لم يشهد لبنان شرخًا علنيًا وواضحًا بين مكوّناته الوطنية بهذا الحجم، كما يشهده اليوم، في ظل الحرب المستمرة، وما يرافقها من مواقف وممارسات تصبّ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تعميق الانقسام الداخلي، سواء عبر التواطؤ بالكلمة، أو الترويج، أو الانشغال بمحاربة الظواهر الاجتماعية، بدلًا من مواجهة التحديات المصيرية التي يعيشها الوطن.
في بيروت، يعيش المواطن وكأنّ شيئًا لا يحدث في الجنوب المحتل، حيث يدفع الناس أثمانًا باهظة من أرضهم ومنازلهم وأرزاقهم، ومن خيرة شبابهم، فيما تُقتلع أشجار الزيتون المعمّرة، ويُنسف التاريخ، وسط صمت رهيب، بل مخيف، إزاء ما يجري، وكأنّ كل هذا الدمار يحدث بغطاء لبناني، أو على الأقل في ظل عجز عن مواجهته.
آلاف العائلات مشرّدة بين المحافظات، فيما يطرق العام الدراسي أبوابها، وتغيب المبادرات الجدية القادرة على احتضان هذه العائلات ومساندتها. أما الوعود التي أُطلقت لإعادة الإعمار ومعالجة آثار الدمار، فلا تزال، في كثير من الأحيان، حبرًا على ورق، في ظل غياب خطة واضحة ورؤية مستقبلية متكاملة لدى الوزارات والجهات المعنية، بما يضمن الاستجابة لحاجات الناس اليوم، ويؤسس لمرحلة التعافي غدًا.
ويزداد المشهد قتامة في ظل غياب إجراءات رادعة تحدّ من الخطاب الطائفي والاستفزازات التي تهدّد السلم الأهلي، فضلًا عن ممارسات تتجاوز حدود التعبير إلى أشكال من التواصل والترويج لمواقف تخدم العدو. والأكثر خطورة أن بعض المنابر الإعلامية تفتح أبوابها لهذه الأصوات، بما قد يسهم في تأجيج التوترات وتعميق الانقسامات، في بلد يرزح أصلًا تحت أزمات اقتصادية وصحية وبيئية واجتماعية خانقة.
أما المبادرات الأهلية والجمعيات والمساعدات التي يمكن أن تسدّ بعض الثغرات، فلا تزال دون مستوى حجم المأساة واحتياجات المتضررين. وكأنّ هؤلاء الناس ليسوا جزءًا من هذا الوطن، ولا من الذين ساهموا في بنائه، ودفعوا من أعمارهم وأرزاقهم وتضحياتهم أثمانًا باهظة، واغترب أبناؤهم بحثًا عن حياة كريمة، فيما بقيت جذورهم معلّقة بأرضهم وبيوتهم وذاكرتهم. والكلام في هذا الباب يطول، والوجع أكبر من أن تختصره الكلمات.
في المقابل، تبدو الصورة الثانية مختلفة تمامًا؛ فالحياة تسير في بعض المناطق بصورة طبيعية، وكأنّ البلاد تعيش واقعًا آخر. حفلات وسهرات في النوادي الليلية، ومناسبات تُقام بلا انقطاع، وحركة يومية تتواصل، فيما تُنظَّم شؤون الحياة العامة وتُطبَّق القوانين في بعض الأماكن، وكأنّ ما يجري على بُعد مسافة قصيرة لا يعني الجميع.
ليس الاعتراض على حق الناس في الحياة والفرح، ولا على ضرورة استمرار المرافق العامة وتنظيم شؤون المواطنين، بل على هذا التفاوت الصادم بين واقعين يعيشان داخل وطن واحد؛ واقعٌ يُحاصر فيه الناس بالخوف والتهجير والدمار، وواقعٌ آخر يتابع يومياته وكأنّ المأساة لا تعنيه، أو كأنّ ما يحدث في الجنوب لا يدخل ضمن مسؤولياته الوطنية والأخلاقية.
نعم، إنها الحقيقة الموجعة لدولة تبدو عاجزة عن حماية أبنائها واحتضانهم، فيما تشاهد الدمار والقتل وتدمير المعالم التاريخية على يد عدوّ محتلّ لا يتورع عن ارتكاب الجرائم، في حين ينشغل بعضهم بعالم آخر، لا يرى من المشهد إلا ما يريد أن يراه، أو ما يُطلب منه أن يروّج له.
إنّ الوطن لا يُقاس فقط بقدرة مناطقه على مواصلة الحياة، بل بقدرته على احتضان أبنائه حين تتعثر حياتهم، وبمدى شعور المواطن بأنّ مصيبته تعني سائر المواطنين، وأنّ وجع منطقة ليس شأنًا محليًا، بل قضية وطن بأكمله.
فإلى متى سيبقى لبنان أسير هاتين الصورتين؟ وإلى متى سيظلّ بعض أبنائه يواجهون الحرب والتهجير والخسارة وحدهم، فيما يمضي آخرون في حياتهم وكأنّ شيئًا لم يحدث؟ ومتى يستعيد الوطن وحدته، لا كشعار يُرفع، بل كمسؤولية تُترجم تضامنًا ومواقف وقرارات؟
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




