في إطار مزايداته التي لا تتوقف على السراي الحكومي وبعبدا وحتى عوكر، لم يكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ينهي اتصاله برئيس الجمهورية جوزيف عون الذي أكّد فيه ضرورة محاسبة المسؤولين عن شحنة المواد المتفجّرة المضبوطة في منطقة ضهر البيدر، حتى طالب رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع بتوقيف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم. وفي الجلسة التي أُدرج بند إحالة قضية ضهر البيدر إلى المجلس العدلي على جدول أعمالها بناءً على طلب وزير العدل عادل نصار، انسحب وزراء جعجع منها قبل أن ينطق نصار نفسه. وعندما تمّت الدعوة إلى الجلسة المُخصّصة لملف النفايات أول من أمس، ورغم إعلان نصار أنه سيعيد طرح قضية الإحالة إلى المجلس العدلي فيها، أصدرت معراب بياناً استباقياً أعلنت فيه مقاطعة وزرائها لعدم ورود الأمر في جدول الأعمال.
هكذا، قرّر جعجع رفع سقف خطاباته ومواقفه فوق سقف رئيسي الجمهورية والحكومة، بعد أن مشى في ظلّهما أكثر من عام ونصف عام. فأنهى شهر العسل المُصطنع، وبدأ الكشف عن مخالبه، بنية فرض نفسه رأس الحربة في مواجهة حزب الله خلال المرحلة المقبلة، بدلاً من عون وسلام.
يتقاطع كل ما سبق مع ما تسرّب حول عقوبات أميركية قريبة على مسؤولين أمنيين ومقرّبين من عون بعد أن ضاق صدر الإدارة الأميركية من مماطلة الدولة اللبنانية في القيام بالمطلوب منها بشأن حزب الله. لذا، بدأت معراب تعدّ العدّة للمرحلة المقبلة، التي ستَلي الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، إذ يتداول القواتيون أخباراً عن مواجهة كبيرة آتية عقب ضغوطات خليجية وأميركية وإسرائيلية لتطبيق القرارات الحكومية وفرضها بالقوة ودفع الجيش اللبناني إلى الخطوط الأمامية في هذه المواجهة. وعليه، تشير مصادر مطّلعة إلى أن جعجع اتخذ قراراً بالضغط على عون وسلام من داخل الحكومة، نتيجة عدم قدرته على الانسحاب منها، نظراً إلى التمسك السعودي بها حتى هذه اللحظة.
وعليه، لجأ بداية إلى دفع وزير الطاقة جو صدّي إلى الاعتكاف لرفع مسؤولية عدم تأمين التغطية الكهربائية عنه ورميها في وجه سلام. ومن ثمّ، طلب من وزرائه الانسحاب من الجلسة ما قبل الأخيرة، احتجاجاً على عدم الموافقة على إحالة قضية ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، في مزايدة على رئيس الجمهورية، الذي كان قد اجتمع قبل الجلسة بالنائب سامي الجميل للحؤول دون انسحاب وزير العدل.
وأخيراً، طلب من وزرائه مقاطعة جلسة أول من أمس «تمسّكاً بضرورة تحمّل الحكومة مسؤولياتها كاملةً في الملف (ضهر البيدر)، فضلاً عن ملف الكهرباء الذي لا يقلّ أهمية عن ملف النفايات». وبذلك، خطفت معراب الأضواء من الصيفي في ضربة للجميل، وأعادت ملف الكهرباء إلى دائرة الضوء، رغم علمها أن سلام كان يعتزم تخصيص الجلسة المقبلة للكهرباء، وفق ما أفادت مصادر حكومية «الأخبار».
عبر هذه الخطوات، يتحرك جعجع ضد الحكومة من دون مغادرتها. فيُبرِّئ ذمة حزبه أمام الرأي العام في القضايا السيادية، وتلك التي تمس حياة المواطنين، ويظهر في موقع الطرف الأكثر تشدّداً وحرصاً على اتخاذ القرارات المطلوبة وتنفيذها، لا إدارة التسويات والالتفاف أو المماطلة في تنفيذ القرارات المُتخذة.
عند هذا الحدّ كان الاصطدام مع رئيس الحكومة الذي جمعته وجعجع علاقة أكثر من جيدة قبل أن يدرك الأول أن الثاني يهادنه ليتمكن منه. فبدأت مرحلة الصدامات الثنائية داخل كل جلسة حكومية وصولاً إلى تعيير سلام لوزراء معراب علانية بـ«الشعبوية».
أمّا رئيس الجمهورية، فلم يخدع يوماً بوجه جعجع المهادن رغم محاولته التحايل عليه عبر زيارته وإرسال وفود إليه ونسج خطابات تُثني على العهد الجديد وتكيل المدائح له. وهو ما انعكس بشكل واضح على عدم تلبية طلبات معراب في التعيينات والملفات الخدماتية والمالية. وبقدر ما حاول جعجع كتم غيظه من بعبدا ونفيه أن يكون نادماً على انتخاب عون رئيساً للجمهورية، كشف عن وجهه الحقيقي حين أعلن أن حزبه سيقف إلى جانب عون بقدر ما يتبنّى جميع طروحاته. بمعنى آخر، يريد جعجع أن يكون عون رئيس الظلّ له ويعمل وفق أجندته وبتوجيهاته أو يعلن الحرب ضمنياً عليه من الداخل. ويأتي في هذا الإطار ما وصل إلى بعبدا عن وشايات قواتية في واشنطن تتهم عون بالتلكؤ ومحاولة إدارة الخلافات مع حزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري.
في المحصّلة، يتأكد من كل ذلك أن أحلام جعجع بالرئاسة لم تخفت يوماً، بل تنتظر اللحظة المؤاتية، التي يبدو أن «الحكيم» يعتقد أنها قد اقتربت.
رلى إبراهيم – صحيفة “الأخبار”
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




