم من أزمات، يعيد إلى الواجهة مخاوف الماضي لا سيما وأن أطرافاً سياسية تتخوف من خطاب مكون سياسي يحاول البناء على ما خلفته الحرب الإسرائيلية على لبنان من تقويض لنفوذ حزب الله الذي للمناسبة لم ينجح في السنوات التي سبقت 2023 من تبديد هواجس الطوائف اللبنانية لا سيما المسيحية منها.المهم اليوم، أن من عايش تلك المرحلة يرى أن هناك عوامل تحدّ من تكرارها بالمعنى الكارثي نفسه وتتصل بالوعي الشعبي المختلف، فالكثير من اللبنانيين يعتبرون أنه لا يجب العودة إلى الحرب الأهلية، الظروف الإقليمية والدولية اليوم مختلفة عن تلك التي سادت في السبعينيات، والاهم يتمتل بالتوازنات الداخلية الهشة فكل الأطراف تعلم أن الحرب لن تكون رابحة لأي طرف إذا لم يمدها الخارج بالعتاد والمال.
ولأن لحرب الأهلية اللبنانية لم تنته فعلياً بل تغيّرت أدواتها من البندقية إلى الخطاب من المتاريس إلى الشاشات من المعارك إلى المحاصصة من الرصاص إلى الفقر الجوع، فإن المطلوب اليوم ليس فقط سحب السلاح من الشارع، بل استعادة الدولة لدورها وهيبتها وإجراء مصالحة وطنية حقيقية، تبدأ بالاعتراف بالأخطاء، وتعتمد العدالة الانتقالية طريقاً لتضميد الجراح فضلاً عن خطاب سياسي جديد، يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
فالاستقرار السياسي لا يصنع فقط بوقف إطلاق النار، بل ببناء دولة مدنية عادلة وقادرة، تخرج لبنان من منطق غلبة طائفة على أخرى، ولأن الواقع الراهن سيبقى مستمراً حتى إشعار آخر.
المصدر: لبنان ٢٤ (هتاف دهام )
أصدر رئيس الحكومة نواف سلام تعميماً إلى اللبنانيات واللبنانيين بمناسبة الذكرى الـ50 لاندلاع الحرب الأهلية في لبنان، طالباً فيه الوقوف دقيقة صمت وطنية جامعة وشاملة وذلك يوم الأحد 13 نيسان 2025 في تمام الساعة 12 ظهراً، تتوقف فيها الحركة في كل مكان تحت شعار “منتذكر سوا، لبنبني سوا”.
وفي ما يلي صورة عن التعميم:

















