أعلنت القوات المسلحة اليمنية يوم الإثنين تنفيذ 6 عمليات عسكرية نوعية بـ “عدد كبير من الصواريخ البالستية والمجنحة والطائرات المسيرة” طالت ثمانية أهداف اقتصادية وعسكرية وحيوية في العمق السعودي خلال 48 ساعة (الأحد والاثنين)، من أبرزها شركة أرامكو في ينبع، وحقل الشيبة النفطي، ومطاري الرياض وأبها الدوليين، وقاعدة خميس مشيط من بين أهداف عسكرية أخرى جنوب المملكة.
الدلالات والرسائل والتأثيرات
اتساع دائرة العمليات جغرافياً من “ينبع” أقصى الغرب إلى “حقل الشيبة” أقصى الجنوب الشرقي، واستهداف مطار خالد الدولي في الرياض ومطار أبها الدولي، حمل رسائل ودلالات ومتعددة، تثبت قدرة القوات اليمنية على استهداف أي منشأة نفطية وأي مطار، وأي نقطة عسكرية أو حيوية أو اقتصادية على امتداد جغرافية المملكة شرقاُ وغرباً وجنوباً وشمالاً، وهذا الأمر ليس جديداً بعد تجربة طوفان الأقصى، لكنه يؤكد أن اليمن لم يستنزف قوته ومخزونه الاستراتيجي، والأهم من ذلك أن هذه العمليات وبهذا الزخم الناري تؤكد ما أعلنه مصدر عسكري قبل بيان المتحدث باسم القوات المسلحة من أن العاصمة السعودية الرياض ومنشآتها النفطية ليست آمنة، كما أن استهداف مطار خالد الأكثر تحصينا وحماية لأكثر من مرة يؤكد ما اعلنه المصدر نفسه لوكالة سبأ اليمنية: أن “أجواء المملكة ليست آمنة باستثناء مكة والمدينة”.
في التداعيات والتأثير فإن العمليات اليمنية وتثبيت الحظر الجوي اليمني على مطار خالد منذ 10 أكتوبر، فرضت إغلاقاُ ووقفاُ تاماُ لحركة المطار، وتسببت في توقف أكثر من 8500 رحلة جوية باعتبار متوسط الرحلات يومياً 850 كما تشير المصادر الرسمية، هذا الإنجاز لوحده فرض أنماط إخبارية على شركات المال والاستثمار في الرياض، وأجل انعقاد القمة الخليجية – الأوروبية، وأجل مؤتمر “دافوس الصحراء” إلى العام المقبل 2027م، واستمرار الوضع على هذا النحو في الرياض وأبها والدمام وغيرها، يؤكد فعلياً أن “أجواء المملكة غير آمنة” ويهز بالتالي مكانة السعودية وسمعتها ويضرب في صميم “رؤية 2030” وفكرة أن المملكة ستكون “يابان الشرق الأوسط” بل ستصبح بيئة طاردة للاستثمار والمستثمرين، وستحد بشكل كبير من فرص أولوية النظام السعودي في تعزيز “الاستثمار الداخلي”.
كما أن استمرار الاستهداف اليمني لعصب الاقتصاد السعودي المتمثل في منشآت “أرامكو” ومنشآت الإنتاج والتكرير وموانئ التصدير وخطوط الشحن …الخ، سيضرب الأولوية السعودية الثانية المتمثلة في “أمن الطاقة”، واستمرارها أيضاً يؤكد أن “المنشآت النفطية السعودية غير آمنة” وهذا يضرب في صميم الرؤية، ويؤثر بشكل عميق على الاقتصاد السعودي لسنوات قادمة.
أمام هذه المعادلات الحاسمة لا مخرج للسعودية سوى استئناف الأولوية الثالثة، المتمثلة بـ “الحوار وتصفير المشاكل في الإقليم” والبداية الحتمية مع اليمن.
طبعاً هذه الأولويات التي تحدثت عنها سابقاً ليست من بنات أفكاري ككاتب، بل مستوحاة من كلمة لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في منتدى دافوس وتحديداً في الـ 18 من يناير/كانون الأول عام 2023م، والنظام السعودي قبل غيره معني بمراجعتها بدلاً من إضاعة الوقت والجهد وتبديد الأموال في سبيل البحث عن تشكيل تحالفات وتجميع إدانات وتحشيد أدوات جربت وفشلت سابقاً، وصنعاء تؤكد دائماً أن “الأمن لا يجزأ” وأن “أمن اليمن أمن للسعودية وأمن السعودية أمن لليمن” وأن “أمن السعودية ومنشآتها ومصالحة مرهون بتنفيذ استحقاقات السلام: رفع العدوان وإنهاء الحصار”، وعلى السعودي أن يختبر صنعاء ويصفر مشاكلها ليعلم أهي “دمية”؟ كما يدعي النظام السعودي أم هي “صاحبة قرار”؟.
وما لم تصفر السعودية مشاكلها مع اليمن وتستجيب لشروط السلام، فإنها تثبت أنها هي “دمية” بيد الصهيونية وتضحي بمصالحها وشعبها من أجل الآخرين وتحديداً الأميركي والإسرائيلي، وتدفع بالآخرين إلى هذا المأزق الاستراتيجي، ونحن ندعوها إلى مراجعة الحساب بعين “المصلحة” و”الواقعية السياسية”.
“مراجعة الحساب”
العمليات اليمنية في هذا المرحلة نتيجة مكابرة النظام السعودي وإنهائه مرحلة خفض التصعيد، انقلابه الكبير على الاتفاقيات والتفاهمات واستمراره في عدوانه وحصاره على اليمن، يذكرنا بعملية “بقيق وخريص” في غمرة العدوان السعودي على اليمن أواخر العام 2019، لكن هذه المرة أوسع، وأشد وأنكى وأكثر ألماً.
