أدخلت هزيمة الحزب «الجمهوري» في الانتخابات النصفية الأميركية الحرب على إيران مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما تحوّلت كلفتها السياسية إلى عبء مباشر على الرئيس دونالد ترامب. ورغم أن نتائج الانتخابات ضيّقت هامش المناورة أمام «البيت الأبيض»، فإنها لم تدفع الإدارة إلى التراجع عن الخيار العسكري، بل أعادت فتح النقاش داخلها حول توقيت استئناف العمليات الواسعة وجدواها، في ظلّ استمرار الضربات المحدودة والتوترات البحرية في مضيق هرمز، وتعثّر المساعي الدبلوماسية لإنهاء الحرب.
وفيما تتزايد الضغوط الإسرائيلية على الولايات المتحدة لاستئناف الهجمات، تُواصل إيران تحرّكاتها في اتجاه حلفائها، وعلى رأسهم روسيا، سعياً إلى حشد أوسع دعم لرؤيتها للمفاوضات وترتيبات ما بعد الحرب.
وفي أحدث المؤشرات على استمرار وضع الخيار العسكري على طاولة الإدارة الأميركية، نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين أن «الجيش يستكمل استعداداته لاحتمال استئناف عمليات واسعة النطاق داخل إيران»، في حين أفادت شبكة «فوكس نيوز»، نقلاً عن مصادر مطّلعة، بأن «البيت الأبيض يدرس بجدية شنّ ضربات جديدة، في وقت لم يحسم فيه ترامب قراره النهائي بشأن العودة إلى التصعيد».
وبحسب دبلوماسيين تحدّثوا إلى «أكسيوس»، فإن «تباهي إيران بنتائج الانتخابات النصفية الأميركية قد يدفع الرئيس إلى استئناف الحرب»، في ظلّ حساسية الإدارة إزاء أيّ انطباع بأن خسارتها الانتخابية فرضت عليها التراجع أمام طهران.
وتأتي هذه المعطيات فيما بدأت تداعيات الهزيمة تتظهّر داخل الإدارة والحزب «الجمهوري». إذ أقرّ نائب الرئيس، جاي دي فانس، بأن الحرب أسهمت في خسارة حزبه، مشيراً إلى أن «الناخبين أرادوا إنهاءها، وإعادة التركيز على الأوضاع المعيشية، وتغيير طبيعة العلاقة مع إسرائيل».
ونقل «أكسيوس» عن مصادر أن فانس كان قد حذّر، قبل الانتخابات، «من المعارضة الشعبية الواسعة للحرب»، ومن احتمال أن تكلّف «الجمهوريين» خسارة الاستحقاق.
وفي المقابل، دافع ترامب عن قراره خوض المواجهة، معتبراً أن «الحرب كانت تستحقّ كلفتها»، ومؤكداً أن الولايات المتحدة «تواصل» ما تقوم به.
ويكشف هذا التباين عن اختلاف في تقدير الكلفة السياسية لاستمرار العمليات، بين تيار يدعو إلى أخذ الرسالة الانتخابية في الحسبان، وآخر لا يزال يرى في الضغط العسكري وسيلة لانتزاع تنازلات إيرانية.
ويمتدّ هذا التباين إلى تقييم أداء وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، الذي بات موقعه موضع نقاش داخل الأوساط «الجمهورية».
إذ نقلت شبكة «سي إن إن» عن مسؤولين في الحزب أن «هيغسيث بالغ في تقدير قدرة الولايات المتحدة على حسم الصراع مع إيران بسرعة»، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين التوقعات الأولية للحرب ومسارها الفعلي.
وفيما أفاد مسؤولون في «البيت الأبيض» بأن «ثقة ترامب في الوزير لم تتزعزع، رغم استطلاع الرئيس آراء مستشاريه بشأن أدائه»، نقلت الشبكة عن مصدر مطّلع أن «ترامب قد يجد نفسه مضطرّاً إلى الإبقاء عليه إذا قرّر شنّ ضربات إضافية ضدّ إيران».
ويتقاطع ذلك مع ما أوردته «فوكس نيوز» عن أن احتمال استئناف العمليات العسكرية قد يشكّل عائقاً أمام أيّ تغيير في قيادة وزارة الحرب، بما يجعل مصير هيغسيث مرتبطاً، جزئياً، بقرار التصعيد نفسه.
وفي المقابل، نقلت «سي إن إن» عن مصدر مقرّب من الوزير أن الأخير «لا يزال يتوقّع البقاء في منصبه، وأنه مستعدّ لمواجهة أيّ محاولة لعزله، فضلاً عن اعتقاده بأنه قادر على الدفاع عن جميع القرارات التي اتّخذها، في حال استدعائه إلى جلسات استماع علنية».
