لم يكن وصف رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو للقائد الشهيد السيد حسن نصرالله، بعد اغتياله، بأنه «محور المحور» مجرّد توصيف ظرفي لتعظيم أهمية العملية. فالعودة إلى الأدبيات الإسرائيلية على مدى نحو ثلاثة عقود تكشف أن عناصر هذا الوصف كانت حاضرة، وإن بمفردات مختلفة، لدى كبار المسؤولين المهنيين في الجيش والاستخبارات الإسرائيلية منذ وقت مبكر: قائد يجمع بين التفكير الاستراتيجي والسيطرة التنظيمية والعمل التكتيكي واستثمار العامل النفسي؛ ثم قائد يمتلك معرفة استثنائية بإسرائيل ومجتمعها؛ ثم فاعل مركزي في تشكيل الردع والمعركة على الوعي؛ ثم «مركز ثقل» لحزب الله؛ وصولاً إلى تقديرات استخبارية وضعته شريكاً في منظومة القرار الإيراني والمحور الإقليمي.
بدأ الإدراك الإسرائيلي لخصوصية شخصية نصرالله يتبلور منذ تولّيه الأمانة العامة عام 1992، لكنه اتضح أكثر مع تراكم تجربته في إدارة المواجهة وصولاً إلى الانسحاب الإسرائيلي في أيار 2000. ومن أبرز الشهادات المبكرة ما صدر عن رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان» اللواء عاموس مالكا، في مقابلة مع «يديعوت أحرونوت» في 26 أيلول 2001، وصف فيها أسلوب نصرالله بأنه يجمع بين «التفكير الاستراتيجي والسيطرة الكاملة والعمل التكتيكي واستغلال العامل النفسي».
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها لا تنسب إلى نصرالله سمة منفردة، بل ترى فيه اجتماع مستويات متعدّدة من القيادة. فالتفكير الاستراتيجي يربط العمل العسكري بهدف سياسي أبعد، والسيطرة التنظيمية تعني القدرة على تحويل الرؤية إلى أداء مؤسساتي، والعمل التكتيكي يُبقي القيادة العليا على صلة بتفاصيل الميدان، فيما يكشف التركيز على العامل النفسي عن إدراك مبكر لتعاطيه مع وعي الخصم بوصفه ساحة أساسية للصراع.
ومع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، اكتسبت هذه الصورة بُعداً إضافياً، إذ أصبحت قدرة نصرالله على قراءة المجتمع الإسرائيلي جزءاً أساسياً من النقاش حوله، ولا سيما بعد خطابه الشهير عن «بيت العنكبوت»، والذي نبعت أهميته من الفرضية الاستراتيجية التي قام عليها: إسرائيل متفوّقة مادياً وعسكرياً، لكن اختبار قوتها الحقيقي يكمن في قدرتها الاجتماعية والسياسية. وهنا ظهر مبكراً عنصر سيتكرر لاحقاً في تقديرات القادة والخبراء الإسرائيليين: نصرالله لا يدرس الجيش الإسرائيلي فحسب، بل يدرس المجتمع الذي يقف خلفه، والإعلام والسياسة الداخلية، ومكامن القوة والضعف في هذا المجتمع. وهذه المعرفة بالخصم ستتحوّل لاحقاً من أداة لفهم إسرائيل إلى أداة لمحاولة التأثير فيها.
خصّص جهاز «أمان» أكثر من 15 باحثاً لـ«ملف حسن نصرالله» وتحليل شخصيته وسلوكه وتوقّع ردوده على سيناريوات مختلفة
شكّلت حرب تموز 2006 نقطة تحوّل مركزية في هذه العلاقة، مع ارتقاء أداء حزب الله إلى مستوى قوة ردعية تجاوزت الدور التقليدي لحركات المقاومة. وأصبح نصرالله، في نظر القادة العسكريين والاستخباراتيين الإسرائيليين، قائداً يدير منظومة من المعادلات هدفها الحفاظ على التوازن، والموازنة بين التعاظم العسكري وتجنّب الانزلاق غير المحسوب إلى مواجهة شاملة.
