من يملك قرار بدء الحرب، هل يملك بالضرورة قرار إنهائها؟ تضع توجيهات قائد الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران، السيد مجتبى خامنئي، هذا السؤال في صلب المواجهة مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”. فبين الدعوة إلى الرد الفوري من دون قيود جغرافية، والتأكيد أنّ إيران ستحدّد توقيت انتهاء المواجهة وظروفه إذا تجدّدت الهجمات، تتقدّم محاولة إيرانية لحرمان المعتدي من الاطمئنان إلى إمكان التحكّم بمسار الحرب، وضبط نتائجها عند حدود أهدافه.
تكتسب هذه الرسالة دلالة إضافية مع إعلان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، وجود نقاش بشأن مستقبل العقيدة النووية إذا اندلعت الحرب مجدداً، مع تأكيده عدم اتخاذ قرار جديد بهذا الشأن. ويأتي تحذير الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون من احتمال دفع إدارة دونالد ترامب نحو ضربة نووية ضد إيران ليطرح، من الجانب الأميركي، سؤالاً موازياً: إلى أين يمكن أن تصل المغامرة العسكرية، ومن يستطيع ضمان السيطرة على تداعياتها؟
ولا تتساوى هذه المواقف في طبيعتها أو درجة ثبوتها، فالتوجيهات الإيرانية معلنة، فيما يتضمّن كلام كارلسون ادعاءات عن مداولات وضغوط لم يقدّم في النص المنشور أدلة قابلة للتحقق المستقل عليها. لكنّ قراءتها معاً تتيح مقاربة المأزق الذي قد تفتحه أي محاولة لفرض تسوية على طهران بالقوة: كلّما ارتفع سقف التهديد، اتّسع احتمال أن تتغيّر حسابات المواجهة نفسها.
معركة على توقيت الحرب وحدودها
في توجيهاته إلى كبار قادة القوات المسلحة، في 31 تشرين الأول/أكتوبر، ربط السيد مجتبى خامنئي الجاهزية القتالية بتحقيق أقصى درجات الردع، وأمر بمواجهة التهديدات برد فوري وفاعل، من دون قيود جغرافية. وأكد أنّ القوات المسلحة والشعب الإيراني سيحدّدان زمان انتهاء الهجمات وظروفه إذا استأنفها الأعداء، بالتوازي مع تحديث بنك الأهداف ليشمل مختلف الأصول الأميركية والإسرائيلية المادية وغير المادية.
قد تكون هذه التوجيهات محاولة للتأثير في الحسابات التي تسبق قرار الهجوم. فالمخطّط لأي عملية عسكرية يحتاج إلى تقدير الرد المتوقع، ومدّته، ونطاقه، والكلفة التي يمكن تحمّلها. وعندما تعلن الدولة المستهدفة أنّها ستنازع المهاجم على توقيت إنهاء المواجهة، فإنّها تضع موضع الشك افتراضاً أساسياً في خطته: إمكان تنفيذ الضربة ثم إغلاق الجولة. بهذا المعنى، تسعى طهران إلى جعل سؤال الخروج من الحرب ملازماً لسؤال الدخول إليها. إذ لا تكفي القدرة على إصابة هدف عسكري لضمان تحقيق غاية سياسية، ولا يمنح التفوّق في وسائل التدمير صاحبه ضمانة بأنّ الطرف المقابل سيقبل بالشروط التي يُراد فرضها عليه.
كما يحمل نفي القيود الجغرافية وظيفة مشابهة، فهو يزيد صعوبة افتراض أنّ الرد سيبقى محصوراً في مساحة يختارها المهاجم، أو أنّ مصالحه خارج ميدان الضربة ستظلّ بمنأى عن المواجهة. ولا يتيح هذا الكلام وحده تحديد أهداف بعينها أو استنتاج قرار باستهداف دول أخرى، لكنه يوجّه إنذاراً بأنّ جغرافيا الهجوم قد لا تكون جغرافيا نتائجه. لذلك، فإنّ أهمية الرسالة تكمن في حجم الشك الذي تستطيع إدخاله إلى حسابات الخصم قبل أن تتحوّل إلى اختبار ميداني.
رضائي: ماذا تنتج الحرب في حسابات إيران؟
في هذا السياق، يكتسب كلام محسن رضائي بشأن العقيدة النووية وزناً يتجاوز الملف التقني. فقد أكد عدم اتخاذ قرار حكومي جديد، لكنه أشار إلى نقاش بشأن الإبقاء على العقيدة السابقة إذا تجدّدت الحرب، رابطاً المطالب بمراجعتها بتساؤلات داخلية عن جدوى استمرار النهج السابق بعد استهداف المنشآت النووية الإيرانية.
