في زمانٍ بلا استثنائات، يطلق الحاضر عنان المستقبل ويشكّل لُبنته الأولى؛ لكن في زمن فيه حسن عبد- الكريم نصرالله، لا يكتفي الحاضر بصنع المستقبل فقط، إنما يلعب هو، بحدّ ذاته، دور الأخير.
وفي الأزمنة التي تصنع القادة فيها التاريخ، لم يكتف السيّد حسن في صنعه، بل ساهم في إعداد بُنيانه وتشكيل الحلقة التي تجعل الأزمان كلها زمنًا واحِدًا.
ما أصعب أن تكتب عن السيّد. فكيف تكتب عن صفاتِه؟ كيف تكتب عن خصائصه؟ كيف تكتب عن علاقته بشعبه؟ كيف تكتب عن علاقتك به، لا بل عن علاقته هو -من دون أن تراه- بك.
القائد الذي عَبَّر عن مجتمعه
يصِفُ “هيغل” القائد بأنه “التعبير عن المجتمع”. فالقائد التاريخيّ عند هيغل، هو الذي يلتقط حاجة تاريخيّة كامنة للمجتمع، ويحوّلها إلى فعل.
لم يصنَع السيّد الشهيد التاريخ من العدم، إنما ألبَسَه لَبوس الواقع، ومَنَحَه وَعيًا فلا يتحرّك من دون هدف، وإرادةً تُمثّل قوّة المحَرِّك لمَسار المنظومة الاجتماعيّة الثائرة.
أراد السيّد أن يفعِّل الوضعية المجتمعيّة الهادِفة، التي لا تَتَحَرَّك مشاعِريًّا فحسب، إنما تمتلك الوعي الإدراكي المناسب، الذي يضمن عدم انحِراف البُنية الإدراكيّة عن المسار الفاعِل في صراع الوجود، كي لا يُصبِح، المجتمع بحدّ ذاته، أداةً تقتُلُ نفسها بنَفسِها.
الأهمّ في حديثنا، أن تمثيل السيّد لمجتمعه لم يقتصر على الجانب التَوجيهي فقط، إنّما كان تمثيلًا للحاجة المجتمعيّة الفعليّة داخل ميدان الصراع المفتوح. فالمواجهة اليوم، والتي قادها السيّد لعقود، ليست مواجهة ظرفيّة خالية من سياقاتها، تنتهي عند انتهاء الجولات القتاليّة العسكريّة. ما تَلَقَّفَه السيّد بطبيعته كابنٍ لهذا المجتمع، أن الصراع هو صراع وجوديّ، وعليه يجب أن تكون المواجهة بهذا القدر.
وما شدّد عليه السيّد الشهيد طوال مسيرتِه القياديّة، أننا يجب أن نتميّز عن غيرنا بامتِلاك الوعي الكافي للمواجهة، في زمنٍ تَتَلاطمُ فيه أمواجُ الانحرافات، ولا تَفتَأُ المجتمعات تخرج من الصراع، تارِكةً مكانها للفراغ الذي لا يلبث الأعداء أن يُملوهُ بإرادتهم.
القائد بوصفه حاملًا للوعي
إذًا، هناك علاقة عضويّة بين قيادة السيّد حسن نصرالله والوَعي المجتمعيّ. فإذا أعَدنا شريط ذكريات خطابات القائد الشهيد، نَستَقي بلا أدنى جُهد، أن ذلك الشريط يمثّل خطّ إنتاج للرؤية. ما قام به السيّد نصرالله أنه أنتَجَ رؤية للعالم وجَسَّدَها داخل بنية مجتمعه.
هَدَفَت تلك الرؤية إلى ايجاد إطار مجتمعي يحتوي على فهم جَمعي للرسالة المُبتَغاة من التحرُّك الاجتماعي “الثوري” بطبيعتِه، وموقع تلك الجماعة في الصراع.
