لم تعد تطورات أسعار النفط والغاز مرتبطة فقط بما هو مطروح من كميات في الأسواق العالمية مقارنة باحتياجات الدول، وإنما هناك عدة عوامل أخرى أفرزتها تداعيات الحرب على إيران، وباتت أساسية ومؤثرة أكثر.
انخفاض أسعار النفط والغاز لن يكون مؤثراً في الاقتصاد العالمي إلا في حالتين.
لن يشفى الاقتصاد العالمي قريباً، حتى لو توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق دائم ينهي الحرب قريباً، فالأمر بحاجة إلى عدة سنوات، وإلى إعادة ترتيب الدول للكثير من أولوياتها ومشاريعها الاقتصادية. إذاً، كيف سيكون الحال إذا استمرت أجواء التصعيد، سواء على جبهتي إيران واليمن، لأشهر أخرى قادمة؟
كما بات معروفاً، فإن الحرب التي شنتها واشنطن وتل أبيب على طهران ـ ولا تزال ـ أدت إلى نتائج كارثية على الاقتصاد العالمي، مع توقف إمدادات النفط والغاز وسائر المنتجات البتروكيماوية من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية، وما تسبب به ذلك من ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته إلى مستويات قياسية قادت إلى موجات تضخمية ليست بالقليلة، إضافة إلى تضرر قطاعات حيوية تقوم عليها اقتصادات عدة، من النقل إلى السياحة فالزراعة والصناعة والعقارات وغيرها.
ولذلك، فإنه من السذاجة بمكان تخيل أن عودة أسعار النفط إلى مستوياتها السابقة قبل نشوب الحرب، وهذا يبدو مستحيلاً على المدى القريب، يمكن أن تسهم في تفكيك أو معالجة كل هذا الخراب الاقتصادي الذي تسببت به إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحربها على إيران، ومن ثم رفضها الاعتراف بهزيمتها أو فشلها في تحقيق ما كانت تصبو إليه من هذه الحرب.
لم تعد تطورات أسعار النفط والغاز مرتبطة فقط بما هو مطروح من كميات في الأسواق العالمية مقارنة باحتياجات الدول، وإنما هناك عدة عوامل أخرى أفرزتها تداعيات الحرب على إيران، وباتت أساسية ومؤثرة أكثر، من قبيل:
ارتفاع تكاليف عمليات الشحن والتأمين، والتي ستظل كذلك لفترة ليست قصيرة، حتى في حال تم التوصل إلى اتفاق دائم ينهي هذه الحرب، فالمخاوف من تجددها ستظل سيدة الموقف، لا سيما أن هناك تجربة سابقة شهدت انقلاب إدارة ترامب على مذكرة التفاهم التي وُقعت منتصف يونيو.
ارتفاع تكاليف عمليات إصلاح وإعادة تأهيل الحقول والمنشآت النفطية والغازية التي تعرضت للاستهداف المباشر، فالدول التي تضررت منشآتها ستكون حريصة على إبقاء الأسعار حول مستويات مقبولة لتوفير التمويل اللازم لمشاريع إعادة التأهيل وسد الخسائر التي تكبدتها، وما قرار الإمارات بالخروج من أوبك ورفع طاقتها الإنتاجية إلا ترجمة عملية لذلك.
الطلب العالمي المتزايد على النفط، المدفوع بعاملين اثنين: الأول إعادة ملء الخزانات الاحتياطية، التي وصلت اليوم إلى أدنى مستوى لها منذ عدة سنوات، والثاني تلبية احتياجات السوق المحلية بعد فترة من ترشيد الكميات المتاحة للاستهلاك المحلي.
إذا كانت أسعار النفط هي التي أشعلت التضخم العالمي في الأشهر الماضية، وما تبعها من إجراءات وقرارات حكومية كرفع أسعار الفائدة، فإن التأثير في الفترة القادمة سيكون معكوساً، حيث سيسهم التضخم في التأثير على أسعار النفط وإبقائها حول مستوى معين.التضخم العالمي
لا يحتاج خفض التضخم في الوقت الراهن إلى تراجع أسعار النفط والغاز فقط، وإنما إلى اتخاذ الدول قرارات مؤثرة على صعيد توجهات السياسات الاقتصادية، النقدية والمالية والتجارية والإنتاجية، وهذه ستكون لها كلفتها المباشرة والسريعة على معدلات النمو الاقتصادي.