وهنا من المفيد التذكر بمقال خطه الصحفي الأميركي المخضرم وأشهر كتاب الأعمدة “توماس فريدمان” في عموده المنتظم حول الشؤون الخارجية بصحيفة “نيويورك تايمز” تحت عنوان: “إعادة حساب ” بعد العملية اليمنية التي أوقفت نصف انتاج المملكة من النفط باستهداف “بقيق وخريص” التابعتين لأرامكو عام 2019م، وشبه العملية بالضربة اليابانية الشهيرة لقاعدة “بيرل هاربر” الأميركية، واعتبر أن تلك العملية غيرت “معادلات وقوانين الحرب” التقليدية في المنطقة ونجحت في اختراق منظومات الاعتراض المتطورة ونجحت في شل نصف إنتاج النفط السعودي، وجعل حلفاء واشنطن يدركون أن “مظلة الحماية الأميركية غير مضمونة” وخلص إلى أن على الجميع سماع نداء” إعادة الحساب” وتغيير تحالفاتهم واستراتيجياتهم الأمنية من الصفر.
طبعاً لا نسلم بالأطر التي سوق لها الكاتب في مقاله حينها، لكن من ذلك فقط أن السعودي لم يستوعب الدرس ولم يسمع جرس “إعادة الحساب” كما لم يعتبر من تجربة 12 عاماً، إذ لايزال يكابر ويغامر ويتصرف بعقلية بدوية من خارج حسابات “المصلحة” و”الواقعية السياسية” ومن دون استيعاب ما حصل من متغيرات على مستوى اليمن والإقليم والعالم.
وبلغة المصلحة وحساباتها من المفيد أيضاً أن نُذَكِّر بالأولويات الثلاث التي طرحها وزير الخارجية السعودي في منتدى دافوس عام 2023، فالسياق جاء بعد عملية بقيق وخريص وبالتزامن مع انعكاسات أزمة “الغرب الجماعي مع روسيا في الساحة الأوكرانية” على أمن الطاقة، وبالتالي فإن ظروف المرحلة الراهنة أكثر تعقيداً وأشد تأثيراُ على “أمن الطاقة” بحكم استمرار الأزمة في أوكرانيا زما افرزت من أزمات في أسواق الطاقة وتحديداً أزمة الديزل، مضافاً إليها “اختناقات الطاقة في هرمز” بسب العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران وتحويل الأخيرة ذلك المضيق الحيوي إلى ورقة ضغط استراتيجية.
إضافة إلى هذا وذاك لجأت اليمن مستفيدة من المتغيرات الإقليمية والدولية وحراجة الوضع الإقليمي والدولي إلى حصار الملاحة البحرية السعودية حصراً في باب المندب والبحر الأحمر كخيار ضرورة بعد أن استنزفت كل المقاربات السياسية والدبلوماسية دون جدوى، ودون تجاوب ملكي سعودي مع استحقاقات السلام الإنسانية والسياسية، فكان خيار صنعاء هو الأجدى والأكثر تأثيراً ووضع السعودي في مأزق أكبر من عملية بقيق وخريص وظروف 2023 وبالتالي فهو معني بمراجعة حسابه، وكان بمقدوره أن يكون أكثر الدول النفطية استفادة من المتغيرات الدولية وارتفاع أسعار الطاقة، لو أنه صفر مشاكله مع اليمن والإقليم، لكنه آثر أجندة الآخرين على مصلحته فنال ما يستحقه من العقاب، نتيجة إصراره على مواصلة عدوانه وحصاره، وتخليه عن إحدى أولوياته في سبيل الأميركي والإسرائيلي، ونقصد بذلك: “الحوار وتصفير المشاكل في الإقليم” كـ ضرورة وضمانه أساسية وجوهرية لتحقيق الطموح السعودي، لأنه لا استثمار ولا أمن لطاقة في بيئة مضطربة وغير آمنة، ولا نجاح لرؤية 2030 الحالمة من دون أمن، ولا أمن للسعودية واليمن يجوع ويحاصر ويعتدى عليه سعودياً.
في الخلاصة وبناء على قراءة المعطيات واستشرف الأفق، فإن اليمن يضع السعودية بين خيارين: إما مراجعة الحساب واستيعاب المتغيرات وأبرزها متغير القوة في يمن قادر على فرض المعادلات وبالتالي الاستجابة لشروط السلام العادل والمنصف والأقل كلفة، أو الاستمرار في عدوانها وتصعيدها وحصارها وأوهامها بإعادة الوصاية على اليمن، لكن عليها أن تدرك أن الخيار الأخير مكلف جداً، وأنها كلما كابرت واستمرت في هذا “النهج الصهيوني” تجاه اليمن – كما وصفه السيد عبدالملك – كلما تعاظمت كلفتها وتعمق مأزقها الاستراتيجي، وكانت الارتدادات عليها أكثر سلبية وكارثية في منشآتها النفطية ومطاراتها وقواعدها واقتصادها ونفوذها في اليمن، بل ومكانتها وسمعتها في الإقليم والعالم، وبما يسقط نظرياتها الأمنية ورؤاها الحالمة، ويجعل السعودي يسير بقدمية نحو “الانتحار الاقتصادي”، وقتئذٍ لن تكون المملكة “يابان الشرق الأوسط” ولن يكون لرؤية 2030 المتبقي من عمرها 3 سنوات أية فرصة نجاح أو نجاة.
علي ظافر
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




