تحوّل الإنتاج الزراعي الوفير في سوريا هذا الموسم إلى أزمة تسويق، مع اضطرار المزارعين إلى البيع بأسعار تقلّ عن التكلفة. ويأتي هذا في ظلّ ارتفاع تكاليف الإنتاج، وإغراق الأسواق بالمستورد والمهرّب، وتراجع فرص التصدير.
دمشق | يعيش المزارعون السوريون هذه الأيام واحدة من أسوأ سنواتهم الإنتاجية؛ فالخير الوفير الذي جادت به السماء عليهم هذا الموسم، تحوّل إلى هاجس مُقلِق مع حلول موعد تصريف المحاصيل، إذ لم يعُد ثمّة خيار أمامهم الآن سوى اثنين: إمّا بيع إنتاجهم في الأسواق المحلّية بأسعار متدنّية لا تغطّي تكاليفه المرتفعة، وبالتالي تحمّل خسائر كبيرة، وإمّا تخزينه في مُنشآت تبريد خاصة لعدّة أسابيع، على أمل أن تتحسّن الأسعار قليلاً أو يُفتح باب التصدير. لكن هذا الخيار ليس مُتاحاً لجميع المنتجين، في ظلّ صعوبة تخزين بعض المحاصيل لديهم من جهة، وعدم قدرة قسم منهم على تحمّل تكاليف التخزين من جهة أخرى، وهي تكاليف ارتفعت بدورها مع زيادة أسعار المشتقات النفطية والكهرباء.
هكذا، تتكامل رُباعية المشكلات التي تواجه تصريف المحاصيل الزراعية وتسويقها، من سهول حوران والغاب وريف حلب، إلى حقول الجزيرة والقلمون وجبال الساحل. وتتمثّل هذه المشكلات في ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج والتسويق بعد زيادة أسعار المشتقّات النفطية والكهرباء والأسمدة والغراس والبذور والصناديق وغيرها، وإغراق الأسواق المحلّية بمُنتجات مستوردة أو مهرّبة، وتراجع فرص التصدير ومحدوديتها، فضلاً عن تدنّي أسعار شراء المحاصيل من المزارعين.
البيع بخسارة
في محافظة درعا، المشهورة بزراعة الخُضر الصيفية والقمح، هدّد مزارعو البندورة مراراً، خلال الأسابيع الماضية، بتنظيم اعتصامات للمطالبة بإيجاد حلول عاجلة لأزمة تصريف المحصول، الذي تنتج منه المحافظة أكثر من 300 ألف طن، وللتعويض عن الخسائر التي تكبّدوها من جرّاء اضطرارهم إلى البيع بأسعار تقلّ كثيراً عن التكلفة. وبحسب شهادات المزارعين، تُراوِح تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من البندورة بين 10 و12 ليرة جديدة، من دون احتساب تكلفة صندوق التعبئة، فيما يشتري تجار سوق الهال الكيلوغرام بأسعار تُراوِح بين 12 و14 ليرة جديدة، ليصل السعر لدى تجار المفرق في المحال إلى ما بين 40 و50 ليرة جديدة. لكن لماذا يستمرّ المزارع في البيع بخسارة؟ يجيب أحد المزارعين بأن الخيار الآخر هو ترك المحصول عرضة للتلف في الحقل، وتضييع جميع التكاليف التي أُنفقت على زراعته والعناية به خسارة كاملة. أمّا الاستمرار في البيع، رغم تدنّي الأسعار، فمن شأنه، على الأقلّ، الحدّ من حجم الخسارة.
فتح الأبواب أمام تصدير المُنتجات الزراعية لا يعدّه البعض حلّاً بحدّ ذاته
ولا يختلف حال مزارعي التفاح في مناطق الزبداني والقلمون وحمص والسويداء وغيرها؛ إذ تَرافق الإنتاج الوفير هذا العام، والمُقدّر بنحو 190 – 200 ألف طن، مع تدنّي أسعار الشراء التي يعرضها الوسطاء والسماسرة وتجار أسواق الهال المنتشرة في المحافظات. فالكيلوغرام الواحد يُباع بأسعار تُراوِح بين 45 و50 ليرة جديدة، في حين يصل سعره للمستهلكين في المحال إلى نحو 100 – 120 ليرة جديدة؛ وهو ما ينسحب أيضاً على محاصيل زراعية أخرى. ومع أن ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي بنسب كبيرة، نتيجة إلغاء الدعم الحكومي وتعاظم تكلفة مستوردات مستلزمات الإنتاج، يُفترض اقتصادياً أن ينعكس على أسعار بيع المُنتجات الزراعية، كما هي الحال مع سائر السلع والمُنتجات، المُصنّعة وغير المُصنّعة، فإن ما يحدث يشير إلى عكس ذلك. ويُعزى هذا التناقض، بحسب اقتصاديين، إلى ثلاثة أسباب رئيسَة:
أوّلها، تراجع الطلب المحلّي نتيجة انخفاض القوة الشرائية للأسر، التي باتت تكتفي بشراء كميات قليلة جداً من بعض المُنتجات، أو تستغني عن بعضها الآخر، كالفواكه مثلاً. وفي ظلّ وفرة الإنتاج، وتعذُّر تخزين بعض المحاصيل، تتراكم الكميات المعروضة في الأسواق، فيما يستغلّ بعض التجار الأوضاع في رفع الأسعار إلى مستويات تُلحِق بالمزارعين خسائر فادحة. أمّا السبب الثاني، فيتمثّل في محدودية الكميات المُصدّرة إلى الأسواق الخارجية التقليدية، وسط ما يصفه المزارعون بالتجاهل الحكومي لملفّ التسويق؛ ففي الوقت الذي لا تتوقّف فيه أخبار توقيع وزارة الزراعة لمذكّرات تفاهم وعقود بملايين الدولارات، يضطرّ كثير من المزارعين إلى بيع محصولهم «ببلاش». وثالثاً، يأتي الاستيراد والتهريب، اللذان أسهما خلال الفترة الماضية في إغراق الأسواق المحلّية بأنواع شتّى من المُنتجات والمحاصيل الزراعية، التي نافست المُنتج الوطني، سواء من حيث الأسعار أو الأصناف أو التعبئة والتغليف.
