يعود وثائقي «المصيدة» إلى خفايا تفجيرات «البيجر» في لبنان، متتبّعاً مسار اختراق شبكة اتصالات «حزب الله» والشكوك التي سبقت العملية. عبر شهادات ووثائق وتحقيقات أمنية، يكشف العمل تفاصيل خطة كان يُراد لها إيقاع آلاف الضحايا، والأخطاء والمؤشرات التي كادت تقود إلى اكتشاف الأجهزة المفخخة قبل تفجيرها
صدر أخيراً وثائقي «المصيدة» عبر منصّة «الجزيرة 360»، الذي أعدّه رضوان مرتضى مع الصحافيّين جاد الحاج، عبّاس فنيش، عماد خشمان، إيلي الخوري، شون موراي، كالا والاس. الوثائقي المؤلّف من جزأين يروي قضية الاتّصالات التابعة للمقاومة في لبنان وخرقها وصولاً حتّى مجزرة «البيجر».
بتسلسل زمني متصاعد، يبدأ الوثائقي من العام 2006، وخصوصاً بعد «حرب تمّوز» عندما بدأ العدوّ الإسرائيلي التحضير للانتقام من هزيمته. يروي توجّه العدوّ نحو البحث عن الشخصيّات الأساسية في «حزب الله» تمهيداً للتجسّس والاختراق، ويمرّ بمحطّات مفصلية مثل الحرب على شبكة اتّصالات الحزب عام 2008، وصولاً حتّى دور شركتَي BAC Consulting وGold Apollo في تزويده بالأجهزة اللاسلكية وأجهزة «البيجر» المفخّخة.
يأخذ الوثائقي مداخلات مروحة واسعة من الشخصيّات الأمنية والصحافية، ومن مسؤولين في المقاومة والدولة والجيش في لبنان، وخبراء اتّصالات، وعملاء سابقين في الـCIA، ومراقبين وصحافيّين إسرائيليّين (عبر شركة وكيلة في أوروبا) ومسؤولين مجريّين وأتراك، وغيرهم. ويروي كيف أنّه بعكس ما يدّعيه العدوّ من أجل تضخيم الاختراق، فإنّ المقاومة كانت على علم بوجود ما يثير الريبة في الأجهزة، ما خلق أخذاً وردّاً بينها وبين الشركة المزوّدة على مدى سنوات، ولا سيّما المدعوّة «تيريزا وو» التي أصرّت على إرسال أجهزة غير المطلوبة حتّى عند رفض «حزب الله»، ثمّ رفضت كذلك إعادتها بعد إرسالها تحت حجّة أنّها نسخة أحدث.
شكوك سبقت التفجيرات
كذلك، كانت الخطّة الأساسية تقضي بقتل أو جرح 20 ألف مقاتل في المقاومة دفعة واحدة، ما كان سيتسبّب في مجزرة أكبر بكثير، لكنّها فشلت. ويروي الوثائقي كيف كان العدوّ يستهدف مَن كان يعتبر أنّه اقترب من كشف التفخيخ، بالإضافة إلى قصف أجهزة سكانر متطوّرة كانت في طريقها من إيران، والتمويه عبر قصف أماكن أخرى تزامناً والادّعاء باستهداف منصّات دفاع جوّي. من جهة أخرى، ارتكب «حزب الله» خطأً بتفكيك الأجهزة من دون التشريح أو الاقتراب من البطارية حيث كانت المتفجّرات، رغم تشكيك أحد مهندسيه قبل أن يغتاله العدوّ.
عناصر بصرية متطوّرة ومشاهد إعادة تمثيل ووثائق مثبتة
كذلك، يكشف «المصيدة» عن اختراق حصل في شركة Gold Apollo في هونغ كونغ لم يعلم به الحزب، بالإضافة إلى خرق «إسرائيل» القانون الدولي عبر وضع متفجّرات في أجهزة نُقلت عبر طائرات مدنية، ما كان يمكنه التسبّب في قتل مدنيّين من دول مختلفة خلال الرحلات من هونغ كونغ إلى تركيا ثمّ إلى لبنان، علماً أنّ الموادّ المستخدَمة لا يمكن لأجهزة الأشعّة في المطارات استشعارها. ويسرد أحداث يوم انفجار أجهزة «البيجر» في 17 أيلول (سبتمبر) 2024 والإجراءات الطارئة التي أخذتها الأجهزة الأمنية الرسمية، والمقاومة على مستوى السيّد حسن نصرالله والسيّد هاشم صفيّ الدين والشيخ نبيل قاووق، ما خفّف من حجم مجزرة اللاسلكي في اليوم التالي، إذ انفجر عدد أقلّ من الأجهزة، لكنّ عدد الشهداء كان أكبر كون كمّية المتفجّرات فيها كانت أكبر، كما يوضح مرتضى.
ويكشف الوثائقي أيضاً عن السيناريو الأكثر واقعية لتفعيل التفجيرات، وهو أنّ مسيّرات إسرائيلية بثّت إشارات طوال النهار، فانفجرت الأجهزة التي كانت قد التقطتها ولو عاد وأخذها أصحابها تحت الأرض أو إلى سوريا على سبيل المثال، فيما لم تنفجر تلك التي بقيت تحت الأرض طوال النهار أو بقيت مطفأة. من جهة أخرى، تُفضح أكاذيب نتنياهو الذي تفاخر ولا يزال بجريمته، مثل أنّه أعطى الضوء الأخضر للتفجيرات فور اكتشاف الحزب الثغرة الأمنية، فيما تُظهر الوثائق اكتشافه لها قبل شهر ونصف على الأقلّ، فيما أجبرته حرب الإسناد على توزيع الأجهزة اللاسلكية رغم أنّها كانت مُنعت من التوزيع بسبب الشكّ في أمرها.
من العملية الأمنية إلى التوثيق
يُعتبر «المصيدة» عملاً مهمّاً من حيث توثيقه أحد أكثر الأيّام دموية في تاريخ لبنان الحديث، وإحدى أكثر الخطط إجرامية على مستوى العالم، على يد الكيان الصهيوني. لكنّ أهمّيته الأكبر هي في المعلومات الأمنية التي يعرضها على نطاق جماهيري، وبعضها معروف فيما بعضها الآخر يُكشف للمرة الأولى، وتعرض للمهتمّين طرق تفكير الاحتلال والمقاومة وأساليب عمل مختلف الجهات المعنية بالحدث، عبر عناصر بصرية متطوّرة ومشاهد إعادة تمثيل ووثائق مثبتة.
نزار نمر-الاخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.





