لم تضع الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة حدًّا للصراع السياسي الإسرائيلي الداخلي، ولم تمنح أيًّا من المعسكرين تفويضًا واضحًا لحسم معركة تشكيل الحكومة. فبين محاولات بنيامين نتنياهو المحافظة على موقعه كرئيس لحكومة يمينية، ومساعي رئيس كتلة “يشار” غادي آيزنكوت لتشكيل حكومة بديلة لإسقاط نتنياهو، تعيش “إسرائيل” حالة انقسامات سياسية تقف على إثرها أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتداخل فيها الحسابات الحزبية مع ملفات أخرى داخلية كالأمن والتجنيد ومستقبل العلاقة مع الأحزاب العربية التي حصدت 19 مقعدًا في الكنيست لأول مرة.
وفي موازاة هذا المشهد، تتصاعد احتمالات ومؤشرات تجدّد المواجهة مع إيران، بما يطرح تساؤلات حول شكل المرحلة المقبلة وطبيعتها وحدود التصعيد الذي قد تشهده المنطقة.
إذا أردنا قراءة سريعة لنتائج الانتخابات الإسرائيلية وسيناريوهات المشهد بعدها، وبعيدًا من محاولات بعض الأطراف في “إسرائيل” إعادة تفسير نتائج الانتخابات بما يخدم مصالحها، فإن طبيعة هذه النتائج لا تحمل طعم الانتصار لأي كتلة؛ فالمشهد السياسي منقسم، لكنها أثبتت نتيجة مفادها أن كتلة اليمين الإسرائيلي والليكود لم تعد تشكل أغلبية. ومع ذلك، لم يتغير المشهد السياسي كثيرًا؛ إذ ما زالت ثلاثة سيناريوهات رئيسية مطروحة إزاء هذه التشكيلة التي أفرزتها الانتخابات، وتتمثل في تشكيل حكومة أقلية برئاسة غادي آيزنكوت، أو حكومة وحدة بدعم أميركي أو داخلي من رئيس الكيان، أو التوجّه نحو خيار انتخابات جديدة.
قراءة المشهد ما بعد الانتخابات تشير إلى أن آيزنكوت أقرب إلى خيار تشكيل حكومة الأقلية، بعد محاولات تجاوز العقبات الداخلية التي تعترض طريقه، فيما يفضّل نتنياهو حكومة وحدة، على الأقل في المرحلة الأولى، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة إذا تعذر عليه الحفاظ على موقعه.
وفي هذا السياق، من المهم ألا نغفل موقف القائمة العربية المشتركة؛ إذ أثارت تصريحات عضو الكنيست أحمد الطيبي خلال مقابلته الأخيرة على القناة 12 الإسرائيلية اهتمامًا كبيرًا وبالغًا، بعد الموقف الذي أعلنه وأشار فيه إلى ملامح سياسة القائمة المشتركة تجاه المرحلة المقبلة، والتي تقوم بالأساس على دعم أي جهد لإسقاط حكومة نتنياهو والعمل على تغيير رئيس الكنيست الإسرائيلي، مع عدم دعم أي مشروع لحجب الثقة تقدمه كتلة الليكود بهدف إسقاط حكومة الأقلية برئاسة غادي آيزنكوت حال تشكيلها.
لكن هذا الدعم ليس تفويضًا مفتوحًا، ولا يأتي بلا ثمن سياسي؛ فالقائمة العربية المشتركة تدرك جيدًا أن موقعها بعد الانتخابات يمنحها قدرة على التأثير في موازين القوى، وأن دعم أي حكومة ستكون له استحقاقاته وشروطه بما يتصل بمطالبها السياسية والمدنية كمجتمع فلسطيني عربي.
