المشهد الانتخابي في كيان العدو يبدو شديد التعقيد. المنافسة مُشتعلة، وعدم القدرة على التغلّب وحصد الأكثرية لصالح أيٍّ من التكتلات يفتح الباب أمام سيناريوهات متعدّدة.
أسئلةٌ كثيرة تُطرح إزاء “التصارع” على المقاعد في الكنيست واليوم التالي في الحكومة. كيف يمكن توصيف الصورة على الأرض قبيل الاستحقاق؟ إلى أي مدى تمثل هذه الانتخابات استفتاءً على استمرار بنيامين نتنياهو في الحكم؟ ما العوامل التي قد تحدد موقع غادي أيزنكوت في المعادلة الانتخابية وما بعدها؟ في ظل تشتّت المقاعد بين الأحزاب والكتل، ما السيناريوهات المُمكنة لتشكيل الحكومة المقبلة؟ وإلى أيّ مدى يمكن أن تغيّر هوية رئيس الحكومة المقبل العقيدة الأمنية “الإسرائيلية”؟ ما انعكاسات وصول أيزنكوت أو نفتالي بينيت إلى الحكومة على جبهات لبنان وإيران وغزة؟
بحسب المتخصّص بالشؤون “الإسرائيلية” الدكتور عباس إسماعيل، نحن أمام مشهد انتخابي ساخن ومحتدم وصاخب ومتوتر جدًا، نتيجة الاصطفافات في مجتمع العدو، ونتيجة حالة الضبابية على صعيد النتائج؛ لأن أحدًا لا يستطيع أن يضمنها لصالحه، بموازاة الخطاب المتشنّج جدًا، ما يجعل التوقعات تُرجّح أن تكون متقاربة.
حصول المفاجآت هو أكثر التقديرات واقعية، يرى إسماعيل، بسبب نسب التصويت والاقتراع وسقوط الأحزاب الصغيرة. ويرى إسماعيل أن “وصول أيٍّ من الأسماء إلى رئاسة الحكومة مرتبط بحظوظ المعسكر والتكتل الذي يستطيع أن يحسم النتيجة النهائية وليس الحزب الفائز نفسه، ويقول، إن نتنياهو ومن معه من تكتل الليكود – قوة يهودية- الصهيونية الدينية والأحزاب الحريدية شاس ويهودات هتوراه، إذا استطاع حصد الأغلبية من الأصوات، فحظوظه بالتأكيد ستكون مرتفعة، لكنه حتى الآن وفق جميع الاستطلاعات لم يتمكّن من الحصول على الأغلبية؛ أي 60 مقعدًا وما فوق، ولديه حزبان (“عمخا يسرائيل” والاحتياطيون الاقتصاديون) يتأرجحان على حافة نسبة الحسم وإذا لم يتجاوزاها سيخسران 4 مقاعد، وهذا يعني إذا سقطا سيسقط معهما تكتل نيتناهو بشكل كبير وتتلاشى فرصه في العودة إلى رئاسة الوزراء”.
يُشير إسماعيل إلى أن “معسكر التغيير الذي يتصدّره اليوم آيزنكوت (حزب يشار) يتمايز عن تكتل نتنياهو وحلفائه، لناحية أن ليس لديه أيّ حزب يتأرجح على حافة الحسم؛ لأن جميع الأحزاب المتحالفة فيه نجاحها مضمون، لكنه يفتقد إلى ميزة أنه لا يحظى بالأغلبية المطلقة من الأصوات بناءً على استطلاعات الرأي، ما يمنعه من تشكيل الحكومة إلّا في حال نال تصويت أعضاء كنيست عرب”.
على المستوى العسكري للكيان ومصير حروبه على الجبهات غزة – الضفة – إيران – لبنان، من الخطأ ربط التصعيد بشخص رئيس الحكومة المقبل؛ لأنّ هناك اتفاقًا عابرًا للاصطفافات الحزبية في “إسرائيل” يقول إن الأخيرة تواجه مجموعة من التهديدات انطلاقًا من المفهوم الأمني الجديد السائد، وبالتالي الشخصيات المعارضة لنتنياهو ليست أقلّ تطرّفًا منه في كلّ ما يتعلّق بجبهات الحروب، طبقًا لقراءة الدكتور عباس إسماعيل الذي يضيف: “ليس صحيحًا الاعتقاد بأنه إذا سقط نتنياهو ستسقط التهديدات والتصعيد، واذا ربح آيزنكوت سيحلّ السلام، فالمقاربة غير دقيقة. الرجلان قد يختلفان بطريقة إدارة المعركة وبعض الأمور، غير أنهما يُجمعان على التوجهات الإستراتيجية الكبرى لـ”إسرائيل” باستثناء موضوع مقاربة ملف غزة والسلطة الفلسطينية”.
ويجزم إسماعيل بـ”أننا لن نكون أمام تغييرات جوهرية في الانتخابات “الإسرائيلية”، على اعتبار أن مقاربة التهديدات الأمنية متفق عليها في المستويات العسكرية والسياسية إلى حدّ التطابق، ولا سيّما بالنسبة للشخصيات المتنافسة، ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، خصما نتنياهو، هما أكثر منه تشدّدًا في كلّ الملفات من غزة إلى إيران. وعليه، من سيكون رئيسًا للحكومة “الإسرائيلية” بعد الانتخابات، سيلتزم بالمفهوم الأمني الجديد الذي يخوضه اليوم الكيان، بلا أيّ تعديلات جوهرية”. إذًا، هل يمكن أن نشهد وزراء عرب في حكومة “إسرائيلية”؟ يُجيب إسماعيل: “هذا محتمل وسبق أن حصل، لكنه مرهون بالاتفاق الائتلافي، ومنصور عباس لديه جهوزية حيال هذا الموضوع، وتحديدًا لدعم تحالف آيزنكوت بهدف إسقاط نتنياهو، وتحصيل حقوق فلسطينيي أراضي 48 في الداخل المحتل”.
يوم 27 تشرين الأول/أكتوبر سيكون يومًا حاسمًا في الكيان، وما سترسمه الأرقام سيحدد شكل الحكومة المقبلة، غير أن الثابت أن لا انقلاب على أيّ من مفاهيم العدو العسكرية، فالمتنافسون يرون في الحروب أكانت مفتوحة أو لم تكن، سبيلًا لتعزيز السيطرة والتوسّع في المنطقة.
وبينما قد تفتح النتائج الباب أمام تغيير في الوجوه والتحالفات، فإنها لا توحي بتحوّل جوهري في العقيدة الأمنية “الإسرائيلية”، بقدر ما تعكس تنافسًا على إدارة الحروب وتحديد أثمانها ومكاسبها. فحتى غادي آيزنكوت الذي يقدّم نفسه بديلًا لبنيامين نتنياهو وينتقد إطالة أمد الحروب دون ترجمتها إلى إنجازات سياسية، لا يطرح قطيعة مع نهج القوة، بل يدعو إلى توظيفه ضمن إستراتيجية أكثر وضوحًا، تشمل الإبقاء على “منطقة أمنية” في لبنان، ومواصلة مواجهة إيران، ورفض قيام دولة فلسطينية. وعليه، فإن الرهان على تبدّل القيادة بوصفه مدخلًا إلى تبدّل جوهري في السياسات يبقى محدودًا، ما دامت الثوابت العسكرية والاستيطانية حاضرة في برامج المتنافسين.
المصدر : العهد (لطيفة الحسيني)
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