وقد أشار “غرامشي” بأن القائد لا ينبغي له أن يكتفي بإعطاء الأوامِر، بل أن يُنتِج رؤية متكاملة عن العالم، بحيث تفهمه المنظومة التي يقودها وتعي بذلك رسالتها وموقعها بطريقة مشتركة.
قوّة السيّد القياديّة كمنت بالدرجة الاولى باتّصاله بالبُنية الاجتماعيّة وعدم الانفصال عنها ولو للحظة. والأهمّ أنها نَظَّمَت بُنيان الوِعي لدى البيئة التي تَحتَضِن المقاومة، وبالتالي رَسَّخَت قواعِده وجعلته -أي الوعي- غير قابِل للانكِسار.
واستَطاع “سيّد المعادلات” بقيادته أن يرسم معادلات تبادليّة بين المجتمع والقيادة، تجاه “الفكرة”. فالمجتمع يُنتِج التجربة، والقيادة تقوم بصياغتِها فِكريًا وتُنتِجُ بدَورها وعيًا مُستَجِدّ يخدم مراحل الصراع المتلاحقة، لِيَتَبَنّى المجتمع ذلك الوعيّ وينقلها بتجربته الجديدة نحو القيادة. وداخلّ طيّات تلك المعادلة الدقيقة، تكمن العلاقة بين السيّد الشهيد ومجتمع المقاومة.
القائد والكاريزما
ماكس فيبر، المرجع الكلاسيكي في طرح العلاقات بين القائد والجماعة من منظار سوسيولوجي، يقول أن الكاريزما تتعدّى هويّتها النفسية لدى القائد تجاه جماعتِه، إنما تمثّل علاقة اجتماعيّة بحدّ ذاتِها.
ذهب فيبر إلى ما هو أبعَد من الإطار النفسي للكاريزما التي تُملى على الحاضِنة الشعبيّة إملاءً، إنما اتّخذ لها طابِعًا من العلاقات الاجتماعيّة، التي ما تلبث أن تتحوّل إلى علاقة مؤسّسيّة تشارُكيّة راسِخة، لها قواعِدها الفكرية، ويعرف كل طرف فيها، القائد والمنظومة، ما هو الدور الموكَل إليه خدمةً لاستدامة المشروع.
نرى في هذا السياق كيف أن الكاريزما القياديّة للسيّد الشهيد تحوّلت إلى نظام يضبط مسار المنظومة ويضمن استمراريّة النهج الفكري لها؛ وبذلك يكون السيّد قد قدَّم نموذجًا كاريزماتيًا استِثنائيًا، لا بل مُعَدَّلًا وله وظيفة انضِباطيّة.
وهبَت الكاريزما في شخصية السيد نصرالله لمجتمع المقاومة إطارًا تَنظيميًا بحدّ ذاتِه، وأثرَت الجانب الإدراكي من الفِعل المقاوِم، ولم تلعَب تلك الميزة منذ انطلاقة السيّد، عندما كان يقود المسيرات الشعبيّة وتصدَح حنجرته عبر مكبِّر الصوت في الشعارات الثوريّة، دور السلوك الشخصي البَحت، بل تحوّلت إلى ايقاع اجتماعي مُتَكامِل.
القائد والضمير الجَمعي
يتكوّن مجتمع المقاومة، وفق المنظور الاجتماعي، من منظومة قِيَميّة ومعتقدات مُشتركة، تُنتِج التضامن الاجتماعي الذي لعب الدور الأبرَز في المواجهة الأخيرة المُمتَدّة منذ 3 سنوات على الأقلّ.
وقد أدّى التضامن وظيفته الاجتماعيّة التي واكبَت صمود البيئة المُستَهدفة في الحرب العُدوانيّة الاسرائيليّة المُستَمِرّة، وتبيّن من خلال تجربة هذه الأعوام المُضنية، أن التنظيم يحتاج إلى قاعدة اجتماعيّة صلبة، تُنتِجُ الفعل المقاوِم من جهة، وتسانِد المنظومة العسكرية التي تُقاتِل بشكل مباشر.
