تستعدّ شركات الذكاء الاصطناعي لزرع علامات خفية في النصوص التي تولّدها، في خطوة تفرضها أوروبا باسم الشفافية، وتمنح الشركات وسيلة لقياس حضورها في العمل
غالب الظن أنكم تقرأون هذه الكلمات الآن على شاشة، علماً أن الاعتقاد بأنّ هناك من لا يزال يقرأ فعلاً بعيداً عن مقاطع الفيديو القصيرة صار أملاً كبيراً هذه الأيام.
ربما يصبح هذا النص في النهاية بيانات يتدرّب عليها نموذج ذكاء اصطناعي. حسناً، سيقرأه شيء ما في النهاية.
ظهر أول نص بشري على الويب عام 1991، وبعد ثلاثة عقود صار توليد النصوص بالآلة في متناول أي شخص.
نشر مركز الأبحاث الأميركي «بيو» في 20 آب (أغسطس) الماضي دراسة فحص فيها نحو 490 ألف صفحة إنكليزية مأخوذة من أرشيف «كومون كرول»، ووجد أنّ 10 في المئة من صفحات عيّنة تموز (يوليو) 2026 تحمل علامات واضحة على تأليف أو تحرير بالذكاء الاصطناعي.
وترتفع النسبة إلى 35 في المئة في الصفحات التي تحمل تاريخ نشر لاحقاً لإطلاق «شات جي بي تي» أواخر عام 2022.
وتتفاوت النسب بين نطاقات المواقع الإلكترونية، فتبلغ 9.3 في المئة في نطاقات «دوت كوم» التجارية، و4.6 في المئة في نطاقات المنظّمات، ونحو 1 في المئة في النطاقات الجامعية والحكومية. حصل هذا كله في أقل من أربع سنوات.
اعتمد الباحثون آلية كشف تلتقط النص المُحرّر جزئياً بالآلة، إلى جانب النص المولّد بالكامل.
أي إنّ مقالاً كتبه شخص بيده، ثم مرّره على النموذج للتدقيق اللغوي، ينتهي في الخانة نفسها مع نص أنتجه نموذج لغوي من الصفر. وهذه بالضبط هي الآلية التي تستعدّ صناعة الذكاء الاصطناعي لتثبيتها في النصوص التي تولّدها.
يُقلِق انتشار المحتوى المولّد شركات الذكاء الاصطناعي، لأن نماذجها تحتاج دائماً إلى مادة بشرية أصلية كي تتطور.
تُستخدم البيانات المولّدة اليوم في التدريب على نطاق واسع، وتعطي نتائج جيدة في مجالات محددة، ويحذّر باحثون في المقابل من «انهيار النموذج»، أي تدهور أدائه حين يُعاد تدريبه، دورة بعد دورة، على محتوى مِن صُنعه.
بالتوازي، يتنامى إحساس بالضجر والاشمئزاز من النصوص المولّدة لدى القراء، خصوصاً بعدما صارت أساليب كتابة الآلة وأنماطها معلومةً لدى غالبية الناس.
نتيجة لذلك، ومع بدء تطبيق قواعد الشفافية في قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي في 2 آب 2026، ستضطر الشركات التي تطوّر نماذج توليدية إلى جعل المحتوى الذي تنتجه قابلاً للتعرّف آلياً عبر وسائل تقنية.
ويفرض القانون أيضاً الإفصاح عن النصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي عند نشرها لإطلاع الجمهور على قضايا ذات مصلحة عامة. ومع سعي شركات التكنولوجيا إلى توسيع حضورها داخل المؤسسات، تتجه النماذج إلى إضافة علامات مائية خفية تعمل بشكل بصمة رقمية يصعب إزالتها.
يعني ذلك أنّ أي نص مرّ عبر نموذج للذكاء الاصطناعي صار قابلاً للفحص، مع الإشارة إلى أنّ أداة الفحص تبقى حتى اليوم محصورة بالجهات المؤهلة بموجب القانون الأوروبي، من هيئات تنظيمية وأجهزة إنفاذ قانون ووسائل إعلام ومدقّقي معلومات وباحثين مستقلين ومنظمات مجتمع مدني أوروبية، ولم تُفتح للجمهور بعد.
بدأت تظهر أدوات لإزالة العلامة من النصوص المولّدة
أجّرت شركات التكنولوجيا الناس خدمة النماذج التوليدية، وروّجت لها على أنها وسيلة لزيادة الإنتاجية.
ثم وجدت في قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي فرصةً تتعدّى الامتثال لمتطلباته. فالقانون يطلب أن يصبح المحتوى المولّد قابلاً للكشف آلياً، من دون أن يفرض بالضرورة علامة دائمة تتيح تتبّع استخدام النموذج داخل كل مؤسسة.
مع ذلك، قد تطوّر الشركات علامات أكثر ثباتاً مما يطلبه القانون، لأنها تمنحها القدرة على قياس حضور مُنتجاتها، وإثبات أنّ نسبة محددة من العمل أُنجزت بمساعدة نماذجها، ثم استخدام هذه الأرقام في التسويق وجذب العقود والاستثمارات.
وقد تضرّها العلامة أيضاً، لأنها تكشف اعتماد المستخدمين على الذكاء الاصطناعي، وتدفع بعض المؤسسات إلى تجنّب نماذجها، وتعرّضها لأخطاء الكشف والاعتراضات القانونية. هكذا تستفيد الشركات من القانون، وتدفع في الوقت نفسه جزءاً من كلفته.
وفي مفارقة سريالية، تسارع الشركات التي درّبت نماذجها على كميات هائلة مما نشره الآخرون، وسط دعاوى قضائية متواصلة حول حقوق أصحابه، إلى ختم إنتاج تلك النماذج باسمها.
