ليس كل من جاورك جغرافياً، كان جاراً بالمعنى الإنساني والأخلاقي. فالجوار ليس مجرد حدود مشتركة، بل علاقة يفترض أن تقوم على احترام الحقوق، وصون الكرامة، وعدم الاعتداء، وحفظ الأمن، واحترام حرمة الأرض والبيوت. فالجار هو من تأمن جانبه، لا ان تتحوّل مجاورته إلى مصدر دائم للخوف والتهديد.
من هنا، يبرز السؤال: هل يعقل أن نضع “إسرائيل” في خانة الجار، فيما أن تاريخ نشأة الكيان الصهيوني عام 1948 وما سبقه، ارتبط باقتلاع شعب من أرضه، وتهجيره، ومصادرة ممتلكاته، وارتكاب المجازر بحقه؟ وهل يمكن اعتبار ما تلا ذلك، مجرد خلافات سياسية بين جيران؟ فيما الاعتداءات والاحتلال والتوسع والاستيطان، شكّلت ملامح ثابتة في مسار العلاقة مع المحيط.
إن المسألة لا تتوقف عند الاعتبارات الأخلاقية، بل تتجاوزها إلى قواعد القانون الدولي. فميثاق الأمم المتحدة يحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي. ثم إن القانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين والأعيان المدنية، ويحظر استهدافهم والهجمات العشوائية وغير المتناسبة.
ولعلّ ما انتهت إليه محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024، لجهة عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، يشكّل دليلاً قانونياً إضافياً على أن المسألة ليست خلافاً في وجهات النظر، بل انتهاك لمبادئ قانونية دولية أساسية.
أما في لبنان، فإن الاحتلال والاعتداءات المتكررة، وما خلّفته من قتل وتهجير وتدمير للقرى والمنازل، لا يمكن اختزالها في نزاع حدودي عابر، ولا أن تتحول بفعل الزمن إلى واقع طبيعي أو حق مكتسب.
إن الجوار لا يُفرض بالقوة، ولا تمنحه الخرائط شرعية أخلاقية، ولا تصنعه اتفاقيات تتجاهل حقوق الشعوب. فحسن الجوار يبدأ بالاعتراف بحق الآخر في أرضه وسيادته وأمنه.
فكيف يكون جاراً من يهدم بيتك، ويقتلع أهلك، ويحتل أرضك، ويسرق مواردك، ثم يطلب منك أن تتعامل مع وجوده باعتباره أمراً طبيعياً؟
إن المشكلة ليست في رفضنا لمبدأ الجوار، بل في غياب أبسط شروطه لدى من يريد فرض نفسه جاراً بالقوة. فقبل أن تطالبنا “إسرائيل” بحسن الجوار، عليها أن تتعلم أولاً كيف تكون جارة، ولن تكون.
المصدر: جريدة الديار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