بعد الحرب، أصبحت خطابات نصرالله نفسها مادة متابعة إسرائيلية مستمرة، وانتقلت الأدبيات الأمنية تدريجياً إلى مفهوم أوسع هو «المعركة على الوعي». فقد أدركت المؤسسة الإسرائيلية أن الخطاب لم يكن موجّهاً إلى جمهور حزب الله، بل إلى الجمهور والجيش وصانع القرار في إسرائيل.
وهنا تتضح إحدى أكثر الخصائص تعقيداً في الدور الذي نسبته إسرائيل إلى نصرالله: قدرته على توظيف المعلومة والتهديد والصورة والكلمة والتوقيت ضمن قواعد الصراع. وعبّر اللواء عوزي ديان، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، عن هذه الفكرة بوضوح عام 2018، حين دعا إلى جعل اغتيال نصرالله هدفاً رئيسياً، بسبب «التأثير الهائل» الذي يتمتع به داخل إسرائيل.
ولعل المؤشر الأوضح إلى المكانة التي احتلتها شخصية نصرالله في التفكير الإسرائيلي لا يظهر في تصريحات السياسيين، بل في حجم الاستثمار المؤسسي الذي خصّصته الاستخبارات العسكرية لدراسته. فقد كشفت «يديعوت أحرونوت» عن فريق خاص في شعبة الأبحاث في «أمان»، يضم أكثر من 15 باحثاً من اختصاصات مختلفة، يتركّز عملهم على تحليل شخصيته وسلوكه، وتوقّع ردوده على سيناريوات مختلفة. وكان الفريق يحدّث باستمرار عن المعلومات الواردة من المصادر العلنية والوسائل الاستخبارية السرية، ويبني ما سمّته الصحيفة «ملف حسن نصرالله».
وهنا تتجاوز المسألة مجرّد الفضول الاستخباري تجاه قائد الخصم. فجميع أجهزة الاستخبارات تدرس قادة خصومها: خلفياتهم، ونقاط قوتهم وضعفهم، وأيديولوجياتهم، وطريقة اتخاذهم للقرار. لكنّ تخصيص فريق بهذا الحجم لقائد واحد يعكس افتراض «أمان» وجود علاقة سببية وثيقة بين فهم شخصيته وفهم سلوك المنظومة التي يقودها.
لكنّ التطور الأهم في تقدير «أمان» جاء مع انتقال النظر إلى نصرالله من موقعه داخل حزب الله إلى دوره في المنظومة الإيرانية نفسها. ففي مقابلة عام 2022، رفض رئيس شعبة الأبحاث في «أمان» العميد عميت ساعر توصيف العلاقة بين نصرالله وإيران بنموذج «الرئيس والتابع»، مشيراً إلى أن نصرالله «شريك في اتخاذ القرارات»، وأبرز شخصية في «منظومة المحور الشيعي» بعد الإمام علي خامنئي.
ويكتسب هذا التقدير أهمية لسببين: الأول أنه يكشف الفارق بين التقدير الاستخباري المهني الذي يرى في العلاقة شراكة، مع احتفاظ نصرالله بوزن يتيح له المشاركة في القرار، وبين الخطاب السياسي – الدعائي الذي يُقدَّم حزبالله باعتباره مجرّد «وكيل إيراني».
والثاني، وهو الأكثر ارتباطاً بمفهوم «محور المحور»، أن مركز ثقل نصرالله ليس محصوراً داخل حزب الله، وأن وضعه مباشرة بعد خامنئي في هرمية المنظومة المحورية، يعني مرحلة جديدة تماماً في تطوّر الصورة الإسرائيلية لنصرالله.
وهكذا يتضح أن وصف نتنياهو نصرالله بأنه «محور المحور» لم يكن مجرد توصيف سياسي دراماتيكي لإبراز أهمية العملية، بل خلاصة سياسية متأخّرة لمسار طويل من التقدير الاستخباري والعسكري الإسرائيلي.
علي حيدر-الاخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




