اضغط للاستماع إلى عنوان الخبر ونصّه. صوت مولّد بالذكاء الاصطناعي.
يُنظر إلى الخلاف المتجدد بين إثيوبيا وإريتريا على أنه فصل جديد في تاريخ طويل من التوتر بين دولتين متجاورتين. لكن ما يجري اليوم له جذور تتجاوز الخلافات الثنائية، إلى منطقة لطالما جذبت القوى الخارجية بسبب موقعها وثرواتها ومنافذها البحرية.
ومن بين هذه القوى، برز الكيان الإسرائيلي منذ عقود، لا كمراقب لما يجري في القرن الأفريقي، بل كطرف سعى إلى بناء علاقات عسكرية وأمنية تخدم مصالحه في المنطقة.
في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلنت إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، بعدما أغلقت أديس أبابا سفارتها في أسمرا وطردت 10 دبلوماسيين إريتريين. واتهمت إثيوبيا إريتريا بدعم تحالف مسلح للمعارضة تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي، وهو ما نفته أسمرا. ومع تصاعد القتال في شمال إثيوبيا، عادت المخاوف من اتساع رقعة المواجهة. لكن لفهم المشهد الحالي، لا بد من العودة إلى الوراء.
بداية التدخل: إثيوبيا بوابة إلى البحر الأحمر
تكشف وثائق رفعت عنها السرية من وزارة الخارجية الأميركية بوضوح أن العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وإثيوبيا لم تكن مجرد علاقة دبلوماسية عابرة.
ففي تقييم أميركي يعود إلى عام 1975، وُصفت إثيوبيا بأنها «حجر الزاوية في السياسة الإسرائيلية في شرق أفريقيا»، فيما أشار التقرير إلى تقديم الكيان الإسرائيلي مساعدات اقتصادية وتدريبًا عسكريًا ومستشارين إلى أديس أبابا.
لكن خلف هذا التعاون كانت هناك حسابات أوسع. ففي ذلك الوقت، كانت إثيوبيا لا تزال تملك ساحلًا وموانئ على البحر الأحمر، فيما كان الكيان الإسرائيلي ينظر إلى هذا الممر المائي باعتباره جزءًا من مصالحه الأمنية. ويقود البحر الأحمر إلى باب المندب، البوابة البحرية التي تصل المنطقة بخليج عدن والمحيط الهندي.
لهذا، لم يكن دعم إثيوبيا منفصلًا عن موقعها الجغرافي. بالنسبة إلى الكيان الإسرائيلي، كان بناء علاقة قوية مع أديس أبابا وسيلة لتعزيز حضوره في منطقة بالغة الحساسية.
السلاح في مواجهة الاستقلال الإريتري
لكن لهذه العلاقة جانبًا أكثر مباشرة. ففي الوقت الذي كان فيه الإريتريون يقاتلون من أجل الاستقلال عن إثيوبيا، شارك مستشارون إسرائيليون في تدريب القوات الإثيوبية، بما في ذلك أساليب مرتبطة بمكافحة التمرد، وفقًا للوثائق الأميركية التي رُفعت عنها السرية.
وهكذا، لم يكن التدخل الإسرائيلي بعيدًا عن الصراع، بل ارتبط بالقوات الحكومية الإثيوبية التي كانت تواجه الحركة الإريترية.
ولا يعني ذلك أن الكيان الإسرائيلي صنع الصراع الإريتري أو أن مطالب الاستقلال بدأت بسبب تدخله. فقد كانت لتلك المطالب جذور تاريخية وسياسية عميقة.
لكن الثابت هو أن الكيان الإسرائيلي كان يرى في بقاء إثيوبيا شريكًا له مصلحة استراتيجية، وأنه اختار دعم هذا الشريك عسكريًا في وقت كان فيه الإريتريون يخوضون معركة استقلالهم.
وفي عام 1993، أصبحت إريتريا دولة مستقلة، إلا أن انتهاء الحرب لم يضع حدًا للتعاون بين الكيان الإسرائيلي وإثيوبيا.