ويفتح هذا الموقف سؤالاً عن النتائج الاستراتيجية للعدوان، عمّا إذا كانت ستؤدي مهاجمة البرنامج النووي إلى تقييد الخيارات الإيرانية، أم تدفع إلى توسيع النقاش بشأنها؟ فحين تواجه دولة استهدافاً لمنشآتها رغم تمسّكها المعلن بالطابع السلمي لبرنامجها، يصبح البحث في وسائل الحماية جزءاً من النقاش حول مستقبل أمنها.
ولا يعني ذلك أنّ إيران قرّرت إنتاج سلاح نووي، أو أنّ حديث السيد مجتبى عن تطوير العقيدة الدفاعية يشكّل إعلاناً عن قرار نووي مستتر. فهذه استنتاجات تتجاوز المواقف المعلنة. الدلالة الأوضح هي أنّ رضائي وضع احتمال المراجعة على طاولة النقاش، وأظهر أنّ تجدّد الحرب قد تكون له آثار على خيارات طهران تتجاوز طبيعة الرد المباشر. وهنا يلتقي الموقفان في تحذير واحد، إذ لا يستطيع المعتدي أن يفترض أنّ إيران ستخوض مواجهة جديدة بالحسابات ذاتها، ثم تعود إلى موقعها السابق بعد انتهائها. فالحرب قد تغيّر تصوّر الدولة لمصادر الخطر، وللضمانات المطلوبة لمنع تكراره.
تحذير كارلسون.. حين يصبح سقف التصعيد موضع سؤال
على الضفة الأميركية، أورد تاكر كارلسون أنّ إدارة ترامب قد تكون على بُعد أيام من شنّ ضربة نووية ضد إيران، تحت ضغط من بنيامين نتنياهو، محدّداً موقعاً تحت الأرض في جبل “بيكاكس” هدفاً محتملاً. وربط كارلسون هذا الدفع، وفق روايته، بحاجة نتنياهو السياسية إلى الحرب، وتحدّث في المقابل عن تأييد جي دي فانس وستيف ويتكوف للتوصّل إلى اتفاق.
وإذا صحّ ما أورده، ولو جزئياً، فإنّه يكشف خطورة انتقال النقاش من إمكان تجديد الهجمات إلى احتمال تجاوز العتبة النووية. عندها يصبح السؤال متعلقاً بمستقبل القيود التي تحكم استخدام القوة، وبما قد تفتحه سابقة كهذه من حسابات لدى دول أخرى، فضلاً عن نتائجها الإنسانية والبيئية. ويكتسب الربط بكلام رضائي معنى أكثر حدّة، بحيث أنّه كيف يمكن مطالبة إيران بتثبيت خياراتها الدفاعية إلى أجل غير محدّد، إذا كانت تواجه احتمال تصعيد نوعي من الطرف الذي يطالبها بتقييد تلك الخيارات؟
الردع أمام اختبار السياسة والميدان
تكشف هذه المواقف عن صراع على شروط المرحلة المقبلة. تريد طهران، وفق ما يمكن استخلاصه من خطابها المعلن، رفع كلفة العودة إلى الحرب، وإقناع خصومها بأنّ التفوّق العسكري لا يتيح لهم الانفراد بتحديد سقف المواجهة أو مخرجها السياسي.
وفي هذه القراءة، تؤدي الجاهزية العسكرية وظيفة تتصل أيضاً بالدبلوماسية: زيادة كلفة البديل العسكري قد تمنح التسوية فرصة أكبر، شرط أن يقتنع الطرف المقابل بأنّ التهديد قابل للتنفيذ. أمّا إذا أخفق الردع، فإنّ صدقية المعادلة ستُقاس بقدرة إيران على الصمود، وإيقاع الكلفة، والحفاظ على تماسك قرارها.
تلك هي المسألة التي تضعها توجيهات السيد مجتبى في صلب المشهد، إذ أنّه قد تستطيع واشنطن اتخاذ قرار بالهجوم، لكنّها لا تستطيع أن تتعامل مع قرار النهاية باعتباره امتيازاً مضموناً لها. وبين نقاش الخيارات الدفاعية في طهران، والتحذير من مغامرة نووية في واشنطن، تتقدّم مسؤولية منع حرب قد تتجاوز نتائجها حسابات الذين يفكّرون في إشعالها.
الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