بلا زراعة
تاريخياً، شكّلت أسواق الخليج والأردن ومصر والعراق ولبنان، وُجهات تصديرية تقليدية للمُنتجات والمحاصيل الزراعية السورية. ومع رفع العقوبات الغربية، وتحسّن العلاقات السياسية والاقتصادية بتلك الدول، أمِل المزارعون والمُصدِّرون أن ينعكس هذا التحسّن إيجاباً على حجم الصادرات وتدفّقها. إلّا أن تدنّي أسعار معظم المُنتجات، وتراكم الكميات المعروضة في الأسواق المحلّية، يشيران إلى أن الأمور لا تزال على حالها. لا بل إن بعضها شهد تراجعاً بفعل التطورات المُستجدّة في المنطقة، وعلى رأسها الحرب على إيران وتبعاتها الاقتصادية، والإجراءات التي اتّخذتها بعض الدول بفعلها، فضلاً عن قرارات منع التصدير الصادرة محلّياً. وبحسب مزارعين، فقد شهدت السنوات الماضية تصدير كمّيات مقبولة من الفواكه إلى أسواق مجاورة، مثل العراق ومصر وبعض دول الخليج، وهو ما أسهم في تحقيق قدر مُعيّن من التوازن بين الكميات المُنتَجة وتلك التي أمكن تسويقها. وتكشف الإحصاءات الرسمية أن صادرات البلاد (المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة النظام السابق) من مادة البندورة وصلت في عام 2022 إلى نحو 144 ألف طن، ومن التفاح إلى نحو 56 ألف طن، ومن الحمضيات إلى 92 ألف طن، وغير ذلك.
أمّا الآن، فلا توفّر البيانات الرسمية المُتاحة عن حركة المعابر الحدودية، تفاصيل عن كمّيات الصادرات الزراعية أو قيمتها خلال الفترة التي أعقبت سقوط النظام السابق. ولا يتجاوز ما يجري تداوله حالياً تصريحات لتجار في أسواق الهال، يتحدّثون فيها عن أعداد الشاحنات التي عبرت الحدود في اتجاه الأسواق المُستهدفة. لكن هذا المؤشر لا يكفي لتحليل أسباب الفوائض الإنتاجية في بعض المحاصيل، ولا لتحديد مدى ارتباطها بحجم الصادرات أو بتراجعها. وفي خصوص البيانات الدولية المُتاحة، فتتعلّق بعام 2024، الذي بلغت فيه صادرات البلاد من المُنتجات الزراعية النباتية نحو 212 مليون دولار، منها نحو 9.8 ملايين دولار من التفاح، و10 ملايين دولار من البندورة، و3 ملايين دولار من البرتقال، إلى جانب مُنتجات أخرى.
غير أن فتح الأبواب أمام تصدير المُنتجات الزراعية لا يعدّه البعض حلّاً بحدّ ذاته؛ إذ قد يسهم في رفع أسعارها محلّياً، في وقت تعاني فيه غالبية الأسر من محدودية الدخول وانعدام الأمن الغذائي. لكن ما ذنب المزارع في ذلك؟ وهل مطلوب منه أن يبيع بأقلّ من التكلفة حفاظاً على أسعار منخفضة للمُنتجات الزراعية؟ لحلّ هذه المعادلة، يرى اقتصاديون أنه لا بدّ من تدخل حكومي مباشر، سواء عبر دعم مستلزمات الإنتاج، مثلما كان سائداً في السابق، أو من خلال دعم أسعار شراء المُنتجات النهائية، أو باستخدام أشكال أخرى من الدعم مُطبّقة في دول عديدة، بما فيها الدول الرأسمالية. أمّا ترك المزارع لمصيره، فينذر بتفاقم التحوّلات التي شهدها القطاع الزراعي خلال السنوات الماضية واتّساع نطاقها، حيث استبدل كثير من المزارعين زراعة القمح بالنباتات العطرية والتوابل مثلاً، واقتلع مزارعو الحمضيات في الساحل أشجارهم لزراعة الزيتون بدلاً منها، فيما هجر آخرون مهنة الزراعة نهائياً، واتجهوا إلى مهن أخرى.
المصدر: جريدة الأخبار
الرابط الأصلي: فتح الخبر في المصدر
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