خيار حكومة الأقلية حساباته معقدة، إذ عكست تصريحات غادي آيزنكوت الأخيرة توجهًا جديًا نحو تشكيل حكومة أقلية مع إعادة طرح شروطه أمام الأطراف الراغبة في المشاركة فيها أو دعمها. ويُقرأ في تصريحاته أنه لا يتّجه نحو تشكيل حكومة مع نتنياهو، بل نحو بناء ائتلاف بديل يتيح تغيير شكل الوجه السياسي في “إسرائيل”، غير أن مثل هذا الخيار لا يزال محفوفًا بكثير من العقبات، خصوصًا في ظل التباينات داخل معسكر التغيير وصعوبة التوفيق بين المواقف المتعلقة بالأحزاب العربية والحريديم.
ومسألة تجنيد الحريديم تبرز في هذا التوقيت بوصفها واحدة من أكثر القضايا حساسية، إذ قد تتحوّل إلى نقطة خلاف جوهرية بين آيزنكوت والأحزاب الدينية التي يمكن أن تشكل عاملًا حاسمًا في تحديد هوية الحكومة المقبلة لدى الاحتلال الإسرائيلي.
في الزاوية الأخرى من الصورة، حسابات نتنياهو أيضًا حاضرة في المعادلة، ومن المؤشرات اللافتة في هذا السياق موقف حزب “يهدوت هتوراة” الذي حصل على سبعة مقاعد في الكنيست، والذي أعرب عن امتعاضه من احتسابه على معسكر نتنياهو. وقد أكدت بعض قياداته أن نتنياهو لا يملك 64 مقعدًا بل 53 فقط في الكنيست، وشددوا على أنهم ليسوا في جيب أحد من التكتلات التي أفرزتها الانتخابات، وأن موقفهم السياسي لا يمكن اعتباره أمرًا محسومًا سلفًا.
هنا، ومع هذا الموقف، يُمنح غادي آيزنكوت هامشًا إضافيًا للمناورة السياسية، ويدفعه ذلك إلى تخفيف حدة تصريحاته ومواقفه تجاه الحريديم، لكن السؤال المهم يبقى عن موقفه المبدئي من تجنيدهم من دون أن يؤدي ذلك إلى تفكيك المعسكر الذي يسعى إلى تشكيله.
وإزاء هذه المشهدية، نتنياهو لم يقف متفرجًا، وهو الآخر يسعى، ومعه الليكود، إلى تفكيك معسكر التغيير بزعامة آيزنكوت، ولا يبدو حتى الآن مستعدًا للاستسلام أمام نتائج الانتخابات؛ فهو يواصل السعي للعمل في مسارين متوازيين. ومشهدية كهذه تعكس تصاعد حدة الصراعات السياسية في “إسرائيل” وتأخذنا إلى مسارين:
المسار الأول: تكثيف الهجوم الإعلامي والسياسي لنزع الشرعية السياسية عن الأحزاب العربية التي حصدت 19 مقعدًا—وهي سابقة لم تحدث من قبل—واتهامها بتلقي أموال من قطر، بهدف تعقيد مهمة غادي آيزنكوت في تشكيل حكومة أقلية وإثارة الخلافات داخل معسكر التغيير بزعامة آيزنكوت.
المسار الثاني: عمل نتنياهو على إحداث اختراق في قائمة آيزنكوت وتفكيك الكتلة المناهضة له، سواء عبر استمالة بعض أعضائها أو إعادة طرح خيار حكومة الوحدة.
ورغم أن هذه المهمة ليست مستحيلة، فإن المؤشرات إلى الآن لا تبدو في صالح نتنياهو، خصوصًا في ظل تراجع قدرته على التحكم بموازين القوى داخل الكنيست الإسرائيلي.
وهنا، لا بد من التوقف عند قراءة أعمق تجاه خيارات نتنياهو وكتلته الأغلبية في الكنيست؛ وهذا يعني، بالمفهوم السياسي، أن نتنياهو ومعسكره لم يخسرا مقاعد فحسب، بل إن هذه النتيجة تحمل تداعيات سياسية كبيرة، وهذا يُعدّ تحوّلًا قد يفتح الباب أمام تغيير فعلي لرئيس الكنيست المنتمي إلى الليكود، وإلغاء عدد من القوانين الخلافية التي أقرها الكنيست الحالي، إلى جانب طرح تشريعات جديدة، أبرزها تشكيل لجنة تحقيق حول إخفاقات السابع من أكتوبر وقضايا أخرى، وكذلك قانون الحريديم.
