كتبت صحيفة “الأخبار” تقول:
تكتسب زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت أهمية سياسية، تتجاوز ما أُعلن رسمياً عن مشاريع الكهرباء والطاقة الشمسية ودعم الجيش وإعادة إعمار الجنوب. فهذه الملفات، لا تزال بمعظمها في إطار التحضير والتفاهمات التي تحتاج إلى استكمال، وقد حُكي عنها سابقاً، ومشروع الكهرباء الذي يُفترض أن تتولى جهات قطرية تمويله وتنفيذه وتشغيله وفق صيغة البناء والتشغيل ونقل الملكية، لا يفسّر وحده توقيت الزيارة ولا حجم الاهتمام السياسي المحيط بها.
يُمكن القول إن الزيارة هي إعلان رسمي لانطلاق الدور القطري المُستجدّ، لفتح مسار موازٍ للمسار الأميركي الذي يضغط على الدولة اللبنانية، من دون إلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها وتنفيذ الانسحاب. كما أن الوساطة، إذا كانت تتضمّن فعلاً مُقترحات مكتوبة، ستكشف حدود الممكن بين ما تطلبه واشنطن، وما يمكن أن تقبله طهران، وما يراه الحزب قابلاً للنقاش في ظل استمرار الاحتلال.
وفي هذا الإطار، لا تبدو فرضية التنسيق المُسبق بين قطر والسعودية بشأن تفاصيل المهمة أمراً محسوماً، خلافاً لما قد توحي به صورة التحرك الخليجي المشترك في لبنان. فبحسب قراءات سياسية مُتداولة، أتاح انشغال الرياض بالتطورات المتصلة باليمن هامشاً أوسع أمام الدوحة لاستعادة دور الوسيط، مستفيدة من قدرتها على التواصل مع أطراف لا تجمعها قناة سياسية واحدة. لكن هذا لا يعني بالضرورة وجود تنافس سعودي قطري مباشر، بقدر ما يعكس اختلافاً في إيقاع التحرك وأدواته، في مرحلة يحتاج فيها لبنان إلى أكثر من قناة.
وكان لافتاً في زيارة المسؤول القطري، زيارته إلى «بيت الوسط» للاجتماع مع النائبة السابقة بهية الحريري في حضور نجلها نادر، واللذيْن تربطهما علاقات جيدة مع قطر منذ سريان القطيعة السعودية لآل الحريري. وقد جرى التداول في الاجتماع بالملفات السياسية عموماً، مع تقديم إحاطة حول ما يجري في المنطقة وجهود قطر لوقف الحرب، إضافة إلى توضيح بأن الدوحة مُستعِدّة لكل أشكال التعاون مع لبنان، في حال كان هناك تجاوب جدّي من قبل السلطات في بيروت.
وتطرّق المسؤول القطري إلى مخاوف جدية من احتمال لجوء رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو إلى خطوات حربية من أجل تطيير الانتخابات الإسرائيلية، وأنه قد يلجأ إلى فتح الحرب في لبنان، لافتاً إلى أن المفاوضات بين إيران وأميركا تمرّ في مرحلة حساسة.
ملف الكهرباء
وكان ملف الكهرباء البند الرئيسي على جدول أعمال المسؤول القطري، وأعلن رئيس الحكومة نواف سلام أن قطر سوف تستثمر في معامل إنتاج الطاقة، ما يوفّر على الخزينة اللبنانية عملية التمويل، وأن اتفاقاً سيُعقد وفق نظام الـ«bot»، على أن يتم توفير الطاقة بشكل مُنتظم وبأسعار مناسبة للمواطنين.
وذكرت المعلومات أن إعلان النوايا بين لبنان وقطر ستقوم بتنفيذه شركة «UCC» القطرية، التي ستؤمن في المدة الأولى (6 أشهر) نحو 300 ميغاوات عن طريق سوريا، على أن ترتفع التغذية بعد ذلك وفي خلال سنتين إلى 2000 ميغا عبر المشاريع التي ستنفذ في لبنان، لتصل في خلال 3 سنوات إلى 3000 ميغا.
وستزود قطر لبنان بالغاز عبر سوريا وعبر محطة تغويز عائمة في الشمال. ولذا، أجرت الشركة القطرية عملية فحص خط الغاز الواصل من سوريا إلى معمل دير عمار بعدما تم إصلاحه، فتبين أنه جاهز للعمل. كما جرى الحديث عن استفادة لبنان من أنبوب النفط الجديد الذي ينطلق من جنوب العراق نحو بانياس في سوريا، ليمتد لاحقاً إلى لبنان.
وكان وفد تقني قطري وصل إلى بيروت قبل عدة أيام، وعقد اجتماعات مُكثّفة مع وزير الطاقة جو الصدّي وفريقه على مدى ثلاثة أيام في فندق لوغبريال، حيث جرى عرض المُقترحات الممكنة لمعالجة المشكلة، بما في ذلك التفاصيل المتعلقة بالعقد الاستثماري، خصوصاً أن قطر تريد اتفاقاً من دولة إلى دولة، وأنها ستكون مسؤولة عن تأمين المعامل والإنتاج، بينما يُترك لمؤسسة كهرباء لبنان مسألة إيصال الطاقة إلى المستخدمين وجباية العائدات.
وما قدّمه القطريون، يشكّل مدخلاً إلى معالجة أزمة الكهرباء، لكن الانتقال إلى تغذية كهربائية على مدار الساعة يتطلّب، تأمين نحو 2500 ميغاواط إضافية إلى القدرة المُنتجة حالياً، ما يستدعي استثمارات رأسمالية تُقدّر بنحو 3 مليارات دولار لإنشاء معامل إنتاج جديدة، وتحسين شبكات النقل لاستيعاب القدرة الإضافية.
يشار إلى أن لبنان يحتاج إلى استثمارات لتعزيز شبكات النقل ومحطات التحويل لاستيعاب القدرات الجديدة، لأن زيادة القدرة الإنتاجية لا تضمن وصول الكهرباء إلى المشتركين ما لم تُعالج اختناقات الشبكة والخسائر الفنية وغير الفنية. أمّا الاستدامة المالية، فتختلف أعباؤها بحسب النموذج المُعتمد. فإذا تولّت الدولة التشغيل، فهل تستطيع تأمين السيولة بالعملة الأجنبية لشراء الغاز وتغطية النفقات التشغيلية بصورة مستمرة؟ أمّا إذا اكتفت بشراء الكهرباء من المستثمر، فهل ستُربط كلفة الشراء بأسعار الغاز وكلفة التشغيل، وما الالتزامات الثابتة التي ستترتّب عليها؟ وفي الحالتين، هل ستُحدّد التعرفة على أساس استرداد الكلفة، وهل تسمح القدرة الشرائية للمشتركين بتحمّلها في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة؟ وكيف ستنعكس أي زيادة على معدّلات الجباية والتخلّف عن الدفع؟ فتحقيق التوازن المالي لا يتوقّف على تحديد تعرفة تغطّي الكلفة نظرياً، بل على قدرة المشتركين على تسديدها فعلياً، وضبط الهدر الفني وغير الفني لضمان تحصيل الإيرادات.
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