ولذلك، فإن الدول ستكون أمام ثلاثة خيارات: إما التدخل المحدود لوقف التضخم بغية تجنب تباطؤ الاقتصاد بشكل كبير، وإما التشدد حتى لو كان ذلك على حساب النمو الاقتصادي، والخيار الثالث هو المواءمة بين معدل تضخم مقبول ونشاط اقتصادي متناسب. وباعتبار أن الخيار الثالث هو الأكثر ترجيحاً، فهذا يعني أن الحرب ستترك آثاراً على التضخم العالمي لفترة أطول، وتجعل العودة إلى المستويات التي كانت سائدة قبل الحرب أكثر صعوبة.
تغير الأولويات
إذا كانت الولايات المتحدة قد لجأت إلى خيار رفع أسعار الفائدة رغم ضغوط الرئيس ترامب لخفضها، وثمة مخاوف من إمكانية رفعها مرة أخرى هذا العام فيما لو حافظت أسعار النفط على مستوياتها المرتفعة، فإن دولاً اقتصادية كبرى أخرى، كالصين والهند وغيرها، عملت على ترشيد استهلاكها من النفط ومشتقاته من خلال توسيع مجالات استخدام الفحم الحجري مثلاً، والطاقات المتجددة، وتغيير بعض عادات الاستهلاك، وتقليص ساعات العمل، وغيرها.
ماذا يعني هذا الكلام؟
يعني أن الدول دخلت مرحلة جديدة مختلفة عن السابق، وسيكون لها تأثيرها على التوجهات الاقتصادية العالمية للسنوات القادمة.
أما الدول التي عانت من تداعيات الحرب بشكل عميق، لا سيما تلك التي تعتمد كلياً على واردات النفط والأسمدة، فإن أمامها مشواراً طويلاً لإعادة انتشال الملايين من مواطنيها من خانة الجوع وانعدام الأمن الغذائي إلى خانة الأمن الغذائي المقبول. مشوار يحتاج إلى دعم دولي واسع بالتمويل والمساعدة الفنية والتقنية وغيرها.
العلاقات الدولية
ما خربته الحرب على صعيد العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول سيبقى حاضراً لسنوات، فالعالم لن ينسى لواشنطن ما فعلته، سواء لجهة اتخاذها قرار الهجوم على إيران أو رفضها إجراء تسويات لوقف التدهور الاقتصادي الحاصل على الساحة الدولية.
وهناك دول بدأت فعلاً تفكر بالمستقبل، منطلقة في ذلك مما أفرزته الحرب من تساؤلات عميقة تتعلق، مثلاً، بخريطة الشركاء التجاريين والسيناريوهات المحتملة لتعديلها بما يتناسب مع توقعاتها للمرحلة القادمة. أيضاً، هناك تساؤل مهم يطرح في دول عدة عن الجدوى الاقتصادية لخيار العودة إلى رفع الطاقة الإنتاجية للمصافي الوطنية، بغية تقليل الاعتماد على استيراد المشتقات النفطية، سواء بإعادة تأهيل المصافي الموجودة أو بناء مصافٍ جديدة.
ولا ننسى، بالطبع، الحديث عن إنشاء ممرات جديدة للطاقة في مناطق عدة من العالم، وموازنة ذلك بين الكلف الاقتصادية الكبيرة لإنشائها واستثمارها وأثرها بالتالي على الأسعار النهائية للنفط والغاز، وبين مستويات المخاطر المحتملة للممرات المستخدمة حالياً.
أمام هذه الوقائع، فإن انخفاض أسعار النفط والغاز لن يكون مؤثراً في الاقتصاد العالمي إلا في حالتين مترابطتين:
الأولى أن يكون ذلك الانخفاض ناجماً عن اتفاق دائم لإنهاء الحرب، لا يقود فقط إلى إنهاء التصعيد في أرجاء المنطقة، وإنما إلى فتح باب الحوار بين مختلف الدول لضمان عودة حركة الملاحة إلى مضيقي هرمز وباب المندب، أي تكريس حالة الاستقرار وخفض منسوب المخاطر إلى أدنى مستوى لها. وهذه خطوة مهمة لخفض تكاليف الشحن والنقل والتأمين وعلاوات المخاطر وغيرها.
تعاون المجتمع الدولي على معالجة تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي من خلال الاتفاق على خطوات محددة لمعالجة مشكلة التضخم، وضمان تدفق السلع والتبادل التجاري، وتحسين الأداء الاقتصادي، ومساعدة الدول الفقيرة التي تأثرت بعمق بتداعيات الحرب على إيران، وغير ذلك.
كل ما سبق يبقى مجرد سياق نظري مع وجود إدارة أميركية تتعامل مع العالم وموارده وأزماته من منظور مشروع تجاري شخصي، لا أكثر ولا أقل، بدليل ما حدث في فنزويلا، وغرينلاند، والحرب على إيران، وحرب الإبادة في غزة، وغيرها.
المصدر: الميادين
كاتب المقال الأصلي: يحيى الصادق
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