وبذلك، فإن الصراع في “إسرائيل” ما بعد الانتخابات لا يقتصر على هوية رئيس حكومة الاحتلال المقبلة، بل يمتد إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي ككل، ومعه فتح ملفات كانت محصنة بفعل أغلبية الليكود السابقة في الكنيست.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، وبين تداخل حسابات كل طرف في “إسرائيل”، يبرز سؤال جوهري كبير مفاده: هل تتحوّل كل الحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية التي تحدثت عنها إلى مواجهة عسكرية مع إيران؟
ولعل هذا الموضوع يبرز مع كل التفاعلات السياسية في “إسرائيل” بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل تداخل الحسابات الإسرائيلية والأميركية مع مساعي الوساطة الإقليمية الجارية، وكان آخرها الحدث الأبرز، وهو اتصال هاتفي أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نتنياهو، والذي تناول بشكل أساسي الملف الإيراني، في وقت تتواصل فيه جهود الدوحة لإنعاش إمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي بوساطة قطرية.
غير أن التقديرات الإسرائيلية، ومعها الأميركية، تشير حتى الآن إلى أن فرص نجاح هذه الجهود لا تزال ضعيفة، يقابلها استعداد إيراني لكل السيناريوهات، وهذه الصورة تعطي نتيجة مفادها أن احتمالات استئناف المواجهة العسكرية كبيرة، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية المقرر إجراؤها.
وهنا يُطرح سؤال مهم إزاء هذه المشهدية: في حال تعثر المساعي القطرية الدبلوماسية، فإن السؤال لن يكون فقط حول إمكانية اندلاع الحرب، بل حول طبيعتها وأهدافها ومدتها. وكثير من التساؤلات تُطرح معها: هل ستكون مواجهة خاطفة أم تستمر لأيام تسمح للرئيس ترامب بإعلان تحقيق الأهداف بما يخدمه سياسيًا؟ أم أنها ستمتد أكثر، وتتجاوز الضربات المحدودة إلى استهدافات أوسع تطال منشآت وبنى تحتية؟ أم ستقتصر على استهداف منشآت نووية؟ أم ستنجح حسابات نتنياهو في دفع واشنطن نحو تبني استراتيجية تستهدف إضعاف قدرات إيران على مدى طويل كهدف إسرائيلي معلن؟
جملة من التساؤلات تطرح علامات استفهام كبيرة، لكن “إسرائيل” بعد الانتخابات باتت تقف أمام مرحلة تتداخل فيها أزمات سياسية داخلية عنوانها تشكيل حكومة جديدة، مع احتمالات ومؤشرات تصعيد إقليمي ومواجهة مع إيران. وبين محاولات نتنياهو استعادة زمام المبادرة والمحافظة على مستقبله السياسي، ومساعي آيزنكوت لبناء معادلة جديدة، يبقى الملف الإيراني عاملًا قادرًا على تغيير الحسابات وإعادة رسم الأولويات.
وفي ظل استمرار الجهود المبذولة دبلوماسيًا، تظل احتمالات تجدد المواجهة العسكرية مع إيران قائمة، والاستعدادات لاحتمال استئناف الحرب تتزايد، وقد تكون الأيام والأسابيع المقبلة كفيلة بالكشف عن اتجاهات حدوث هذا التصعيد وحدوده؛ لكن الأرجح، وفق قراءة المشهد، أننا أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات وتطورات ستكون حبلى بالأحداث والمفاجآت، في مشهد لن تتوقف تداعياته عند حدود “إسرائيل” وإيران، بل ستمتد لتطال مستقبل المنطقة بأسرها.
شرحبيل الغريب-الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




