كتب اللواء في قوات الاحتياط “الإسرائيلية” يتسحاق بريك مقالًا في صحيفة “معاريف”: إنه “في الوقت الذي تُضمَّد فيه الجروح الجسدية للحرب الأخيرة تحت أضواء النيون في الأقسام الجراحية، تدور في الظلام معركة من نوع آخر. عشرات الآلاف من مقاتلينا ومواطنينا يحملون معهم ندوبًا لا تنزف أمام العين، لكنها تنهش النفس من الداخل”.
وقال: “ربما دخلت الحرب في بعض فترات التهدئة على الأرض، لكن بالنسبة إلى جرحى النفس، فإن أصداء الانفجارات والمشاهد القاسية تستمر في العزف في حلقة لا نهائية. وأمام هذه المعاناة الخالصة، تقف “إسرائيل” في موقف ضعف يثير القلق، ويبدو في نظر كثيرين أنه لا يقل عن كونه إخفاقًا أخلاقيًا ووظيفيًا”.
أضاف بريك: “يكمن الإخفاق الأخطر في الفجوة التي لا يمكن تصورها بين حجم المشكلة وبين الاستجابة الحكومية. فقد وصل جهاز الصحة النفسية العام في “إسرائيل” إلى الحرب وهو يعاني من التجويع، والإرهاق، والجفاف المالي. وبدلًا من الإعلان عن «خطة مارشال» للنفس، تجد العائلات نفسها تصطدم بجدران من البيروقراطية الصماء. وتُقاس مواعيد الانتظار لدى الاختصاصيين النفسيين أو الأطباء النفسيين في القطاع العام بأشهر طويلة، وهو وقت لا يستطيع المصاب باضطراب ما بعد الصدمة ببساطة أن يتحمله”.
ووفقًا لبريك، “تكشف الوثائق والشهادات من الميدان صورة قاتمة: مقاتلون عادوا من المعركة يُجبرون على «إثبات» إصابتهم أمام لجان طبية مُرهِقة، في عملية تبدو أحيانًا وكأنها تحقيق للشرطة وليست مساحة علاجية حاضنة. وبالنسبة لمن ضحوا بسلامتهم النفسية من أجل الدولة، فإن هذه صفعة على الوجه تعمّق الصدمة وتخلق شعورًا قاسيًا بالتخلي عنهم”.
وتابع: “إن صرخة العائلات والغضب الشعبي المتصاعد ليسا مجرد نتيجة لعدم الكفاءة، بل نتيجة لشعور بالخيانة في العقد الوطني. عائلات المصابين، التي تحولت رغمًا عنها إلى مقدمي رعاية بدوام كامل من دون تأهيل أو دعم، تجد نفسها تنهار تحت العبء الاقتصادي والنفسي. وهي تصرخ بأن الحكومة تخلت عن أحبائها مرتين: مرة في ساحة المعركة، ومرة ثانية في «المعركة على البيت» التي تلت ذلك”.
ورأى بريك أن عجز الحكومة “الإسرائيلية” يظهر أيضًا في عدم القدرة على إنتاج حلول شاملة، وإعادة تأهيل مهني، ومرافقة للعائلات، ومظلة مجتمعية. وبدلًا من ذلك، يقدم الجهاز لَصقات لجروح عميقة، ويترك الجزء الأكبر من العبء على الجمعيات والمبادرات المدنية الخاصة، التي تقوم بعمل مقدس لكنها لا تستطيع أن تحل محل المسؤولية السيادية. وبدلًا من زيادة الميزانية بشكل كبير لإعادة تأهيل جرحى النفس، تختار الحكومة إعطاء الأولوية للأموال الائتلافية وضخ مليارات إلى القطاع الحريدي، بينما تمنح يدًا لاستمرار تجنبهم التجنيد في الجيش “الإسرائيلي”.
وقال: “إن “الدولة” التي تُقاس بقدرتها على إرسال أبنائها وبناتها إلى النار، يجب أن تُقاس أيضًا بقدرتها على إعادتهم إلى البيت، ليس بأجسادهم فقط، وإنما بأرواحهم أيضًا. إن الفشل في علاج المصابين نفسيًا هو قنبلة اجتماعية موقوتة. وإذا لم يحدث تغيير جذري في النهج، يشمل ضخ ميزانية تتناسب مع حجم المشكلة، وتقصير الإجراءات البيروقراطية، وتغيير التعامل مع المصابين بالصدمة، فقد نفقد جيلًا كاملًا”.
وختم بريك: “لقد حان الوقت لكي تفهم الحكومة: جروح النفس هي إصابات حرب بكل معنى الكلمة، وعلاجها واجب أخلاقي أسمى، وليس منّة. إن عدم معالجة المصابين نفسيًا معالجة جذرية سيُعتبر في نظر كثيرين تخليًا عنهم في ساحة المعركة، وسيضر بشدة بدافعية الأجيال الشابة للخدمة في الجيش”.
المصدر: موقع العهد الإخباري
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