وفي موازاة السجال حول إدارة الحرب، تتّسع أيضاً دائرة الخلافات بشأن الدور الإسرائيلي فيها؛ إذ نقل «أكسيوس» عن مصادر أن فانس اتّهم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في أحاديث خاصة، بأنه «مخطئ في كلّ شيء» يتعلّق بإيران.
تواصل إسرائيل الضغط على الإدارة الأميركية لاستئناف الهجمات الواسعة على إيران
مع ذلك، لم ينعكس ارتفاع الكلفة السياسية للحرب تراجعاً ميدانياً أميركياً. إذ استهدفت ضربات أميركية، قبل يومين، جزيرة قشم الإيرانية، في عمليات وصفتها واشنطن بأنها «دفاعية»، وجاءت ردّاً على تهديد قواتها. أيضاً، أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن الولايات المتحدة نفّذت، خلال الأسابيع الماضية، «ضربات محدودة داخل إيران، بذريعة منع طهران من استهداف السفن التجارية في مضيق هرمز».
وتتزامن هذه العمليات مع استمرار التوتر في المضيق، حيث أعلنت إيران إصابة ثلاث ناقلات، فيما قال «الحرس الثوري» إن ناقلتَين اصطدمتا بألغام بحرية، واشتعلت النيران في ثالثة. ويُبقي هذا الواقع احتمالات الاحتكاك العسكري قائمة، حتى في حال امتناع الطرفَين عن الانتقال إلى مواجهة واسعة.
أمّا على المسار الدبلوماسي، فلم تُفضِ الوساطة القطرية، حتى الآن، إلى تقليص الفجوة بين واشنطن وطهران.
ونقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني أن «الطرفَين لا يزالان بعيدين من التوصّل إلى اتفاق ينهي الحرب»، فيما أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن «الجانبين كانا يراجعان، حتى صباح أمس، مقترحاً جديداً قدّمه الوسطاء».
وفي هذا السياق، برز التحرّك الإيراني في اتجاه موسكو، مع زيارة أمين «المجلس الأعلى للأمن القومي» الإيراني، محسن رضائي، العاصمة الروسية، حيث التقى الرئيس فلاديمير بوتين، وبحث معه، بحسب تصريحاته، «قضايا مرحلة ما بعد الحرب والترتيبات الأمنية في المنطقة».
وأعلن رضائي أن «المرشد الإيراني شدّد على ضرورة إيصال رسالته إلى بوتين في أقرب وقت»، مشيراً إلى أنه «استعرض مع الرئيس الروسي تفاصيل الاجتماع الذي عُقد في طهران مع ممثّلي تركيا وباكستان والسعودية». وبحسب رضائي، أكّد بوتين استعداد بلاده لتقديم أيّ مساعدة من شأنها إنهاء الحرب.
وتكتسب الزيارة أهميتها من تزامنها مع تعثّر المفاوضات الأميركية – الإيرانية، واستمرار التهديدات العسكرية، فضلاً عن تناولها شكل التفاهمات الأمنية والسياسية التي يمكن أن تلي الحرب، ولا سيما في ما يتصل بمضيق هرمز والعلاقة مع دول المنطقة.
في المقابل، تواصل إسرائيل الضغط على الإدارة الأميركية لاستئناف الهجمات الواسعة، في ظلّ خشيتها من أن يؤدّي المسار التفاوضي إلى تخفيف الضغط على إيران، من دون تحقيق الأهداف التي تسعى إليها هي.
وبحسب تقارير أميركية وعبرية نُشرت قبيل الانتخابات النصفية، كان ترامب قد فضّل «منح الدبلوماسية وقتاً إضافياً»، وهو توجّه باتت تعزّزه حساباته الداخلية بعد الخسارة الانتخابية، من دون أن يعني ذلك استبعاد الخيار العسكري.
ويأتي هذا في وقت نقل فيه موقع «واللا» عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين أن «الجيش يحافظ على حال تأهّب مرتفعة، وسط تقديرات باحتمال تنفيذ إيران هجوماً مباشراً بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة، أو التحرّك عبر حلفائها في المنطقة». وفي سياق التقديرات الأمنية الإسرائيلية أيضاً، تداولت وسائل إعلام عبرية تقريراً لصحيفة «نيويورك تايمز» بشأن معلومات استخبارية إسرائيلية تزعم أن «طهران تدرس استخدام أسلحة كيميائية». غير أن التقرير نفسه أشار إلى «تشكيك مسؤولين أميركيين في صدقية تلك المعلومات ودوافع طرحها».
المصدر: جريدة الأخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




