“لا تستوحشوا طريقَ الحقِّ، لِقلَّة سالكيه”
انطلاقاً من مقالٍ، نُسِب للإمام علي عليه السلام، نَستطيع إعادة التّموضع استناداً إلى قوّتنا المُختَزنة لإنعاش عِزٍّ ما زال ينبض في أرواح أبناء الوفاء؛ تلك المسيرة التي قُطِفَت ثمارُ وجودها بنتاجِ عُمْرٍ من التضحيات، وبذل الوفير من الدماء في سبيل إحقاق حقٍّ زَهِدَ به كثيرون، وباعه من خانوا، واستسهله الوصوليون.
خلاصة المُبتغى: دِقّةٌ تفوقُ حالة الطوارئ، واحترازٌ يتجاوز كلَّ ما سبق.
إن المفاوضات وتناقل الكلمات والشعارات الزائفة ببريقها لن تثمر إلا احتلال مزيدٍ من أرض الجنوب، وترسيخ هذا الاحتلال ليصبح واقعاً مرهوناً بالوقت… وهل يُعقل أن يرضى منطق العقل السليم بذلك؟!
من هنا، نجد أن المعادلة الأجدى في مواجهة العدو لإرغامه على الخروج من الأرض التي اغتصبها، هي معادلة المقاومة والردع؛ وتجربة الأيام السالفة خيرُ شاهدٍ ودليل. إن عودة أهلنا إلى قراهم لن يُسعفها حسن النية تجاه هذا العدو، وما استباحته لِما تبقى من بيوتٍ في الجنوب ضمن المساحات التي احتلها إلا خير مصداق على ذلك. ولن يكون هناك شفاءٌ لواقعنا أو ترميمٌ لما تضرّر ما لم تَبقَ سواعدنا في الميدان تدحر وتُقاوم.
قد نعجزُ أحياناً استحباباً أو حياءً عن إظهار الشجاعة، لكنّ موضع الشجاعة في هذه الآونة غدا حاجةً لا بديل عنها. وآخر الدواء الكيّ… فهل نتعالى عنه حين يكون هو ما يُعيد قوّتنا في إعادة التموضع؟!
فليكن لنا في القول فعلٌ حسنٌ لا تهاون فيه، حين نقتصّ بشكلٍ علنيٍّ ممن تآمروا عمالةً مع العدو، ليكونوا مورد تأديبٍ للوصوليين، كي لا تبقى أيُّ جذورٍ فاسدة.
فلنطرد المدّعين الذين حاولوا تطويع القضية بمقدراتها وتحويلها إلى صفقاتٍ مشبوهة؛ فهُم كالوباء المختبئ الذي ينخر ويُفعّل الهشاشة في الجسد.
إن الكثير من المفاصل تحتاج إلى تعديل، ربما في بعض تفاصيلها. ونحن نشهد أن هناك أثراً واضحاً لوقع المعركة الموجع؛ وصحيحٌ أن المقاومة تلقت واقعياً ضرباتٍ قوية وقدمت كبار مسؤوليها وعلى رأسهم الأمين العام سيد شهداء الأمة وقيادات من الصف الأول وآخرون قادة ميدانيون والمئات من الشهداء والآلاف من الجرحى، وساعد العدو على ذلك عوامل عدة ميدانية وتكنولوجية وتواطؤٌ داخلي متعدّد الجوانب، ولكنها كما نهضت من قبل بعد كل ضربةٍ وعدوان، ها هي تستعيد المبادرة في بيتها وبيئتها ومجتمعها، ونشهدها جاهزةً — كما كانت دوماً — لحماية البلد من الأخطار، على الرغم من التضييق والحصار من الداخل والخارج.
صحيحٌ أن الكثير من المعطيات أعطت الفرصة للعدو للوصول إلى القائد، فضلاً عن القيادات التي استُهدِفت، لكننا اليوم نشهد ثباتاً في صفوف المقاومين قلّ نظيره.
لقد وثّق الواقع ما يشبه المعجزات حيال صمود حزبٍ استطاع أن يقف ثابتاً في مواجهة قوى عالمية غاشمة وتواطؤٍ داخليّ قذر، فضلاً عن محاولات العزل السياسي التي تُمارس على بيئة المقاومة بعد تنصّل المسترزقين والوصوليين الذين عاشوا على قوتها، ونمت جلودهم على موائدها، فاستسهلوا التنصّل من مبادئ سبق أن أعلنوا الانتماء لها، وأطاحوا بها دون أدنى مروءة، وأعلنوا عداءهم لها زاحفين إلى صفحة الولاء الشيطاني.
انطلاقاً من هنا، لا بد من إدراك أن عدونا لن يستثني ولن يوفر أي فرصة للنيل من البيئة الحاضنة للمقاومة، وليس من المقاومين حصراً. وما تقدمتُ به ليس جلداً للذات بقدر ما هو صفارة إنذار يُستضاء بها.
إن مصاديق معطيات النشاط المقاوم تنطلق من واقعه ومخاطبة الجمهور، والتي لا بد أن تُبنى على أسسٍ حقيقية تتناسب وما نمتلكه من قوة؛ فخدعة الحرب واجبة على أن تتناسب مع قوة الردع الداخلي وليس الخارجي فحسب. من هنا، لا بد من حسن التقدير في الكثير من المواقف، ولكي تنجح جولتنا المقبلة لا بد من توفر حسن التقدير في أي خطوة لمواجهة الأطراف المعادية، سواء كانت الداخلية أم الخارجية، وهذا يتطلب احترازاً يتناسب وحساسية المواقف والمجريات الحالية.
غدير مرتضى-العهد
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