أعلنت شركة «أنثروبيك»، المالكة لنموذج «كلود»، في 11 آب الماضي، أنها ستضع علامة مائية في مخرجات نماذجها الصادرة في 2 آب أو بعده، وهو تاريخ دخول المادة 50 من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيز التنفيذ، وأنها ستطبّق ذلك في جميع الأسواق التي يتوفر فيها «كلود»، بما فيها الأسواق خارج أوروبا.
وتعتمد الشركة أسلوب «سينث آي دي تكست» الذي طرحه فريق «غوغل ديب مايند» عام 2024.
تؤثر العلامة في طريقة اختيار النموذج لكلماته، فتدفعه إلى اختيار كلمات محدّدة من بين كلمات تحمل المعنى نفسه، وفق نمط سري يتكرر داخل النص.
وتستطيع أداة الفحص اكتشاف هذا النمط بعد نسخ النص ولصقه، وقد تكتشفه أيضاً بعد تعديل بعض أجزائه. وتعهّدت الشركة بأن تشمل العلامة المائية أيضاً النصوص التي تنتجها نماذجها القديمة، بحلول 2 كانون الأول (ديسمبر) 2026، وهي مهلة الانتقال التي منحها القانون.
وتضع «غوغل» العلامة نفسها في نصوص «جيميناي» منذ عام 2024، أي قبل القانون بسنتين.
وحدها شركة «إكس إيه آي»، المالكة لنموذج «غروك»، امتنعت عن التوقيع على مُدوّنة السلوك الأوروبية الخاصة بشفافية المحتوى المولّد، فيما وقّعت عليها نحو 190 جهة، بينها «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» و«ميتا» و«ميسترال».
ويبقى القانون نفسه مُلزِماً لها داخل السوق الأوروبية. أمّا النماذج الصينية، فتخضع منذ أيلول (سبتمبر) 2025 لقواعد وسم محلية تعتمد إشعاراً ظاهراً يراه المستخدم، ومعرّفاً في بيانات الملف، وهي آلية مختلفة لا تزرع أي علامة داخل النص نفسه.
تتعلق فعالية الآلية بعدد الكلمات التي يكتبها النموذج. إذا كتبت نصاً وطلبت منه تصحيح الأخطاء اللغوية، فسيغيّر عدداً قليلاً من الكلمات، وقد لا تظهر العلامة بوضوح. وإذا طلبت منه ترجمة النص، فسيكتب الترجمة كاملة بكلماته، وستحمل العلامة المائية.
وتقول «أنثروبيك» إنّ العلامة قد تظهر أيضاً عند استخدام النموذج في التلخيص أو تحويل الملفات أو التحرير، علماً أن القانون الأوروبي يستثني أدوات التحرير التي تصحّح النص من دون تغيير معناه.
ستقسم العلامة المائية النصوص المنشورة إلى فئتين: نص آلي، ونص بشري. ستكون الفئة الثانية أبطأ إنتاجاً وأعلى كلفة وأقل ربحية، ويصعب اليوم تصوّر من سيتحمّل ثمنها بعدما بنى سوق العمل الجديد هيكليته حول تلك النماذج، ربما يدفع ذلك المؤسسات إلى الإفصاح عن استخدامها الذكاء الاصطناعي في التحرير والتدقيق، وهو أمر لا يقلّل من قيمة عملها أبداً.
لكن على الضفة الأخرى، من يضمن أنّ شركات التكنولوجيا التي درّبت نماذجها على ملايين النصوص من دون إذن أصحابها ستلتزم بختم ما تنتجه؟ ستكشف الأشهر المقبلة ما إذا كانت العلامة المائية أداة شفافية أو ورقة تُقدَّم للمنظّم الأوروبي لكسب الوقت.
إضافة إلى ذلك، بدأت تظهر أدوات لإزالة العلامة من النصوص المولّدة، فيما يصعب اختبار فعالية معظمها قبل صدور أدوات الكشف الرسمية. وعند صدورها، ستبدأ جولة جديدة: تزيد الشركات صعوبة إزالة علاماتها، ويبحث المستخدمون عن طرق لمحوها.
لذا، من غير المُرجّح أن تقدّم العلامة جواباً نهائياً عن مصدر النص، والأكيد أنّها ستحوّل المسألة إلى سباق تقني.
بمعزل عن ذلك كله، إذا توقفنا قليلاً وتأمّلنا أين وصلنا، نجد فئة من الشباب تستسهل تكليف هذه النماذج بكتابة نصوص كاملة، وقد تلجأ أيضاً إلى أدوات إزالة العلامة المائية لإخفاء ذلك.
قد يكون هذا مفهوماً في بيئة تطالبهم بالسرعة، لكن ثمن هذه السرعة أنهم يحرمون أنفسهم من متعة البحث، ومن تحويل ما يدور في أذهانهم إلى نص أمامهم.
ولا يعني ذلك استبعاد النماذج اللغوية. يمكن استخدامها في التدقيق اللغوي، والتحرير الخفيف، والعثور على زوايا أغفلها الكاتب في نصه، وهي استخدامات مُعلنة وشائعة في مؤسسات كثيرة حول العالم.
تكمن خطورة هذه التكنولوجيا في قدرتها على دفع المستخدم إلى الاعتياد على تجنّب الجهد الذهني، إذ يميل الإنسان غالباً إلى الطريق الأقل كلفة ذهنياً عندما يوصله إلى النتيجة نفسها.
سبق لمنصات التواصل ومقاطع الفيديو القصيرة أن أثارت مخاوف من تراجع القدرة على التركيز، وقد تترك النماذج اللغوية أثراً أكبر، لأنها قد تختصر عملية التفكير نفسها.
علي عواد: جريدة الأخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.



