الخطر الوجودي الأكبر كما تراه الدوائر الصهيونية يكمن في إيران.
لعل السؤال حول نيّة الولايات المتحدة الذهاب إلى حرب واسعة ضد إيران، من أكثر الأسئلة التي تشغل بال العالم اليوم. فمن جهة مثل هذه الحرب ستخلف كوارث إنسانية كبرى تطال جميع شعوب المنطقة، ومن جهة أخرى ستكون آثارها الاقتصادية أكبر من كارثية على اقتصادات جميع دول العالم.
يتحول السؤال إلى قلق داهم في ظل تضارب التصريحات الأميركية والصهيونية حول قيام هذه الحرب، خاصة بعد خطابي رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء العدو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
لكننا على مدى أيام هذه الحرب، سمعنا الكثير من الجعجعة لكننا لم نرَ طحنا، فإيران ما زالت صامدة في وجه العدوان، بل وتتقدم في خطابها السياسي والعسكري، ومن ورائها يتقدم محور المقاومة الذي رسخ سيطرته على مضيق باب المندب، واستخدم أسلحة جديدة (الصواريخ المجنحة) في الرد على العدوان السعودي على اليمن. فخيارات ترامب على الأرض ليست بسهولة إطلاق التصريحات، فلكل خيار ثمن قد يكون باهظا، بل ويمكن أن يعيد تشكيل خارطة القوة العالمية.
خيار الحرب قبل الانتخابات النصفية؛ تبدو إيران، برأي كبار الخبراء العسكريين في البنتاغون، قادرة على الصمود أمام أي هجوم أميركي، بل ويتوقع هؤلاء الخبراء أن الحرب يمكن أن تستمر إلى ما بعد انتهاء ولاية ترامب. في محاولة لكسب الحرب ستضطر الولايات المتحدة إلى استخدام قوة نارية هائلة، ما سيرفع عدد الضحايا المدنيين وخسائر البنية التحتية الإيرانية.
أمام هذا السيناريو ستكون إيران ملزمة بالرد بنفس القوة، ما سيطال البنية التحتية للعديد من دول المنطقة التي ستشارك في الحرب سواء بشكل مباشر، أو من خلال السماح باستخدام القواعد الأميركية المقامة على أراضيها. ارتفاع سعر برميل النفط لأكثر من 150 دولار يعني كارثة اقتصادية عالمية، خاصة وأن أوروبا مقبلة على فصل الشتاء.
الأهم أن ترامب يحتاج إلى حسم المعركة لصالحه وبسرعة، قبل موعد الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم. إذا صمدت إيران، وهو الأمر المتوقع، فإن شبح خسارة فادحة في الانتخابات يطارد الحزب الجمهوري وإدارة ترامب التي لن تكون “بطة عرجاء”، بل “بطة كسيحة” في ظل تقدم الحزب الديمقراطي، وبشكل خاص التيار الديمقراطي الاشتراكي الرافض لسياسة ترامب الخارجية جملة وتفصيلا.
خيار عدم الذهاب إلى الحرب، ليس أقل تعقيدا. فمنذ بداية الحرب على إيران ارتفعت أسعار الوقود بنسبة تتجاوز 50%، كما ارتفعت أسعار السلع الأساسية، وكذلك معدلات التضخم، وكلف الاقتراض إذ تجاوزت الفائدة على الرهن العقاري ل 30 عام نسبة 7%.
في حال الوصول إلى الانتخابات دون تحقيق انجاز عسكري أو اقتصادي يبرر للمواطن الأميركي هذا الارتفاع غير المسبوق في تكاليف الحياة اليومية، فإن الحزب الجمهوري سيجد نفسه واقعا بين مطرقة الأزمة الاقتصادية وسندان الرفض الشعبي المتزايد لسياسات الرئيس ترامب. تدخل هنا حسابات الخسارة دائرة البحث عن أفضل سيناريو للخسارة، بحيث لا يتمكن الديمقراطيون من فرض أغلبية ساحقة على الكونغرس، تعرقل جميع مخططات إدارة ترامب ليس العسكرية فقط، بل والاقتصادية وفي مقدمتها التعرفة الجمركية التي أضرت بالمنتجين والمستهلكين الصغار في الوقت نفسه. في هذا السياق جاءت الرشوة الانتخابية التي وعد بها ترامب الشعب الأميركي حال فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية.
يبقى خيار ثالث هو الأقل ترجيحا، وهو سعي ترامب لحشد حلف عسكري غربي لشن ضربة خاطفة وقاسية على إيران، هذا ما ظهر في حديثه أمام الأمم المتحدة عن قدرة الصواريخ الإيرانية على الوصول إلى استراليا وأوروبا. يعتمد هذا السيناريو الانتحاري والذي سيواجه برفض عالمي، على استطلاعات الرأي في الفترة القريبة من الانتخابات، فإذا أظهرت تفوقا واضحا للديمقراطيين، فإن ترامب سيندفع لممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على الدول المستهدفة بالانضمام إلى الحلف. بالتأكيد ستنضم دول الخليج إلى هذا الحلف، الذي يمنح ترامب مادة دعائية حول توحيد “العالم الحر” في مواجهة إيران. لكن حجم رد الفعل الإيراني يبقى مجهولا، مع ترجيح أن تتحول المغامرة إلى كارثة عسكرية واقتصادية.
يبدو وضع نتنياهو أقل صعوبة، فالمجتمع الصهيوني أصبح في غالبيته ذو طابع يميني متطرف، واحتلال حزب نتنياهو أحد المركزين الأولين في الانتخابات متوقع. وفي ظل التوجه اليمني فإن تشكيل حكومة ائتلاف برأسين احتمال وارد، وبالتالي يضمن نتنياهو بقاءه في في رئاسة الوزراء، وتجنيبه المحاكمة. لكن الأزمة التي يعاني منها الكيان منذ السابع من أكتوبر، هي شعوره بالتهديد الوجودي.
هذه الأزمة التي أصبحت تقض مضاجع مجتمع المستوطنين وحكومتهم، تعاظمت بعد الرد الإيراني المزلزل على العدوان الصهيوني، وصمود حزب الله في لبنان، وإنجازات الجيش اليمني وأنصار الله في اليمن. يعبر هذا القلق عن نفسه بتزايد أعمال العنف والقمع في الضفة الغربية، في محاولة للسيطرة على ما تبقى من فلسطين بشكل كامل، والتصعيد العسكري في غزّة ولبنان وحتى سوريا.
لكن الخطر الوجودي الأكبر كما تراه الدوائر الصهيونية يكمن في إيران. فالجمهورية الإسلامية ومنذ نجاح الثورة ترفع شعار العداء للكيان الصهيوني، ولم تتزحزح عنه قيد أنملة، بل تعاظمت قوتها وأصبحت قدرتها على لجم هذا العدو وهزيمته ظاهرة للعيان. فالحرب الصهيونية على إيران، حرب وجودية لا يختلف عليها طرفان داخل الكيان، وبغض النظر عمن يحكم الكيان، فإنه سينظر إلى أي حرب أميركية على إيران كفرصة سانحة، ولن يتردد عن المشاركة فيها.
بغض النظر عن السيناريو الذي سيلجأ إليه العدو، فإن إيران تبدو صاحبة اليد العليا، والأكثر قدرة على تحقيق مصالحها، بينما يجد الرئيس الأميركي وحزبه مصيرهما معلق بحبل تمسكه طهران.
المصدر: الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