بعد استقلال إريتريا… السلاح يعود إلى الواجهة
في عام 1998، اندلعت حرب جديدة بين إثيوبيا وإريتريا بسبب النزاع على أراضٍ، في مقدمتها منطقة بادمي. ومع اتساع المواجهة، دخل الطرفان في سباق تسلح واسع، وسقط آلاف القتلى. ومرة أخرى، ظهر دور الكيان الإسرائيلي.
فخلال الحرب، زوّد الكيان الإسرائيلي إثيوبيا بمعدات عسكرية، بينها مساعدات مرتبطة بتطوير مقاتلات ميغ-21 الإثيوبية. ولم يكن الكيان الإسرائيلي الطرف الوحيد الذي باع السلاح إلى أطراف النزاع، فقد شاركت روسيا وأوكرانيا والصين وبلغاريا وغيرها في عمليات التسليح. لكن استمرار التعاون العسكري بين الكيان الإسرائيلي وإثيوبيا بعد استقلال إريتريا، وفي خضم حرب مباشرة بين البلدين، يكشف أن العلاقة لم تكن مرتبطة فقط بمرحلة الحرب الباردة، بل استمرت وفق الحسابات ذاتها. وفي عام 2000، فرضت الأمم المتحدة حظرًا على الأسلحة بحق إثيوبيا وإريتريا في محاولة لوقف سباق التسلح.
السؤال الأهم ليس ما إذا كان الكيان الإسرائيلي قد تدخل في القرن الأفريقي. الوقائع الواردة في الوثائق والتقارير تشير إلى ذلك.
السؤال هو: ماذا كان يريد من هذا التدخل؟ ولماذا استمر لعقود؟
منذ الحرب الباردة، دعم الكيان الإسرائيلي إثيوبيا بالمساعدات والتدريب العسكري، وراقب باهتمام ما يجري في إريتريا، ثم واصل تعاونه العسكري مع أديس أبابا بعد الاستقلال الإريتري، قبل أن يزوّدها بقدرات عسكرية خلال حرب 1998–2000.
هذا ليس مجرد تبادل دبلوماسي بين دولتين. فعندما تدرّب قوة خارجية جيشًا أجنبيًا، وتساعد في تطوير مقاتلاته وتزوّده بالسلاح وتبني معه علاقات عسكرية في منطقة شديدة الحساسية، فإنها تدخل عمليًا في معادلة القوة هناك. وقد يكون الكيان الإسرائيلي قد قدّم هذا الدور بوصفه مسألة مرتبطة بأمنه ومصالحه في البحر الأحمر. لكن النتيجة تبقى واحدة: حضور عسكري وسياسي داخل منطقة بعيدة عن حدوده، بما يخدم حساباته الخاصة.
لماذا تعود هذه الصفحة إلى الواجهة اليوم؟
لأن الجغرافيا لم تتغير. فالقرن الأفريقي لا يزال بوابة إلى البحر الأحمر، وإثيوبيا لا تزال تواجه مسألة الوصول إلى البحر، فيما تحتفظ إريتريا بساحل يقع على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ومع عودة التوتر بين البلدين، ستتركز الأنظار بطبيعة الحال على الخلافات الحالية وأسبابها المباشرة.
لكن هناك جانبًا آخر لا ينبغي تجاهله. فعلى مدى عقود، تدخل الكيان الإسرائيلي في هذه المنطقة عبر السلاح والتدريب والعلاقات العسكرية، انطلاقًا من مصالحه وحساباته الخاصة. ولم يكن هذا التدخل مجرد متابعة لما يجري، بل كان جزءًا من محاولته تثبيت نفوذه وحماية موقعه في محيط البحر الأحمر. وهنا تكمن أهمية إعادة قراءة هذا التاريخ.
فالمسألة لم تكن مجرد علاقة بين دولتين، ولا مجرد تعاون عسكري عابر. فعندما تتدخل قوة خارجية بالسلاح والتدريب والتحالفات لحماية مصالحها في منطقة أخرى، فإنها لا تؤثر في ميزان القوى فحسب، بل تترك بصمتها على الصراعات التي يعيشها أهل المنطقة أنفسهم. وفي القرن الأفريقي، كان لإثيوبيا والبحر الأحمر موقع واضح في الحسابات الاستراتيجية للكيان الإسرائيلي.
المصدر: موقع العهد الإخباري
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




