ألقى العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبته السياسية:”عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بأخذ العبرة من وصيّة أحد الملوك، فقد ذكر عنه أنَّه حين حضرته الوفاة، استدعى قائد جيوشه، وأوصاه بثلاث وصايا؛ الأولى: أن لا يحمل نعشه إلَّا أطباؤه. والثّانية: أن ينثر في الطّريق من قصره إلى حيث يدفن قطع الذّهب والفضّة والأحجار الكريمة الّتي يحملها. والثّالثة: أن يخرج يده من النّعش. وعندما سئل: لم كلّ هذا؟ قال: أمَّا الوصيّة الأولى، فلكي يعرف النّاس أنَّ الأطبّاء المهرة لم يستطيعوا أن ينقذوه، ووقفوا عاجزين عندما جاءه الموت. وأمَّا الوصيّة الثّانية، فلكي يعرفوا أنّه لن يأخذ معه ما كان يملك. وأمَّا الوصيّة الثّالثة، فليعلم النّاس أنّي سأخرج من هذه الدّنيا فارغ اليدين، ليس معي شيء ممّا جمعت من مال أو عقارات أو أيّ شيء من أمور الدّنيا.
وهذه الصّورة هي الَّتي أشار إليها القرآن الكريم، عندما قال: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}.
وقوله سبحانه وتعالى: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ}.
ومتى أخذنا بذلك، سنكون أكثر وعيًا للدّنيا ومسؤوليّة فيها، ونكون بذلك قادرين على مواجهة التّحدّيات”.
وعن التّصعيد الإسرائيليّ اعرب عن خشيته من ان يكون التصعيد الّذي نشهده في الغارات الّتي بات العدوّ يتجاوز فيها المواقع الّتي كانت تتعرّض للقصف سابقًا، مقدّمة لتوسعة دائرة عدوانه، حيث تخطّت المناطق القريبة من مواقع تواجده، فيما العدو يستمرّ بعمليّات النّسف والتّفجير لمعالم الحياة في القرى والبلدات الّتي يحتلها، ووصلت حتّى إلى المقابر، لتيئيس أهاليها من العودة إليها وتثبيت احتلالها. من دون أن تبدو في الأفق أيّ بوادر لحلّ ينهي هذه المأساة، أو أيّ ضغوط تمارس عليه لردعه عن عدوانه أو أيّ إدانة له”.
اضاف:”إنّنا، أمام ما يجري، نجدّد دعوتنا للدّولة اللّبنانيّة إلى القيام بالدّور المطلوب منها، أن لا تقف مكتوفة اليدين وتنتظر أن تأتيها الحلول من الآخرين، بل أن يكون صوتها عاليًا للمطالبة بحقّ اللّبنانيّين باستعادة أرضهم والعودة إليها، وأن تجوب العالم لتحقيق هذا الهدف. إنّ من المؤسف أن لا نشهد ذلك وإن حصل فليس بالمستوى المطلوب أو السّرعة اللّازمة”.
ودعا” الدّول العربيّة والإسلاميّة وشعوبها وأحرار العالم، إلى الوقوف في هذه المرحلة مع ما يعاني إنسان هذا البلد من آلة القتل والتّدمير كلّ يوم، وعدم تركه يواجه ما يواجهه وحده، من دون أن يكون هناك موقف يعبّرون به عن شجبهم لما يجري، أو دعم يخفّفون به معاناته”.
وقال:” نريد للّبنانيّين أن يكونوا أكثر وعيًا لمسؤوليّاتهم تجاه ما يتهدّد وطنهم، بأن تتوحّد جهودهم في هذه المرحلة الصّعبة، وأن لا يسمحوا لدعاة الفتنة أن يجدوا طريقًا لهم بما يجعل بأسهم بينهم”.
ولفت الى “إنّنا نعي أنّ هناك خلافًا بين اللّبنانيّين في مقاربة ما يجري، ولكن هذا لا يدعو إلى التّعامل معه بالخطاب الّذي نشهده، والّذي يوتّر السّاحة الدّاخليّة ويعمّق الانقسام فيها، بل إلى حوار عقلانيّ هادئ لا يستفزّ الآخر، ويأخذ بالاعتبار هواجسه والّذي هو السّبيل لإخراج البلد من محنته، ولإيقاف النّزيف الدّاخليّ الّذي لا نريد له أن يستمرّ”.
ودعا “الوسائل الإعلاميّة لأن تكون منصّة تستخدم لتعزيز هذا التّقارب، لا أن تكون مساحة لمزيد من التّوتير وتعميق حال الانقسام، فالبلد أحوج ما يكون إلى من يئد الفتن لا من يوقدها، ومن يصل إلى الحلول لا من يسهم في تعطيلها”.
أما على صعيد الوضع المعيشيّ، الّذي يتفاقم يومًا بعد يوم، فقال:” إنّنا نحيّي أيّ إجراء يتّخذ على هذا الصّعيد من قبل الحكومة، ولكنّنا نرى أنّ الإجراءات الّتي اتّخذت لن تؤدّي الى معالجة الحد الأدنى ممّا يعاني منه المواطنون، على صعيد تأمين احتياجاتهم من المواد الغذائيّة أو الاستشفاء أو التّعليم أو المسكن أو التّخفيف عن الطّبقات المسحوقة، وعلى الأقلّ أن لا تزيد من معاناتهم بأن تحمّلهم أعباء إضافيّة لتأمين مواردها”.
ورأى في الانسحاب الأميركيّ الّذي حصل في العراق، انهاء مرحلة عانى الشّعب العراقيّ من تداعياتها، وفرصة لاستعادة الدّولة العراقيّة لسيادتها، ما يدعو الشّعب العراقيّ بكلّ فصائله وتنوّعاته القوميّة والدّينيّة والمذهبيّة والسّياسيّة، إلى الوقوف صفًّا واحدًا لمواجهة المشاكل الّتي يعاني منها العراق، وأن يثبتوا أنّ العراق بقواه الأمنيّة قادر على ملء الفراغ الّذي قد ينتج من الانسحاب وتحمل هذه المسؤوليّة بكلّ تداعياتها”.
اضاف:”بالانتقال إلى الحصار الاقتصاديّ والماليّ والبحريّ المفروض على إيران، والّذي وصل إلى حظر شركات الطّيران الإيرانيّة وإقفال الأجواء أمامها، بهدف دفع إيران إلى التّخلي عن حقوقها ومصالح شعبها… إنّنا أمام ما يجري، ندعو إلى رفع هذا الحصار الّذي يطاول كلّ فئات الشّعب الإيرانيّ، وإنهاء حالة الحرب الّتي إن استمرّت لن تقف تداعياتها على السّاحة الإيرانيّة، بل تتعدّاها إلى المنطقة كلّها، وترك آثارها على العالم. ونحن على ثقة بأنّ الجمهوريّة الإسلاميّة رغم كلّ الظّروف الّتي تواجهها قادرة على الدّفاع عن حقوقها وسيادتها والامساك بقرارها”.
المصدر: الوكالة الوطنية للإعلام
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