وبالتالي، فإن أي خلل يُصيب الشقّ العسكري داخل المنظّمة، قد يُسقِط الأخيرة بالضربة القاضية إن لم تكُن مُستَنِدة إلى بُنية صلبة تحمل تَعَثُّرها وتمضي بها من دون السقوط. وقد بُرهِنَت هذه النظرية بشكل لا ريب فيه بعد ما جرى على المقاومة في السنوات الأخيرة، وكيف أن مجتمعها حملها على أكتافِه ومضى بها مانِعًا عنها السقوط.
جَسَّد القائد الشهيد، في كامل مسار قيادته، تلك القيَم المُشتِرَكة التي تحدّثنا عنها، ولكنه لم يكتفِ بمهمّة التَجسيد، بل حمل على عاتقِه دور ترميزها وتوحيدها تحت إطار منظومة القيَم التي تَتّبعه المقاومة.
وفيما يرى عالم الاجتماع الفرنسي الشهير، إميل دوركايهم، أن التضامن الاجتماعي يحتاج إلى مجموعة من القيَم والرموز والمعتقدات المشتركة، فهي بالتالي تحتاج إلى قائد يقود المنظومة يجسّد تلك القيَم والمعتقدات، ويقوم بترميزها وتوحيد مفاهيمها بما يضبط النهج المُتَّبَع.
وقد تحوّل السيد الشهيد حسن نصرالله، في حياته كما في شهادته، إلى رمز للهويّة الجمعيّة لبيئة المقاومة. وهو يضبط ايقاع تلك الهويّة ويوجِّه مساراتها فيَحميها من الانحراف.
تكمن أهميّة هذا الدور الذي مثّله السيّد بأنه دور منهَجي، لا ينقضي بمجرّد موت صاحبه. وهذه معضلة حقيقيّة عند الأعداء. ومن جهة أخرى هي النقطة الركيزة التي تَبني المقاومة يومها التالي عليها وتستكمل مشروعها مع السيّد، حتى بعد شهادتِه.
الخاتمة
في عملية تشريح العلاقة بين السيد حسن نصرالله، كقائد تاريخي لمنظومة اجتماعية تُسمّى مجتمع المقاومة، وبين الأخير، نحن أمام علاقة استثنائية خلقت منظّمة استثنائيّة بلا شكّ. فلا يمكن الفصل بأي شكل بين السيّد كقائد، وبيئة المقاومة كمجتمع.
وكما رأينا من خلال عملية التمحيص السوسيولوجي التي أجريناها، أن العلاقة تفوق التبادل أو التشارُك بين السيّد القائد ومجتمع المقاومة.
النموذج الذي قدّمه السيّد في قيادته يجسّد المنهاج الذي يحاكي الزمن كمسار متكامل. فالقيادة، في منظار السيد، لا تقتصر على القيادة اللحظوية، إنما تتعدّاها لتكون مقاربة تاريخيّة لمفهوم القيادة.
جعل السيّد من المجتمع “مجتمعًا قائدًا”، الجميع فيه فاعلون في خدمة الهدف. وهنا نحن لا نتكلّم عن نظريات، ربما الأحداث الأخيرة ساعدتنا في تكريس تلك النظريات المثالية في الفعل التضامني الاجتماعي.
ورأينا كيف تصرّف المجتمع عند رحيل السيّد، وهي اللحظة التي كانت كفيلة بالاندثار الاجتماعي عن بكرة أبيه، لولا أن السيّد جهّز الميدان لتلك اللحظة.
ربّما أبرز ما أعدَّه السيّد، هو أنه سيستمر بالقيادة حتى بعد رحيله عن هذه الدنيا. والأيام ستُثبِت ذلك.
علي حجازي-الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




