“اشتقنالك” عبارة رُفِعت عالياً كمن يطلق صرخة مدوية في فضاء من حزن عميق لا يجد له نهاية، أتت اختصاراً للكلام، وأيّ كلام يمكن له ملء فراغ الروح…؟
عام آخر ينقضي على الرحيل المرّ وفي كلّ جزء من عمرنا المثقل بالشوق نبحث عن “طلتك” التي لا تُقارن بأيّ إطلالة، في كلّ جزء من الثانية ننتظر صوتك يا سيد القول والفعل علّنا نستعيد شيئاً من ذواتنا ونشعر بأمان فقدناه تحت وابل من أطنان الحقد والإجرام…
آه من أيلول، الوجع الممتزج بالدم والدمع، الخوف المتربّص بالعيون، والخبر المشؤوم… وما بعده من أيام وليال لم نملك فيها إلا الصبر والإصرار على فعل الصمود، وكيف لا نتمسك بفكرة الصمود وصدى الصوت حيّ في قلوبنا وعقولنا…
قد حبسنا جمر البكاء كي لا يُقال أننا ضعفاء، ومنك تعلمنا القوة، وأنت القدوة لأننا حفظنا خطابك في وداع إبنك الشهيد، حينها قلت لنا “أني أشكر الله على عظيم نعمه أن تطلع ونظر نظرة كريمة إلى عائلتي فاختار منها شهيداً وقبلني وعائلتي أعضاء في الجمع المبارك المقدس لعوائل الشهداء الذين كنت عندما أزورهم أخجل أمام أب الشهيد وأم الشهيد وزوجة الشهيد، وسأبقى أخجل أمام هؤلاء. الحمد لله الذي قبل أن أكون مواسياً وأن تكون عائلتي مواسية لعوائل الشهداء، ليس فقط في الشهادة وإنما أيضاً في احتجاز جسد الشهيد لأقول لعوائل الشهداء الذين ما زالت أجساد أبنائهم محتجزة لدى هذا العدو، لقد أصبح أيضاً بيننا وبينكم شراكة من النوع”.
لكن يا “عزيز الروح” من يواسينا والفقد عظيم، فنحن لا نملك مقدرتك على العطاء والتحمّل، نحن من اعتدنا على الطمأنينة التي تظلّلنا بها، وفي جزء من قهر لا ينتهي، كأن هول الدوي يعصف في نفوسنا ويخترق قلوبنا قبل ان يخترق الأبنية، في جزء من قهر استقرت تلك الأطنان المتفجرة القاتلة في أرواحنا المثقلة بهول ما بعد ذاك التاريخ…
أجل “اشتقنالك” يا من كنت بيننا ولم تزل حارساً لزمن انتصاراتنا، “اشتقنا” إلى الأمان في وجودك، وإلى إبتسامتك المشعّة بالثقة، وإلى وطن يشبهك…
ثقيل هذا الرحيل، والحزن لا يتقلّص بمرور الوقت، بل يكبر عند كلّ منعطف، عند كلّ خفقة قلب، عند كلّ إشراقة صبح على هذا الدمار المخيف، تُرى هل سأل أيلول ما سبقه من الشهور عن عزّ عشناه في فيء عباءتك، وعن أهازيج نصر صدحت على تخوم القرى ورايات خفقت وأناشيد كرّست حكاية مجد لا يتكرّر…
ألا يخجل “أيلول” من ثقل الغياب، وكأنّ الشمس مالت عن مسارها، وجفت كلّ السواقي وبات البحر حالك السواد، ونحن نحاول أن نتعلق بأمل ضئيل بالبقاء، وما البقاء بعدك يا سيد إلا شبه حياة…
عامان على العروج وتبقى حاضراً في كلّ التفاصيل اليومية، ويبقى صوتك خيمتنا ودربنا إلى اليقين، وعهدنا لك أنّ “بيننا وبينهم جبال جثث وانهار حقد ودمُ ودمٌ، وعويل، وثأر طويل” والصراع الوجودي مستمرّ فإما نحن أو نحن، عهدنا لك انّ هذه الأرض التي امتزجت بطهر الدماء من جنوب القلب إلى البقاع الأبي وبيروت العصية التي طردت المحتلّ بالطلقات المقاومة الآولى لن يدنسها قتلة “الانبياء” مهما عاثوا خراباً ومجازرَ، فمن بين الرماد ينبت ألف مقاوم والأشجار في أرضنا تقاوم كما زهر الليمون وسنابل القمح وحقول التبغ…
والشوق فينا إليك فعل مقاوم لأننا ندرك أنك ترانا من عليائك، ونحن نراك في وجوه الأطفال وصبر عوائل الشهداء وبأس أبنائك المرابضين على الثغور، في ذكرى العروج نقول لك يا “عزيز الروح” إننا حين ودعناك كنا نودع بريق عيوننا وبعضاً منا والكثير من سكينتنا، في ذكرى العروج نأتي إليك بكلّ ما أوتينا من صمت يتخطى اللغة وقوافيها ونختصر كلّ ما تتضمّنه الأبجدية من نصوص كتبها الدمع المحترق في المقل والنبض المرتجف على إيقاع الخبر بكلمة “اشتقنالك”، نأتي إليك لنسألك متى اللقاء الذي وعدتنا به، ليتنا أدركنا حينها يا سيدنا أنك كنت تودعنا إلى جوار الأحبة لربما تعلقنا بخيط من نور عمامتك ورجوناك البقاء قليلاً بعد، أو كنا مضينا معك إلى المدى الأرحب…
عبير حمدان
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




