قامت قيامة مُعادي حزب الله على مبادرته إلى دفع بدلات إيواء للمُهجّرين بفعل العدوان “الإسرائيلي”.
لم يستفزّهم أن يُقتلع الناس من بيوتهم، ولا أن تتحوّل قرى بكاملها إلى ركام، ولا أن يقضي الأطفال أعمارهم بين نزوح وآخر، بقدر ما استفزّهم أن يجد هؤلاء من يمدّ إليهم يد العون. وصل الأمر بـ«نائب الفراغ» إلى حدّ المُطالبة بالتحقيق في مصادر الأموال. هكذا تصبح مساعدة المكلومين قضية تستدعي الاستنفار، فيما يبقى تخلّي الدولة عنهم تفصيلاً لا يستحقّ، في نظر هؤلاء، الحماسة نفسها.
لا أعرف حجم الحماقة التي تحكم سلوك أعداء الحزب. يقولون إنهم يريدون عزله عن بيئته، ثم يفعلون كل ما يجعل هذه البيئة أكثر تمسّكاً به. يريدون إقناع الناس بأن الحزب سبب مأساتهم، لكنهم يتركونهم وحدهم في المأساة، ويعترضون على الحزب لأنه يساعدهم على تحمّلها. يريدون انتزاع ثقة جمهور من الحزب، فلا يقدّمون لهذا الجمهور سوى الشماتة والاتهام والمُحاضرات. بأي عقل تُدار هذه الخصومة، وأيّ مستشار أقنعهم بأن الطريق إلى الناس تمرّ بإغلاق الأبواب التي يجدون وراءها سقفاً ولقمة؟
من يبحث عن منزل لا ينتظر بياناً عن السيادة. بل من يساعده على دفع الإيجار. والأم التي تحمل أبناءها من مكان إلى آخر لا تحتاج إلى نائب يشرح لها مصادر التمويل بقدر حاجتها إلى غرفة تحفظ كرامتها. ومن خسر بيته وعمله لا يستعيد حياته بمؤتمر صحافي. هذه حقائق يعرفها كل من اقترب من وجع الناس، لكنها تبدو عصيّة على من اعتاد التعامل معهم بوصفهم أصواتاً انتخابية أو مادّة للسجال. يسأل هؤلاء لماذا يتمسّك جمهور الحزب به، ثم يرفضون رؤية الجواب الماثل أمام أعينهم.
تريدون فعلاً منافسة الحزب في بيئته؟
حسناً، بادروا إلى إيواء المُهجّرين. افتحوا مؤسساتكم، اجمعوا التبرّعات، ادفعوا بدلات السكن، ساعدوا الطلاب، أمّنوا العلاج، ثم قدّموا خطة لإعادة الإعمار. اذهبوا إلى الناس بما ينفعهم، كونوا أكثر حضوراً، وعطاءً، والتزاماً، ثم اتركوا لهم حرية الحكم.
خصوم الحزب يعتقدون بأن خطابهم سيجذب الجمهور إليهم، فيما هم لا ينفعون في موقف ولا في خدمة ويريدون منع المساعدة عن الناس
الدولة التي تستدعون اسمها في كل مناسبة، يُفترض أن تكون أول من يتحمّل المسؤولية. طالبوها بخطة واضحة، وبأموال مُعلنة، وبآلية سريعة تضمن وصول المساعدة إلى مستحقّيها. حاسبوها على التأخير، وعلى ترك العائلات تحت رحمة الإيجارات والديون. استعملوا مواقعكم النيابية لإقرار ما يحتاج إليه المنكوبون، ولإلزام الحكومة بواجباتها. عندها يصبح كلامكم عن الدولة قابلاً للتصديق. أمّا أن يغيب الفعل الرسمي، ثم يُمنع أي طرف آخر من سدّ بعض هذا الغياب، فذلك يجعل الدولة ذريعة لتعطيل النجدة، ويحوّل شعارها إلى عقوبة تُفرض على المتضرّرين.
قد يقول قائل إن السؤال عن مصادر الأموال حق مشروع. نعم، شرط أن يكون الحق قاعدة عامة، وأن يُمارس بنزاهة، وألّا يتحوّل إلى أداة انتقائية تُشهر في وجه مساعدة المُهجّرين وحدهم. من يريد الشفافية فليطلبها للجميع، وليبدأ بنفسه، وبمنظومة التمويل السياسي والصفقات والثروات التي تحيط بالحياة العامة. ولعل «نائب الفراغ» المُتّهم بالتهرّب الضريبي وغسيل الأموال لم تثبت إدانته حتى الآن، لكن ذلك لا يمنحه أيضاً شهادة براءة أخلاقية تخوّله احتكار الوعظ. الميزان الواحد هو الامتحان. وما نراه في هذا السجال حماسة للتشكيك في المساعدة أكثر مما نراه حرصاً على أصحابها.
الناس ليسوا أغبياء. يعرفون الفرق بين من يزورهم لالتقاط صورة، ومن يعود إليهم ليسأل عمّا يحتاجون إليه. يعرفون من يتذكّرهم في الانتخابات، ومن يتذكّرهم عندما يتصل صاحب المنزل مُطالِباً بالإيجار. وقد يغضبون، ويناقشون، ويختلفون، لكنهم لا يقبلون أن يُطلب منهم التنكّر لمن يقف إلى جانبهم إرضاءً لمن يقف ضدهم.
وأكثر ما يثير الغضب، أن هؤلاء يتعاملون مع جمهور الحزب كأنه جمهور ينبغي تأديبه قبل مساعدته. عليه أن يغيّر موقفه، وأن يعلن توبته السياسية، وأن يردّد الرواية المطلوبة، حتى يستحق التعاطف. أي منطق هذا… هؤلاء مواطنون أصابهم العدوان، ولهم حقوق لا تتوقف على خياراتهم. ومن يطمح إلى تمثيلهم عليه أن يبرهن أنه يرى فيهم بشراً كاملي الكرامة، لا كتلة يُراد كسرها للوصول إلى خصم سياسي. لن تكسبوا إنساناً بإهانة حاجته، ولن تُقنِعوه بحسن نياتكم وأنتم تستكثرون عليه بدل إيواء.
لا حاجة هنا إلى عبقرية سياسية، بل إلى قدر من الحس السليم. كل اعتراض على المساعدة، من دون تقديم بديل، يتحوّل في وعي المتضرّرين إلى اعتراض عليهم. وكل صمت عن مسؤولية الدولة يقابله صراخ على من يدفع، يفضح ترتيب الأولويات. أنتم تمنحون الحزب، بأيديكم، دليلاً إضافياً على أنه الأقرب إلى جمهوره. ثم تتذمّرون من استمرار هذه الصلة، كأنكم لم تشاركوا في تقويتها.
المنافسة السياسية الجدّية تبدأ من تحمّل المسؤولية. أرونا قدرتكم على إيواء عائلة، وعلى إعادة بناء بيت، وعلى تأمين مقعد دراسي لطفل، وعلى تخفيف حمل عن أمّ. أرونا أن خصومتكم مع الحزب لا تلغي التزامكم بحقوق ناسه، عندها يصبح لكم كلام يسمعه الناس، وموقع يصعب تجاهله. أمّا الآن، فأنتم ترفعون الصوت فقط… أمَا آنَ وقف الجعجعة من غير طحين؟
كريم حداد – صحيفة الأخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




